Entités

تفسير القرطبي — الصافات 154

BE77114Tafsir

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ لَمَّا ذَكَرَ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ احْتَجَّ عَلَى كُفَّارِ قُرَيْشٍ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ، فَقَالَ: "فَاسْتَفْتِهِمْ". وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مِثْلِهِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ وَإِنْ تَبَاعَدَتْ بَيْنَهُمُ الْمَسَافَةُ، أَيْ فَسَلْ يَا مُحَمَّدُ أَهْلَ مَكَّةَ "أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ" وَذَلِكَ أَنَّ جُهَيْنَةَ وَخُزَاعَةَ وَبَنِي مَلِيحٍ وَبَنِي سَلِمَةَ وَعَبْدَ الدَّارِ زَعَمُوا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ. وَهَذَا سُؤَالُ تَوْبِيخٍ. "أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ" أَيْ حَاضِرُونَ لِخَلْقِنَا إِيَّاهُمْ إِنَاثًا، وَهَذَا كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩]. ثُمَّ قَالَ "أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ" وَهُوَ أَسْوَأُ الْكَذِبِ "لَيَقُولُونَ. وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ" فِي قَوْلِهِمْ إِنَّ لِلَّهِ وَلَدًا وَهُوَ الَّذِي لَا يَلِدُ وَلَا يُولَدُ. وَ "إِنَّ" بَعْدَ "أَلَا" مَكْسُورَةٌ، لِأَنَّهَا مُبْتَدَأَةٌ. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أَنَّهَا تكون بعد أما مفتوح أَوْ مَكْسُورَةً، فَالْفَتْحُ عَلَى أَنْ تَكُونَ أَمَا بِمَعْنَى أَلَا. النَّحَّاسُ: وَسَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ يَجُوزُ فَتْحُهَا بَعْدَ أَلَا تَشْبِيهًا بِأَمَا، وَأَمَّا فِي الْآيَةِ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا كَسْرُهَا، لأن بعدها الرفع. وتمام الكلام "كاذبون". ثم يبتدى "أَصْطَفَى" عَلَى مَعْنَى التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ كَأَنَّهُ قَالَ: وَيْحَكُمْ "أَصْطَفَى الْبَناتِ" أَيِ اخْتَارَ الْبَنَاتِ وَتَرَكَ الْبَنِينَ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ "أَصْطَفَى" بِقَطْعِ الْأَلِفِ، لِأَنَّهَا أَلِفُ اسْتِفْهَامٍ دَخَلَتْ عَلَى أَلِفِ الْوَصْلِ، فَحُذِفَتْ أَلِفُ الْوَصْلِ وَبَقِيَتْ ألف الاستفهام مفتوح مَقْطُوعَةً عَلَى حَالِهَا مِثْلَ: "أَطَّلَعَ الْغَيْبَ" عَلَى مَا تَقَدَّمَ [[راجع ج ١١ ص ١٤٧ طبعه أولى أو ثانية]]. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ وَحَمْزَةُ "اصْطَفَى" بِوَصْلِ الْأَلِفِ عَلَى الْخَبَرِ بِغَيْرِ اسْتِفْهَامٍ. وَإِذَا ابْتَدَأَ كَسَرَ الْهَمْزَةَ. وَزَعَمَ أَبُو حَاتِمٍ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهَا، لِأَنَّ بَعْدَهَا "مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ" فَالْكَلَامُ جَارٍ عَلَى التَّوْبِيخِ مِنْ جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ تَبْيِينًا وتفسير لِمَا قَالُوهُ مِنَ الْكَذِبِ وَيَكُونُ "مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ" مُنْقَطِعًا مِمَّا قَبْلَهُ. وَالْجِهَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ قَدْ حَكَى النَّحْوِيُّونَ- مِنْهُمُ الْفَرَّاءُ- أَنَّ التَّوْبِيخَ يَكُونُ بِاسْتِفْهَامٍ وَبِغَيْرِ اسْتِفْهَامٍ كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ [الأحقاف: ٢٠]. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ، أَيْ وَيَقُولُونَ "أَصْطَفَى الْبَناتِ". أَوْ يَكُونُ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: "وَلَدَ اللَّهُ" لأن ولادة البنات واتخاذهن اصطفاه لَهُنَّ، فَأَبْدَلَ مِثَالَ الْمَاضِي مِنْ مِثَالِ الْمَاضِي فَلَا يُوقَفُ عَلَى هَذَا عَلَى "لَكاذِبُونَ". "أَفَلَا تَذَكَّرُونَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ." أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ "حُجَّةٌ وَبُرْهَانٌ." فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ" أَيْ بِحُجَجِكُمْ "إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ" في قولكم.

Statistiques du graphe

Sortant3
Entrant1
Total4

Traductions

🇸🇦 Arabic
تفسير القرطبي — الصافات 154