Déclarations
4 sortant=matn (texte du hadith)→أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ بن أَبِي عَبْد اللَّهِ الحسين الأديب في كتابه ، قَالَ : عبد الملك بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الجويني ، أَبُو المعالي بن ركن الإسلام أَبِي مُحَمَّد إمام الحرمين ، فخر الإسلام إمام الأئمة على الإطلاق ، حبر الشريعة ، المجمع على إمامته شرقا ، وغربا ، المقر بفضله ، السراة والحراة عجما ، وعربا ، من لم تر العيون مثله قبله ، ولا ترى بعده ، رباه حجر الإمامة ، وحرك ساعد السعادة مهده ، وأرضعه ثدي العمل الورع ، إلى أن ترعرع فيه ويفع ، أخذ من العربية وما يتعلق بها أوفر حظ ونصيب ، فزاد فهيا على كل أديب ، ورزق من التوسع في العبارة وعلوها ، ما لم يعهد من غيره ، حتى أنس ذكر سحبان ، وفاق فيها الأقران ، وحمل القرآن ، وأعجز الفصحاء اللد ، وجاوز الوصف والحد ، وكل من سمع خبره ، أو رأى أثره ، فإذا شاهده ، أقر بأن خبره يزيد كثيرا على الخبر ، ويبرز على ما عهد من الأثر ، وكان يذكر دروسا ، يقع كل واحد منها في أطباق وأوراق ، لا يتلعثم في كلمة ، ولا يحتاج إلى استدارك عثرة ، مرًّا فيها كالبرق الخاطف ، بصوت مطابق كالرعد القاصف ، ينزف فيه المبرزون ، ولا يدرك شأوه المتشدقون المتعمقون . وما يوجد منه في كتبه من العبارات البالغة كنه الفصاحة : غيض من فيض ما كان على لسانه ، وغرفة من أمواج ما كان يعهد من بيانه ، تفقه في صباه على والده ركن الإسلام ، فكان يزهي بطلعه وتحصيله ، وجودة قريحته ، وكياسة غريزته ، لما يرى فيه من المخايل فخلفه فيه من بعد وفاته ، وأتى على جميع مصنفاته ، فقلبها ظهرا لبطن ، وتصرف فيها وخرج المسائل بعضها على بعض ، ودرس سنين ، ولم يرض في شبابه بتقليد والده وأصحابه حتى أخذ في التحقيق ، وجد واجتهد في المذهب ، والخلاف ، ومجالس النظر ، حتى ظهرت نجابته ، ولاح على إيامه همة أبيه وفراسته ، وسلك طريق المباحثة ، وجمع الطرق بالمطالعة ، والمنَاظرة ، والمنَاقشة ، حتى أربي على المتقدمين ، وأنسى تصرفات الأولين ، وسعى في دين اللَّه سعيا يبقي أثره إلى يوم الدين . ومن ابتداء أمره : أنه لم توفى أَبُوه ، كان سنه دون العشرين ، أو قريبا منه ، فأقعد مكانه للتدريس ، فكان يقيم الرسم في درسه ، ويقوم منه ، ويخرج إلى مدرسة الْبَيْهَقِيّ ، حتى حصل الأصول وأصول الفقه على الأستاذ الإمام أَبِي الْقَاسِمِ الإسكاف الإسفراييني ، وكان يواظب على مجلسه ، وقد سمعته يقول في أثنَاء كلامه : كنت علقت عليه في الأصول أجزاء معدودة ، وطالعت في نفسي مائة مجلدة . وكان يصل الليل بالنهار في التحصيل ، حتى فرغ منه ، ويبكر كل يوم قبل الاشتغال بدرس نفسه إلى مسجد الأستاذ أَبِي عَبْد اللَّهِ الخبازي ، يقرأ عليه القرآن ويقتبس من كل نوع من العلوم ما يمكنه ، مع مواظبته على التدريس ، وينفق ما ورثه ، وما كان له من الدخل على أجراء المتفقهة ، ويجتهد في ذلك ، ويواظب على المنَارة ، إلى أن ظهر التعصب بين الفريقين ، واضطربت الأحوال والأمور ، فاضطر إلى السفر ، والخروج عن البلد . فخرج مع المشايخ إلى المعسكر ، وخرج إلى بغداد يطوف مع المعسكر ، ويلتقي بالأكابر من العلماء ، ويدارسهم ، وينَاظرهم ، حتى تهذب في النظر ، وشاع ذكره ، ثم خرج إلى الحجاز ، وجاور بمكة أربع سنين يدرس ، ويفتي ، ويجمع طرق المذهب ، ويقبل على التحصيل ، إلى أن اتفق رجوعه بعد مضي نوبة التعصب ، فعاد إلى نيسابور ، وقد ظهر نوبة ولاية السلطان ألب أرسلان ، وتزين وجه الملك بإشارة نظام الملك ، واستقرت أمور الفريقين ، وانقطع التعصب ، فعاد إلى التدريس ، وكان بالغا في العلم نهايته ، مستجمعا أسبابه ، فبنيت المدرسة الميمونة النظامية ، وأقعد للتدريس فيها ، واستقامت أمور الطلبة ، وبقي على ذلك قريبا من ثلاثين سنة ، غير مزاحم ، ولا مدافع مسلم له المحراب ، والمنبر ، والخطابة ، والتدريس ، ومجلس التذكير يوم الجمعة ، والمنَاظرة . وهجرت له المجالس ، وانغمر غيره من الفقهاء بعلمه وتسلطه ، وكسرت الأسواق في جنبه ، ونفق سوق المحققين من خواصه وتلامذته ، وظهرت تصانيفه ، وحضر درسه الأكابر ، والجمع العظيم من الطلبة ، وكان يقعد بين يديه كل يوم نحو من ثلاث مائة رجل من الأئمة ، ومن الطلبة ، وتخرج به جماعة من الأئمة والفحول ، وأولاد الصدور ، حتى بلغوا محل التدريس في زمانه ، وانتظم بإقباله على العلم ، ومواظبته على التدريس والمنَاظرة ، والمباحثة : أسباب ومحافل ومجامع ، وإمعان في طلب العلم وسوق نَافقة لأهله ، لم يعهد قبله ، واتصل به ما يليق بمنصبه من القبول عند السلطان ، والوزير والأركان ، ووفور الحشمة عندهم ، بحيث لا يذكر غيره ، فكان المخاطب والمشار إليه ، والمقبول من قبله ، والمهجور من هجره ، والمصدر في المجالس من ينتمي إلى خدمته ، والمنظور ، إليه من يغترف في الأصول والفروع من طريقته . واتفق منه تصانيف برسم الحضرة النظامية ، مثل : النظامي ، والغياثي ، وإنفاذها إلى الحضرة ، ووقوعها موقع القبول ، ومقابلتها بما يليق بها من الشكر والرضى ، والخلع الفائقة ، والمراكب المثمنة ، والهدايا ، والمرسومات ، وكذلك إلى أن قلد زعامة الأصحاب ، ورياسة الطائفة ، وفوض إليه أمور الأوقاف ، وصارت حشمته وزر العلماء الأئمة والقضاة ، وقوله في الفتوى مرجع العظماء ، والأكابر ، والولاة ، واتفقت له نهضة في أعلى ما كان من أيامه إلى أصبهان لسبب مخالفة بعض الأصحاب ، فلقي بها من المجلس النظامي ما كان من اللائق بمنصبه من الاستبشار ، والإعزاز ، والإكرام ، بأنواع المبار ، وأجيب بما كان فوق مطلوبه ، وعاد مكرما إلى نيسابور ، وصار أكثر عنَايته مصروفا إلى تصنيف المذهب الكبير المسمى : نهاية المطلب في دارية المذهب ، حتى حرره ، وأملاه ، وأتي فيه من البحث والتقدير ، والسبك والتنقير ، والتدقيق والتحقيق بما شفى الغليل ، وأوضح السبيل ، ونبه على قدره ومحله في علم الشريعة ، ودرس ذلك للخواص من التلامذة وفرغ منه ومن إتمامه ، فعقد مجلسا لتتمة الكتاب حضره الأئمة والكبار ، وختم الكتاب على رسم الإملاء والاستملاء ، وتبجح الجماعة بذلك ، ودعوا له وأثنوا عليه ، وكان من المعتدين بإتمام ذلك ، الشاكرين لِلَّه عليه ، فما صنف في الإسلام قبله مثله ، ولا اتفق لأحد ما اتفق له ، ومن قاس طريقته بطريقة المتقدمين في الأصول والفروع ، وأنصف ، أقر بعلو منصبه ، ووفور تعبه ، ونصبه في الدين ، وكثرة سهره ، في استنباط الغوامض ، وتحقيق المسائل ، وترتيب الدلائل . ولقد قرأت فصلا ، ذكره علي بن الْحَسَنِ بن أَبِي الطيب الباخرزي ، في كتاب : دمية القصر مشتملا على حاله ، وهو : فقد كان في عصر الشباب غير مستكمل ما عهدنَاه عليه من اتساق الأسباب ، وهو إن قَالَ : فتى الفتيان ، ومن أنجب به الفتيان ، ولم يخرج مثله المفتيان عنيت النعمان بن ثابت ، ومُحَمَّد بن إدريس فالفقه فقه الشافعي ، والأدب أدب الأصمعي ، وحسن بصره بالوعظ للحسن البصري ، وكيف ما هو ، فهو إمام كل إمام ، والمستعلي بهمته على كل همام ، والفائز بالظفر على إرغام كل ضرغام ، إِذَا تصدر للفقه فالمزني من مزنته قطره ، وإذا تكلم فالأشعري من وفرته شعره ، وإذا خطب ألجم الفصحاء بالعي شقاشقه الهادرة ، ولثم البلغاء بالصمت حقائقه البادرة ، ولولا سده مكان أبيه بسده الذي أفرغ على قطرة قطر تأبيه ، لأصبح مذهب الحديث حديثا ، ولم يجد المستغيث منهم مغيثا . قال أَبُو الْحَسَنِ : هذا هو وحق الحق فوق ما ذكره ، وأعلى مما وصفه ، فكم من فصل مشتمل على العبارات الفصيحة العالية ، والنكت البدعية النَّادرة ، في المحافل منه سمعنَاه ، وكم من مسائل في النظر شهدنَاه ، ورأينَا منه إفحام الخصوم وعهدنَاه ، وكم من مجلس في التذكير للعوام مسلسل المسائل ، مشحون بالنكت المستنبطة من مسائل الفقه ، مشتملة على حقائق الأصول ، مبكية في التحذير ، مفرحة في التبشير ، مختومة بالدعوات ، وفنون المنَاجاة ، حضرنَاه ، وكم من مجمع للتدريس حاو للكبار من الأئمة وإلقاء المسائل عليهم ، والمباحثة في غورها رأينَاه ، وحصلنَا بعض ما أمكننَا منه وعلقنَاه ، ولم نقدر ما كُنَّا فيه من نضرة أيامه ، وزهرة شهوره وأعوامه ، حق قدره ولم نشكر اللَّه تعالى عليه حق شكره حتى فقدنَاه ، وسلبْنَاه ، وسمعته قي أثنَاء كلام ، يقول : أنَا لا أنَام ، ولا آكل عادة ، وإنما أنَام إِذَا غلبَنِي النوم ليلا كان أو نهارا ، وآكل إِذَا اشتهيت الطعام أي وقت كان . كان لذته ولهوه وتنزهه في مذكرات العلم ، وطلب الفائدة من أي نوع كان ، ولقد سمعت الشيخ أبا الحسن علي بن فضال بن علي المجاشعي النحوي القادم علينَا سنة تسع وستين وأربع مائة ، يقول : وقد قبله الإمام ، فخر الإسلام ، وقابله بالإكرام ، وأخذ في قراءة النحو عليه ، والتلمذة له ، بعد أن كان إمام الأئمة في وقته ، وكان يحمله كل يوم إلى داره ، يقرأ عليه كتاب أكسير الذهب في صنَاعة الأدب ، من تصنيفه ، فكان يحكي يوما ، ويقول : ما رأيت عاشقا للعلم أي نوع كان مثل هذا الإمام ، فإنه يطلب العلم لعلم ، وكان كذلك . ومن حميد سيرته : أنه ما كان يستصغر أحدا حتى يسمع كلامه ، شاديا كان أو متنَاهيا ، فإن أصاب كياسة في طبع ، أو جريا على منهاج الحقيقة ، استفاد منه صغيرا كان ، أو كبيرا ، ولا يستنكف أن يُعزي الفائدة المستفادة إلى قائلها : ويقول : إن هَذِهِ الفائدة مما استفدته من فلان ، ولا يحابي أيضا في التزييف ، إِذَا لم يرض كلاما ، ولو كان أباه أو أحدا من الأئمة المشهورين ، وكان من التواضع لكل أحد بمحل ، يتخيل منه الاستهزاء لمبالغته فيه ، ومن رقة القلب بحيث يبكى إِذَا سمع بيتا أو تفكر في نفسه ساعة ، وإذا شرع في حكاية الأحوال ، وخاض في علوم الصوفية ، في فصول مجالسه بالغدوات أبكى الحاضرين ببكائه ، وقطر الدماء من الجفون بزعقاته ، ونعراته ، وإشاراته ، لاحتراقه في نفسه ، وتحققه بما يجري من دقائق الأسرار . هَذِهِ الجملة نبذ مما عهدنَا منه إلى انتهاء أجله ، فأدركه قضاء اللَّه الذي لا بد منه ، بعدما مرض قبل ذلك مرض اليرقان ، وبقي فيه أياما ، ثم برأ منه ، وعاد إلى الدرس ، والمجلس ، وأظهر النَّاس من الخواص والعوام ، السرور بصحته ، وإقباله من علته ، فبعد ذلك بعهد قريب مرض المرضة التي توفي منها ، وبقي فيها أياما ، وعلت عليه الحرارة التي كانت تزور في طبعه ، إلى أن ضعف ، وحمل إلى نستيقان ، لاعتدال الهواء ، وخفة الماء ، فزاد الضعف ، وبدت مخايل الموت ، وتوفى ليلة الأربعاء بعد صلاة العتمة الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وسبعين وأربع مائة . ونقل في الليلة إلى البلد ، وقام الصياح من كل جانب ، وجزع الفرق عليه جزعا لم يعهد مثله ، وحمل بين الصلاتين من يوم الأربعاء إلى ميدان الحسين ، ولم تفتح الأَبواب في البلد ، ووضعت المنَاديل عن الرؤس عاما ، بحيث ما اجترأ أحد على ستر رأسه من الرؤس ، والكبار ، وصلى عليه ابْنه الإمام أَبُو الْقَاسِمِ بعد جهد جهيد ، حتى حمل إلى داره من شدة الزحمة وقت التطفيل ، ودفن في داره ، وبعد سنين ، نقل إلى مقبرة الحسين ، وكسر منبره في الجامع المنيعي ، وقعد النَّاس للعزاء أياما ، عزاءً عاما . وأكثر الشعراء المراثي فيه ، وكان الطلبة قريبا من أربع مائة نفر يطوفون في البلد نَائحين عليه ، مكسرين المحابر والأقلام ، مبالغين في الصياح والجزع ، وكان مولده ثامن عشر المحرم سنة تسع عشرة وأربع مائة ، وتوفي وهو ابْن تسع وخمسين سنة رحمه اللَّه . سمع الحديث الكثير في صباه من مشايخ مثل الشيخ أَبِي حسان ، وأبي سعد عليك ، وأبي سعد النضروي ، ومنصور بن رامش ، وجمع له كتاب الأربعين ، فسمعنَاه منه بقرائتي عليه ، وقد سمع سنن الدارقطني من أبي سعد بن عليك ، وكان يعتمد تلك الأحاديث في مسائل الخلاف ، ويذكر الجرح والتعديل منها في الرواة ، وظني أن آثار جده واجتهاده في دين اللَّه يدوم إلى قيام الساعة . وان انقطع نسله من جهة الذكور ظاهرا ، فنشر علمه يقوم مقام كل نسب ، ويغنيه عن كل نسب مكتسب ، واللَّه تعالى يسقي في كل لحظة جديدة ، تلك الروضة الشريفة ، عزالي رحمته ، ويزيد في ألطافه وكرامته ، بفضله ومنته ، إنه ولى كل خير . ومما قيل عند وفاته : قلوب العالمين على المقالي وأيام الورى شبه الليالي أيثمر غصن أهل الفضل يوما وقد مات الأمام أَبُو المعالي ؟ .BS4801621
Statistiques du graphe
Sortant4
Entrant0
Total4
Traductions
🇸🇦 Arabic
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ بن أَبِي عَبْد اللَّهِ الحسين الأديب في كتابه ، قَالَ : عبد الملك بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الجويني ، أَبُو المعالي بن ركن الإسلام أَبِي مُحَمَّد إمام الحرمين ، فخر الإسلام إمام الأئمة على الإطلاق ، حبر الشريعة ، المجمع على إمامته شرقا ، وغربا ، المقر بفضله ، السراة والحراة عجما ، وعربا ، من لم تر العيون مثله قبله ، ولا ترى بعده ، رباه حجر الإمامة ، وحرك ساعد السعادة مهده ، وأرضعه ثدي العمل الورع ، إلى أن ترعرع فيه ويفع ، أخذ من العربية وما يتعلق بها أوفر حظ ونصيب ، فزاد فهيا على كل أديب ، ورزق من التوسع في العبارة وعلوها ، ما لم يعهد من غيره ، حتى أنس ذكر سحبان ، وفاق فيها الأقران ، وحمل القرآن ، وأعجز الفصحاء اللد ، وجاوز الوصف والحد ، وكل من سمع خبره ، أو رأى أثره ، فإذا شاهده ، أقر بأن خبره يزيد كثيرا على الخبر ، ويبرز على ما عهد من الأثر ، وكان يذكر دروسا ، يقع كل واحد منها في أطباق وأوراق ، لا يتلعثم في كلمة ، ولا يحتاج إلى استدارك عثرة ، مرًّا فيها كالبرق الخاطف ، بصوت مطابق كالرعد القاصف ، ينزف فيه المبرزون ، ولا يدرك شأوه المتشدقون المتعمقون . وما يوجد منه في كتبه من العبارات البالغة كنه الفصاحة : غيض من فيض ما كان على لسانه ، وغرفة من أمواج ما كان يعهد من بيانه ، تفقه في صباه على والده ركن الإسلام ، فكان يزهي بطلعه وتحصيله ، وجودة قريحته ، وكياسة غريزته ، لما يرى فيه من المخايل فخلفه فيه من بعد وفاته ، وأتى على جميع مصنفاته ، فقلبها ظهرا لبطن ، وتصرف فيها وخرج المسائل بعضها على بعض ، ودرس سنين ، ولم يرض في شبابه بتقليد والده وأصحابه حتى أخذ في التحقيق ، وجد واجتهد في المذهب ، والخلاف ، ومجالس النظر ، حتى ظهرت نجابته ، ولاح على إيامه همة أبيه وفراسته ، وسلك طريق المباحثة ، وجمع الطرق بالمطالعة ، والمنَاظرة ، والمنَاقشة ، حتى أربي على المتقدمين ، وأنسى تصرفات الأولين ، وسعى في دين اللَّه سعيا يبقي أثره إلى يوم الدين . ومن ابتداء أمره : أنه لم توفى أَبُوه ، كان سنه دون العشرين ، أو قريبا منه ، فأقعد مكانه للتدريس ، فكان يقيم الرسم في درسه ، ويقوم منه ، ويخرج إلى مدرسة الْبَيْهَقِيّ ، حتى حصل الأصول وأصول الفقه على الأستاذ الإمام أَبِي الْقَاسِمِ الإسكاف الإسفراييني ، وكان يواظب على مجلسه ، وقد سمعته يقول في أثنَاء كلامه : كنت علقت عليه في الأصول أجزاء معدودة ، وطالعت في نفسي مائة مجلدة . وكان يصل الليل بالنهار في التحصيل ، حتى فرغ منه ، ويبكر كل يوم قبل الاشتغال بدرس نفسه إلى مسجد الأستاذ أَبِي عَبْد اللَّهِ الخبازي ، يقرأ عليه القرآن ويقتبس من كل نوع من العلوم ما يمكنه ، مع مواظبته على التدريس ، وينفق ما ورثه ، وما كان له من الدخل على أجراء المتفقهة ، ويجتهد في ذلك ، ويواظب على المنَارة ، إلى أن ظهر التعصب بين الفريقين ، واضطربت الأحوال والأمور ، فاضطر إلى السفر ، والخروج عن البلد . فخرج مع المشايخ إلى المعسكر ، وخرج إلى بغداد يطوف مع المعسكر ، ويلتقي بالأكابر من العلماء ، ويدارسهم ، وينَاظرهم ، حتى تهذب في النظر ، وشاع ذكره ، ثم خرج إلى الحجاز ، وجاور بمكة أربع سنين يدرس ، ويفتي ، ويجمع طرق المذهب ، ويقبل على التحصيل ، إلى أن اتفق رجوعه بعد مضي نوبة التعصب ، فعاد إلى نيسابور ، وقد ظهر نوبة ولاية السلطان ألب أرسلان ، وتزين وجه الملك بإشارة نظام الملك ، واستقرت أمور الفريقين ، وانقطع التعصب ، فعاد إلى التدريس ، وكان بالغا في العلم نهايته ، مستجمعا أسبابه ، فبنيت المدرسة الميمونة النظامية ، وأقعد للتدريس فيها ، واستقامت أمور الطلبة ، وبقي على ذلك قريبا من ثلاثين سنة ، غير مزاحم ، ولا مدافع مسلم له المحراب ، والمنبر ، والخطابة ، والتدريس ، ومجلس التذكير يوم الجمعة ، والمنَاظرة . وهجرت له المجالس ، وانغمر غيره من الفقهاء بعلمه وتسلطه ، وكسرت الأسواق في جنبه ، ونفق سوق المحققين من خواصه وتلامذته ، وظهرت تصانيفه ، وحضر درسه الأكابر ، والجمع العظيم من الطلبة ، وكان يقعد بين يديه كل يوم نحو من ثلاث مائة رجل من الأئمة ، ومن الطلبة ، وتخرج به جماعة من الأئمة والفحول ، وأولاد الصدور ، حتى بلغوا محل التدريس في زمانه ، وانتظم بإقباله على العلم ، ومواظبته على التدريس والمنَاظرة ، والمباحثة : أسباب ومحافل ومجامع ، وإمعان في طلب العلم وسوق نَافقة لأهله ، لم يعهد قبله ، واتصل به ما يليق بمنصبه من القبول عند السلطان ، والوزير والأركان ، ووفور الحشمة عندهم ، بحيث لا يذكر غيره ، فكان المخاطب والمشار إليه ، والمقبول من قبله ، والمهجور من هجره ، والمصدر في المجالس من ينتمي إلى خدمته ، والمنظور ، إليه من يغترف في الأصول والفروع من طريقته . واتفق منه تصانيف برسم الحضرة النظامية ، مثل : النظامي ، والغياثي ، وإنفاذها إلى الحضرة ، ووقوعها موقع القبول ، ومقابلتها بما يليق بها من الشكر والرضى ، والخلع الفائقة ، والمراكب المثمنة ، والهدايا ، والمرسومات ، وكذلك إلى أن قلد زعامة الأصحاب ، ورياسة الطائفة ، وفوض إليه أمور الأوقاف ، وصارت حشمته وزر العلماء الأئمة والقضاة ، وقوله في الفتوى مرجع العظماء ، والأكابر ، والولاة ، واتفقت له نهضة في أعلى ما كان من أيامه إلى أصبهان لسبب مخالفة بعض الأصحاب ، فلقي بها من المجلس النظامي ما كان من اللائق بمنصبه من الاستبشار ، والإعزاز ، والإكرام ، بأنواع المبار ، وأجيب بما كان فوق مطلوبه ، وعاد مكرما إلى نيسابور ، وصار أكثر عنَايته مصروفا إلى تصنيف المذهب الكبير المسمى : نهاية المطلب في دارية المذهب ، حتى حرره ، وأملاه ، وأتي فيه من البحث والتقدير ، والسبك والتنقير ، والتدقيق والتحقيق بما شفى الغليل ، وأوضح السبيل ، ونبه على قدره ومحله في علم الشريعة ، ودرس ذلك للخواص من التلامذة وفرغ منه ومن إتمامه ، فعقد مجلسا لتتمة الكتاب حضره الأئمة والكبار ، وختم الكتاب على رسم الإملاء والاستملاء ، وتبجح الجماعة بذلك ، ودعوا له وأثنوا عليه ، وكان من المعتدين بإتمام ذلك ، الشاكرين لِلَّه عليه ، فما صنف في الإسلام قبله مثله ، ولا اتفق لأحد ما اتفق له ، ومن قاس طريقته بطريقة المتقدمين في الأصول والفروع ، وأنصف ، أقر بعلو منصبه ، ووفور تعبه ، ونصبه في الدين ، وكثرة سهره ، في استنباط الغوامض ، وتحقيق المسائل ، وترتيب الدلائل . ولقد قرأت فصلا ، ذكره علي بن الْحَسَنِ بن أَبِي الطيب الباخرزي ، في كتاب : دمية القصر مشتملا على حاله ، وهو : فقد كان في عصر الشباب غير مستكمل ما عهدنَاه عليه من اتساق الأسباب ، وهو إن قَالَ : فتى الفتيان ، ومن أنجب به الفتيان ، ولم يخرج مثله المفتيان عنيت النعمان بن ثابت ، ومُحَمَّد بن إدريس فالفقه فقه الشافعي ، والأدب أدب الأصمعي ، وحسن بصره بالوعظ للحسن البصري ، وكيف ما هو ، فهو إمام كل إمام ، والمستعلي بهمته على كل همام ، والفائز بالظفر على إرغام كل ضرغام ، إِذَا تصدر للفقه فالمزني من مزنته قطره ، وإذا تكلم فالأشعري من وفرته شعره ، وإذا خطب ألجم الفصحاء بالعي شقاشقه الهادرة ، ولثم البلغاء بالصمت حقائقه البادرة ، ولولا سده مكان أبيه بسده الذي أفرغ على قطرة قطر تأبيه ، لأصبح مذهب الحديث حديثا ، ولم يجد المستغيث منهم مغيثا . قال أَبُو الْحَسَنِ : هذا هو وحق الحق فوق ما ذكره ، وأعلى مما وصفه ، فكم من فصل مشتمل على العبارات الفصيحة العالية ، والنكت البدعية النَّادرة ، في المحافل منه سمعنَاه ، وكم من مسائل في النظر شهدنَاه ، ورأينَا منه إفحام الخصوم وعهدنَاه ، وكم من مجلس في التذكير للعوام مسلسل المسائل ، مشحون بالنكت المستنبطة من مسائل الفقه ، مشتملة على حقائق الأصول ، مبكية في التحذير ، مفرحة في التبشير ، مختومة بالدعوات ، وفنون المنَاجاة ، حضرنَاه ، وكم من مجمع للتدريس حاو للكبار من الأئمة وإلقاء المسائل عليهم ، والمباحثة في غورها رأينَاه ، وحصلنَا بعض ما أمكننَا منه وعلقنَاه ، ولم نقدر ما كُنَّا فيه من نضرة أيامه ، وزهرة شهوره وأعوامه ، حق قدره ولم نشكر اللَّه تعالى عليه حق شكره حتى فقدنَاه ، وسلبْنَاه ، وسمعته قي أثنَاء كلام ، يقول : أنَا لا أنَام ، ولا آكل عادة ، وإنما أنَام إِذَا غلبَنِي النوم ليلا كان أو نهارا ، وآكل إِذَا اشتهيت الطعام أي وقت كان . كان لذته ولهوه وتنزهه في مذكرات العلم ، وطلب الفائدة من أي نوع كان ، ولقد سمعت الشيخ أبا الحسن علي بن فضال بن علي المجاشعي النحوي القادم علينَا سنة تسع وستين وأربع مائة ، يقول : وقد قبله الإمام ، فخر الإسلام ، وقابله بالإكرام ، وأخذ في قراءة النحو عليه ، والتلمذة له ، بعد أن كان إمام الأئمة في وقته ، وكان يحمله كل يوم إلى داره ، يقرأ عليه كتاب أكسير الذهب في صنَاعة الأدب ، من تصنيفه ، فكان يحكي يوما ، ويقول : ما رأيت عاشقا للعلم أي نوع كان مثل هذا الإمام ، فإنه يطلب العلم لعلم ، وكان كذلك . ومن حميد سيرته : أنه ما كان يستصغر أحدا حتى يسمع كلامه ، شاديا كان أو متنَاهيا ، فإن أصاب كياسة في طبع ، أو جريا على منهاج الحقيقة ، استفاد منه صغيرا كان ، أو كبيرا ، ولا يستنكف أن يُعزي الفائدة المستفادة إلى قائلها : ويقول : إن هَذِهِ الفائدة مما استفدته من فلان ، ولا يحابي أيضا في التزييف ، إِذَا لم يرض كلاما ، ولو كان أباه أو أحدا من الأئمة المشهورين ، وكان من التواضع لكل أحد بمحل ، يتخيل منه الاستهزاء لمبالغته فيه ، ومن رقة القلب بحيث يبكى إِذَا سمع بيتا أو تفكر في نفسه ساعة ، وإذا شرع في حكاية الأحوال ، وخاض في علوم الصوفية ، في فصول مجالسه بالغدوات أبكى الحاضرين ببكائه ، وقطر الدماء من الجفون بزعقاته ، ونعراته ، وإشاراته ، لاحتراقه في نفسه ، وتحققه بما يجري من دقائق الأسرار . هَذِهِ الجملة نبذ مما عهدنَا منه إلى انتهاء أجله ، فأدركه قضاء اللَّه الذي لا بد منه ، بعدما مرض قبل ذلك مرض اليرقان ، وبقي فيه أياما ، ثم برأ منه ، وعاد إلى الدرس ، والمجلس ، وأظهر النَّاس من الخواص والعوام ، السرور بصحته ، وإقباله من علته ، فبعد ذلك بعهد قريب مرض المرضة التي توفي منها ، وبقي فيها أياما ، وعلت عليه الحرارة التي كانت تزور في طبعه ، إلى أن ضعف ، وحمل إلى نستيقان ، لاعتدال الهواء ، وخفة الماء ، فزاد الضعف ، وبدت مخايل الموت ، وتوفى ليلة الأربعاء بعد صلاة العتمة الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وسبعين وأربع مائة . ونقل في الليلة إلى البلد ، وقام الصياح من كل جانب ، وجزع الفرق عليه جزعا لم يعهد مثله ، وحمل بين الصلاتين من يوم الأربعاء إلى ميدان الحسين ، ولم تفتح الأَبواب في البلد ، ووضعت المنَاديل عن الرؤس عاما ، بحيث ما اجترأ أحد على ستر رأسه من الرؤس ، والكبار ، وصلى عليه ابْنه الإمام أَبُو الْقَاسِمِ بعد جهد جهيد ، حتى حمل إلى داره من شدة الزحمة وقت التطفيل ، ودفن في داره ، وبعد سنين ، نقل إلى مقبرة الحسين ، وكسر منبره في الجامع المنيعي ، وقعد النَّاس للعزاء أياما ، عزاءً عاما . وأكثر الشعراء المراثي فيه ، وكان الطلبة قريبا من أربع مائة نفر يطوفون في البلد نَائحين عليه ، مكسرين المحابر والأقلام ، مبالغين في الصياح والجزع ، وكان مولده ثامن عشر المحرم سنة تسع عشرة وأربع مائة ، وتوفي وهو ابْن تسع وخمسين سنة رحمه اللَّه . سمع الحديث الكثير في صباه من مشايخ مثل الشيخ أَبِي حسان ، وأبي سعد عليك ، وأبي سعد النضروي ، ومنصور بن رامش ، وجمع له كتاب الأربعين ، فسمعنَاه منه بقرائتي عليه ، وقد سمع سنن الدارقطني من أبي سعد بن عليك ، وكان يعتمد تلك الأحاديث في مسائل الخلاف ، ويذكر الجرح والتعديل منها في الرواة ، وظني أن آثار جده واجتهاده في دين اللَّه يدوم إلى قيام الساعة . وان انقطع نسله من جهة الذكور ظاهرا ، فنشر علمه يقوم مقام كل نسب ، ويغنيه عن كل نسب مكتسب ، واللَّه تعالى يسقي في كل لحظة جديدة ، تلك الروضة الشريفة ، عزالي رحمته ، ويزيد في ألطافه وكرامته ، بفضله ومنته ، إنه ولى كل خير . ومما قيل عند وفاته : قلوب العالمين على المقالي وأيام الورى شبه الليالي أيثمر غصن أهل الفضل يوما وقد مات الأمام أَبُو المعالي ؟ .