Entités

تفسير القرطبي — الإسراء 47

BE64960Tafsir

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ قِيلَ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ فِي قَوْلِهِ "بِهِ" أَيْ يَسْتَمِعُونَهُ. وَكَانُوا يَسْتَمِعُونَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنْفِرُونَ فَيَقُولُونَ: هُوَ سَاحِرٌ وَمَسْحُورٌ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَنْهُمْ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ. (وَإِذْ هُمْ نَجْوى) أَيْ مُتَنَاجُونَ فِي أَمْرِكَ. قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَتْ نَجْوَاهُمْ قَوْلُهُمْ إِنَّهُ مَجْنُونٌ وَإِنَّهُ سَاحِرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِي بِأَسَاطِيرِ الْأَوَّلِينَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ حِينَ دَعَا عُتْبَةُ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ إِلَى طَعَامٍ صَنَعَهُ لَهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَتَنَاجَوْا، يَقُولُونَ سَاحِرٌ وَمَجْنُونٌ. وَقِيلَ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا أَنْ يَتَّخِذَ طَعَامًا وَيَدْعُوَ إِلَيْهِ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ عَلِيٌّ وَدَخَلَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ وَدَعَاهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَقَالَ: "قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لِتُطِيعَكُمُ الْعَرَبُ وَتَدِينَ لَكُمُ الْعَجَمُ" فَأَبَوْا، وَكَانُوا يَسْتَمِعُونَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَيَقُولُونَ بَيْنَهُمْ مُتَنَاجِينَ: هُوَ سَاحِرٌ وَهُوَ مَسْحُورٌ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: النَّجْوَى اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، أَيْ وَإِذْ هُمْ ذُو نَجْوَى، أَيْ سِرَارٍ. (إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ) أَبُو جَهْلٍ وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَأَمْثَالُهُمَا. (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً) أَيْ مَطْبُوبًا قَدْ خَبَلَهُ السِّحْرُ فَاخْتَلَطَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، يَقُولُونَ ذَلِكَ لِيُنَفِّرُوا عَنْهُ النَّاسَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "مَسْحُوراً" أَيْ مَخْدُوعًا، مِثْلُ قَوْلِهِ:" فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [[راجع ج ١٢ ص ١٤٤.]] "أَيْ مِنْ أَيْنَ تُخْدَعُونَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ:" مَسْحُوراً" مَعْنَاهُ أَنَّ لَهُ سَحْرًا، أَيْ رِئَةً، فَهُوَ لَا يَسْتَغْنِي عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَهُوَ مِثْلُكُمْ وَلَيْسَ بِمَلَكٍ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ لِلْجَبَانِ: قَدِ انْتَفَخَ سَحْرُهُ. وَلِكُلِّ مَنْ أَكَلَ مِنْ آدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ أَوْ شَرِبَ مَسْحُورٌ وَمُسَحَّرٌ. قَالَ لَبِيَدٌ: فَإِنْ تَسْأَلِينَا فِيمَ نَحْنُ فَإِنَّنَا ... عَصَافِيرُ مِنْ هَذَا الْأَنَامِ الْمُسَحَّرِ وقال امْرُؤُ الْقَيْسِ: أَرَانَا مُوضِعِينَ لِأَمْرِ غَيْبٍ [[أوضع الرجل في السير إذا أسرع. وقوله: "لأمر غيب" يريد الموت وأنه قد غيب عنا وقته و. نحن نلهى عنه. بالطعام والشراب.]] ... وَنُسْحَرُ بِالطَّعَامِ وَبِالشَّرَابِ أَيْ نُغَذَّى وَنُعَلَّلُ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَنْ هَذِهِ الَّتِي تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ سحري ونحرى [[تريد أنه مات ﷺ وهو مسند إلى صدرها وما يحاذي سحرها وهو (الرئة).]].