قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ﴾ لَمَّا ذَكَرَ مُسْتَقَرَّ الْكَافِرِينَ وَعَذَابَهُمْ ذَكَرَ نُزُلَ الْمُؤْمِنِينَ وَنَعِيمَهُمْ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ "فِي مُقَامٍ" بِضَمِّ الْمِيمِ. الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: الْمُقَامُ الْمَكَانُ، وَالْمُقَامُ الْإِقَامَةُ، كَمَا قَالَ: عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا [[هذا أول معلقة لبيد. وتمامه: بمنى تأبد غولها فرجامها]] قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَأَمَّا الْمَقَامُ وَالْمُقَامُ فَقَدْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَعْنَى الْإِقَامَةِ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى مَوْضِعِ الْقِيَامِ، لِأَنَّكَ إِذَا جَعَلْتَهُ مِنْ قَامَ يَقُومُ فَمَفْتُوحٌ، وَإِنْ جَعَلْتَهُ مِنْ أَقَامَ يُقِيمُ فَمَضْمُومٌ، لِأَنَّ الْفِعْلَ إذا جاوز الثلاثة فَالْمَوْضِعُ مَضْمُومُ الْمِيمِ، لِأَنَّهُ مُشَبَّهٌ بِبَنَاتِ الْأَرْبَعَةِ، نَحْوُ دَحْرَجَ وَهَذَا مُدَحْرِجُنَا. وَقِيلَ: الْمَقَامُ (بِالْفَتْحِ) الْمَشْهَدُ وَالْمَجْلِسُ، وَ (بِالضَّمِّ) يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَكَانُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وَيُقَدَّرُ فِيهِ الْمُضَافُ، أَيْ فِي مَوْضِعِ إِقَامَةٍ. "أَمِينٌ" يؤمن فيه من الآفاتِ ي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ "بدل" فِي مَقامٍ أَمِينٍ". "يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ" لَا يَرَى بَعْضُهُمْ قَفَا بَعْضٍ، مُتَوَاجِهِينَ يَدُورُ بِهِمْ مَجْلِسُهُمْ حَيْثُ دَارُوا. وَالسُّنْدُسُ: مَا رَقَّ مِنَ الدِّيبَاجِ. وَالْإِسْتَبْرَقُ: مَا غَلُظَ مِنْهُ. وقد مضى في "الكهف" [[راجع ج ١٠ ص (٣٩٧)]].