Entités

العزلة للخطابي

BE883994Livre

Déclarations

3 sortant
=licencepublic-domainBS3585003
=sourceSanadset 650K — Mendeley Data, CC BY 4.0 (doi:10.17632/5xth87zwb5.5)BS3585004

Référencé par

100 entrant
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ أَيُّوبَ الطَّالَقَانِيُّ , حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْمُونٍ الصَّنْعَانِيُّ , قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ طَاوُسٍ ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ شَقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ ، وَالْمُسْلِمُونَ فِي إِسْلامٍ دَامِجٍ ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلامِ " . قَالُوا : قَدْ نَطَقَتْ هَذِهِ الأَخْبَارُ بِأَنَّ الْمُعْتَزِلَ عَنِ النَّاسِ , الْمُنْفَرِدَ عَنْهُمْ مُفَارِقٌ لِلْجَمَاعَةِ شَاذٌّ عَنِ الْجُمْلَةِ شَاقٌّ لِعَصَا الأُمَّةِ خَالِعٌ لِلرِّبْقَةِ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ , قَالَ الشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ : قَالُوا : وَأَقَلُّ مَا فِي الْعُزْلَةِ أَنَّهَا إِذَا امْتَدَّتْ وَاسْتَمَرَّتْ بِصَاحِبِهَا صَارَتْ هِجْرَةً ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْهِجْرَةِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثٍ .
حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ نُصَيْرٍ الْخَلَدِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنْ هِلالِ بْنِ خَبَّابٍ أَبِي الْعَلاءِ , قَالَ : حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ , قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ ذَكَرَ الْفِتْنَةَ ، أَوْ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا رَأَيْتُمُ النَّاسَ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَخَفَّتْ أَمَانَتُهُمْ وَكَانُوا هَكَذَا " , وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ، قَالَ : فَقُمْتُ إِلَيْهِ , فَقُلْتُ : كَيْفَ أَفْعَلُ عِنْدَ ذَلِكَ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْزَمْ بَيْتَكَ , وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ , وَخُذْ مَا تَعْرِفُ وَدَعْ مَا تُنْكِرُ , وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ الْخَاصَّةِ وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ " . قَالَ الشَّيْخُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَدْ نَصَحَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا وَلَمْ يَأْلُ شَفَقَةً وَنُصْحًا وَكَانَ جَدِيرًا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَبِهِ وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ سورة التوبة آية 128 وَذَلِكَ أَنْ قَسَمَ لَهُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ إِلَى قِسْمَيْنِ اثْنَيْنِ , فَقَالَ فِي الأَوَّلِ : وَهُوَ قِسْمُ أَمْرِ الدِّينِ " خُذْ مَا تَعْرِفُ " , فَكَانَ هَذَا إِشَارَةً إِلَى مَعْهُودٍ تَعَارَفُوهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ , وَكَانَ الَّذِي تَعَارَفُوهُ مَعْهُودًا مِنْ حُقُوقِ الأَئِمَّةِ وَمُتَعَلِّقًا بِهِمْ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ : إِقَامَةَ الصَّلاةِ خَلْفَهُمْ , وَأَدَاءَ الزَّكَاةِ إِلَيْهِمْ , وَجِهَادَ الْكُفَّارِ مَعَهُمْ ، إِلَى مَا يُشْبِهُ هَذَا مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَلِيَهَا الأُمَرَاءُ فَأَمَرَهُ بِطَاعَتِهِمْ فِيهَا , ثُمَّ قَالَ : " وَدَعْ مَا تُنْكِرُ " . وَهُوَ كُلُّ مَا حَدَثَ بَعْدَهُ مِنَ الْفِتَنِ وَنَشَبَ بَيْنَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ مِنَ الْحُرُوبِ وَالتَّنَازُعِ فِي الْمُلْكِ , يَقُولُ : إِذَا دَعَوْكَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا فَدَعْهُمْ وَاعْتَزِلْهُمْ وَلا تَكُنْ مَعَهُمْ . ثُمَّ قَسَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ الْقِسْمَةَ الثَّانِيَةَ الَّتِي هِيَ قِسْمُ أَمْرِ دُنْيَاهُ , فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " عَلَيْكَ بِأَمْرِ الْخَاصَّةِ " وَهُوَ كُلُّ مَا يَخُصُّهُ وَيَعْنِيهِ وَيَخُصُّ كُلَّ إِنْسَانٍ فِي ذَاتِهِ مِنْ إِعَالَةِ أَهْلِهِ وَسِيَاسَةِ ذَوِيهِ وَالْقِيَامِ لَهُمْ , وَالسَّعْيِ فِي مَصَالِحِهِمْ وَنَهَاهُ , عَنِ التَّعَرُّضِ لأَمْرِ الْعَامَّةِ وَالتَّعَاطِي لِسِيَاسَتِهِمْ وَالتَّرَأُّسِ عَلَيْهِمْ وَالتَّوَسُّطِ فِي أُمُورِهِمْ , فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " دَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ " , فَقَدْ نَظَمَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّوِيلَ الْعَرِيضَ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ فِي الْقَصِيرِ الْوَجِيزِ مِنْ كَلامِهِ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكُدَيْمِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْجُشَمِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ سَالِمٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يَسْلَمُ لِذِي دِينٍ دِينُهُ إِلا مَنْ فَرَّ بِدِينِهِ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَى قَرْيَةٍ , وَمِنْ شَاهِقٍ إِلَى شَاهِقٍ , وَمِنْ جُحْرٍ إِلَى جُحْرٍ كَالثَّعْلَبِ الَّذِي يَرُوغُ " , قَالُوا : وَمَتَى ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " إِذَا لَمْ تُنَلِ الْمَعِيشَةُ إِلا بِمَعَاصِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الزَّمَانُ حَلَّتِ الْعُزُوبَةُ " , قَالُوا : وَكَيْفَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَقَدْ أَمَرْتَنَا بِالتَّزَوُّجِ ؟ قَالَ : " لأَنَّهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ الزَّمَانُ كَانَ هَلاكُ الرَّجُلِ عَلَى يَدَيْ أَبَوَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبَوَانِ فَعَلَى يَدَيْ زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ وَلا وَلَدٌ فَعَلَى يَدَيْ قَرَابَتِهِ " , قَالُوا : وَكَيْفَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُعَيِّرُونَهُ بِضِيقِ الْمَعِيشَةِ فَيَتَكَلَّفُ مَا لا يُطِيقُ حَتَّى يُورِدَهُ مَوَارِدَ الْهَلَكَةِ " .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا الدَّبَرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ وَابِصَةَ الأَسَدِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ , قَالَ : ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفِتْنَةَ وَأَيَّامَ الْهَرْجِ , قُلْتُ : وَمَا الْهَرْجُ ؟ قَالَ : " حِينَ لا يَأْمَنُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ " , قُلْتُ : فَبِمَ تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ الزَّمَانَ ؟ قَالَ : " تَكُفُّ نَفْسَكَ وَيَدَكَ وَادْخُلْ دَارَكَ " , قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ دَارِي ؟ قَالَ : " فَادْخُلْ بَيْتَكَ " , قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي ؟ قَالَ : " فَادْخُلْ مَسْجِدَكَ وَاصْنَعْ هَكَذَا ، وَقَبَضَ بِيَمِينِهِ عَلَى الْكُوعِ ، وَقُلْ رَبِّيَ اللَّهُ حَتَّى تَمُوتَ عَلَى ذَلِكَ " . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ : قَدْ أَنْذَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ أَيَّامَ الْهَرْجِ فِي عِدَّةِ أَخْبَارٍ وَحَذَّرَهُمْ فِتْنَةً وَأَوْضَحَ فِي هَذَا الْخَبَرِ مَعْنَاهُ وَذَكَرَ أَنَّ أَمَارَةَ الْهَرْجِ أَنْ لا يَأْمَنَ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ ، فَتَأَمَّلُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ فَإِنْ كُنْتُمْ لا تَأْمَنُونَ جُلَسَاءَكُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَلا تَسْلَمُونَ عَلَى أَكْثَرِ مَنْ تَصْحَبُونَ فَاعْلَمُوا أَنْ قَدْ حَلَّتِ الْعُزْلَةُ وَطَابَ الْهَرَبُ وَحَانَ الْفِرَارُ مِنْهُمْ . وَإِنْ كَانُوا عَلَى خِلافِ هَذَا النَّعْتِ فَكُونُوا لَهُمْ عَلَى خِلافِ هَذَا الرَّأْيِ وَمَا التَّوْفِيقُ إِلا بِاللَّهِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرٍو الزِّيبَقِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ مِسْمَارٍ , قَالَ : سَمِعْتُ عَامِرَ ابْنَ سَعْد ِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ , قَالَ : كَانَ سَعْد ٌ فِي إِبِلٍ لَهُ وَغَنَمٍ فَأَتَاهُ ابْنُهُ عُمَرُ بْنُ سَعْد ٍ , فَلَمَّا رَآهُ قَالَ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ هَذَا الرَّاكِبِ , فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ , قَالَ : يَا أَبَتِ أَرَضِيتَ أَنْ تَكُونَ أَعْرَابِيًّا فِي إِبِلِكَ وَغَنَمِكَ وَالنَّاسُ يَتَنَازَعُونَ فِي الْمُلْكِ ؟ قَالَ : فَضَرَبَ سَعْد ٌ صَدْرَ عُمَرَ بِيَدِهِ , وَقَالَ : اسْكُتْ يَا بُنَيَّ , فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ " . قَالَ الشَّيْخُ : كَانَ سَعْد ٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مِمَّنِ اعْتَزَلَ أَيَّامَ الْفِتْنَةِ , فَلَمْ يَكُنْ مَعَ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ فَأَرَادُوهُ عَلَى الْخُرُوجِ فَأَبَى وَضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلا .
أَخْبَرَنَا أَخْبَرَنَا ابْنُ الأَعْرَابِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْعَوَّامِ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ مَرْوَانَ الْفِلَسْطِينِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ , قَالَ : " إِنَّ سَعْدًا لَمَّا دَعَوْهُ إِلَى الْخُرُوجِ مَعَهُمْ أَبَى عَلَيْهِمْ , ثُمَّ قَالَ : " لا , إِلا أَنْ تُعْطُونِي سَيْفًا لَهُ عَيْنَانِ بَصِيرَتَانِ وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِالْكَافِرِ فَاقْتُلُهُ وَالْمُؤْمِنُ فَأَكُفُّ عَنْهُ وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلا , فَقَالَ : " مَثَلُنَا وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا عَلَى مَحَجَّةٍ بَيْضَاءَ , فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ يَسِيرُونَ هَاجَتْ رِيحٌ عَجَّاجَةٌ فَضَلُّوا الطَّرِيقَ وَالْتَبَسَ عَلَيْهِمْ , فَقَالَ بَعْضُهُمُ : الطَّرِيقُ ذَاتُ الْيَمِينِ فَأَخَذُوا فِيهَا فَتَاهُوا وَضَلُّوا , وَقَالَ آخَرُونَ : الطَّرِيقُ ذَاتُ الشِّمَالِ فَأَخَذُوا فِيهَا فَتَاهُوا وَضَلُّوا , وَقَالَ آخَرُونَ : كُنَّا فِي الطَّرِيقِ حَيْثُ هَاجَتِ الرِّيحُ فَنِيخَ فَأَنَاخُوا فَأَصْبَحُوا فَذَهَبَ الرِّيحُ وَتَبَيَّنَ الطَّرِيقُ فَهَؤُلاءِ هُمُ الْجَمَاعَةُ . قَالُوا : نَلْزَمُ مَا فَارَقْنَا عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حَتَّى نَلْقَاهُ وَلا نَدْخُلَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْفِتَنِ " . قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ : قَالَ مَيْمُونٌ : فَصَارَ الْجَمَاعَةُ وَالْفِئَةُ الَّتِي تَدَّعِي عَلَيْهِ الإِسْلامَ , مَا كَانَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ اعْتَزَلُوا الْفِتَنَ , حَتَّى أَذْهَبَ اللَّهُ الْفُرْقَةَ , وَجَمَعَ الأُلْفَةَ , فَدَخَلُوا الْجَمَاعَةَ وَلَزِمُوا الطَّاعَةَ وَانْقَادُوا ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَلَزِمَهُ نَجَا وَمَنْ لَمْ يَلْزَمْهُ وَقَعَ فِي الْمَهَالِكِ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ : وَمِمَّنِ اعْتَزَلَ تِلْكَ الْفِتْنَةَ فَلَمْ يَكُنْ مَعَ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ حَتَّى انْجَلَتْ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الأَنْصَارِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي عِدَّةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ .
حَدَّثَنَا حَدَّثَنَا ابْنُ الزِّيبَقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ , قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ , قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ يَوْمَ صِفِّينَ ، يَقُولُ لابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ : " يَا بُنَيَّ انْظُرْ أَيْنَ تَرَى عَلِيًّا ؟ قَالَ : أَرَاهُ فِي تِلْكَ الْكَتِيبَةِ الْقَتْمَاءِ ذَاتِ الرَّمَّاحِ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ بَيْضَاءُ , قَالَ : لِلَّهِ دَرُّ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ لَئِنْ كَانَ تَخَلُّفُهُمْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ خَيْرًا , كَانَ خَيْرًا مَبْرُورًا وَلَئِنْ كَانَ ذَنْبًا , كَانَ ذَنْبًا مَغْفُورًا . فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ : أَيْ أَبَتِ فَمَا يَمْنَعُكَ إِذْ غَبَطْتَهُمْ أَنْ تَرْجِعَ ؟ فَقَالَ : يَا بُنَيَّ , إِنَّ الشَّيْخَ مِثْلِي إِذَا دَخَلَ فِي الأَمْرِ لَمْ يَدَعْهُ حَتَّى يُحْكِمَهُ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : " إِذَا حَكَكْتُ قَرْحَةً أَدْمَيْتُهَا " .
أَخْبَرَنِي أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ : سَمِعْتُ الرِّيَاشِيَّ ، يَقُولُ : قَالَ الأَصْمَعِيُّ : وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَعَفَّ النَّاسِ فِيهَا ، فَأَصْبَحَ ذَاتَ يَوْمٍ فَجَمَعَ ابْنَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ وَمُحَمَّدًا , فَقَالَ : " يَا بَنِيَّ , أَصْبَحَتِ الْعَرَبُ غَادِينَ مُضْطَرِبِينَ وَلَيْسَ مِثْلِي يَرْضَى بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ فَإِلَى مَنْ تَرَيَانِ ؟ " , قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَقُلْتُ لَهُ : يَا أَبَتِ أَمَّا إِذَا ثَبَتَّ فَإِلَى عَلِيٍّ , قَالَ : " يَا بُنَيَّ , إِنِّي إِنْ أَتَيْتُ عَلِيًّا كُنْتُ عِنْدَهُ كَأَحَدِ الْمُسْلِمِينَ , وَإِنْ أَتَيْتُ مُعَاوِيَةَ أَشْرَكَنِي فِي أَمْرَهِ " , قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا خُيِّرَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ : وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ أَشَدِّ الصَّحَابَةِ حَذَرًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْفِتَنِ وَأَكْثَرَهُمْ تَحْذِيرًا لِلنَّاسِ مِنَ الدُّخُولِ فِيهَا وَبَقِيَ إِلَى أَيَّامِ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ , فَلَمْ يُقَاتِلْ مَعَهُ وَلَمْ يُدَافِعْ عَنْهُ إِلا أَنَّهُ كَانَ يَشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَهُ فَإِذَا فَاتَتْهُ صَلاهَا مَعَ الْحَجَّاجِ , وَكَانَ يَقُولُ : " إِذَا دَعَوْنَا إِلَى اللَّهِ أَجَبْنَاهُمْ وَإِذَا دَعَوْنَا إِلَى الشَّيْطَانِ تَرَكْنَاهُمْ .
حَدَّثَنَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَعِيدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا غَسَّانُ بْنُ عُبَيْدٍ , قَالَ الأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ السَّدُوسِيُّ : عَنْ أَبِي نَوْفَلِ بْنِ أَبِي عَقْرَبٍ , قَالَ : لَمَّا قَتَلَ الْحَجَّاجُ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَصَلَبَهُ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ يُغَايِظُ بِهِ قُرَيْشَ الْمَدِينَةِ , فَمَرَّ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ , فَقَالَ : " السَّلامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، وَاللَّهِ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا ، ثَلاثًا ، وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتَ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولا لِلرَّحِمِ وَاللَّهِ لأُمَّةٌ أَنْتَ شَرُّهَا لَنِعْمَ تِلْكَ الأُمَّةُ " , ثُمَّ مَضَى , وَكَانَ كَذَلِكَ أَيْضًا يَكْرَهُ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا , الْخُرُوجَ إِلَى الْعِرَاقِ وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالانْصِرَافِ إِلَى الْمَدِينَةِ , فَأَبَى إِلا مُضِيًّا لِوَجْهِهِ فَجَرَى عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْمِ مَا جَرَى حَسِيبُهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَمُكَافِيهِمْ .
أَخْبَرَنَا ابْنُ الأَعْرَابِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزِّبْرِقَانِ , قَالَ : حَدَّثَنَا بَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ الأَسَدِيُّ , قَالَ : سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يُحَدِّثُ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ بِمَالِهِ فَبَلَغَهُ أَنَّ الْحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى الْعِرَاقِ فَلَحِقَهُ عَلَى مَسِيرَةِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فَإِذَا مَعَهُ طَوَامِيرُ وَكُتُبٌ , فَقَالَ : هَذِهِ كُتُبُهُمْ وَبَيْعَتُهُمْ , فَقَالَ : لا تَأْتِهِمْ ، فَأَبَى ، فَقَالَ : إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا : " إِنَّ جَبْرَائِيلَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَخَيَّرَهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ , فَاخْتَارَ الآخِرَةَ وَلَمْ يُرِدِ الدُّنْيَا " , وَإِنَّكُمْ بِضْعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاللَّهِ لا يَلِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ أَبَدًا وَمَا صَرَفَهَا عَنْكُمْ إِلا لِلَّذِي هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ . فَأَبَى أَنْ يَرْجِعَ . قَالَ : فَاعْتَنَقَهُ ابْنُ عُمَرَ وَبَكَى , وَقَالَ : أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ مِنْ قَتِيلٍ .
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الآبُرِيُّ , قَالَ : سَمِعْتُ فَارِسَ بْنَ عِيسَى ، يَقُولُ : سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ ذَا النُّونِ ، يَقُولُ : " وَجَدْتُ صَخْرَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَيْهَا أَسْطُرٌ ، فَجِئْتُ بِمَنْ تَرْجَمَهَا فَإِذَا عَلَيْهَا مَكْتُوبٌ : كُلُّ عَاصٍ مُسْتَوْحِشٌ , وَكُلُّ مُطِيعٍ مُسْتَأْنِسٌ , وَكُلُّ خَائِفٍ هَارِبٌ , وَكُلُّ رَاجٍ طَالِبٌ , وَكُلُّ قَانِعٍ غَنِيُّ , وَكُلُّ مُحِبٍّ ذَلِيلٌ " , أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ : فَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَوْحَشَتْكَ الذُّنُوبُ فَدَعْهَا إِذَا شِئْتَ وَاسْتَأْنِسْ قَالَ : وَأَنْشَدَنِي رَجُلٌ فَاضِلٌ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا لِنَفْسِهِ فِي كَلِمَةٍ لَهُ : وَيَأْنَسُ مِنْ وَحْدَةِ الْعَارِفِ فَأَوْحِشْ مِنْ وَحْدَةِ الْجَاهِلِ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : إِنَّمَا يَسْتَوْحِشُ الإِنْسَانُ بِالْوَحْدَةِ , لِخَلاءِ ذَاتِهِ وَعَدَمِ الْفَضِيلَةِ مِنْ نَفْسِهِ , فَيَتَكَثَّرُ حِينَئِذٍ بِمُلاقَاةِ النَّاسِ وَيَطْرُدُ الْوَحْشَةَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْكَوْنِ مَعَهُمْ , فَإِذَا كَانَتْ ذَاتُهُ فَاضِلَةً طَلَبَ الْوَحْدَةَ لِيَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى الْفِكْرَةِ وَيَتَفَرَّغَ لاسْتِخْرَاجِ الْحِكْمَةِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الاسْتِئْنَاسُ بِالنَّاسِ مِنْ عَلامَاتِ الإِفْلاسِ .
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ شَبِيبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّحْوِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا الرِّيَاشِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا الأَصْمَعِيُّ , قَالَ : " سَأَلَنِي الرَّشِيدُ عَنْ أَعْرَابِ الْبَادِيَةِ ، وَعَنْ أَخْبَارِهَا فَحَدَّثْتُهُ أَنِّي كُنْتُ فِي مَكَانٍ يُقَالُ لَهُ الطِّخْفَةُ وَهِيَ قَرْيَةٌ لِبَنِي كِلابٍ رَأَيْتُ فِيهَا أَعْرَابِيًّا فِي عُنُقِهِ طَوْقٌ مُلْتَوٍ مِنْ فِضَّةٍ وَبِيَدِهِ زُكْرَةٌ وَمَعَهُ قَدَحُ نَبْعٍ , فَتَتَبَّعْتُ أَثَرَهُ , فَجَاءَ إِلَى جِذْمِ حَائِطٍ فَجَمَعَ رُمَيْلَةً , ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَيْهَا وَجَعَلَ يَصُبُّ مِنْ شَكْوَتِهِ نُبَاذَةً لَهُ فِي قَدَحِ النَّبْعِ وَيَشْرَبُهُ وَيَرْجُزُ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ , وَوَقَفْتُ عِنْدَهُ , فَقَالَ : إِنَّ فِيهِ خِلالا ثَلاثًا : إِنْ سَمِعَ مِنِّي حَدِيثًا لَمْ يُنْمِهِ عَلَيَّ , وَإِنْ تَفَلْتُ فِي وَجْهِهِ احْتَمَلَ وَإِنْ عَرْبَدْتُ عَلَيْهِ لَمْ يَغْضَبْ ، فَقَالَ الرَّشِيدُ : زَهَّدْتَنِي فِي النُّدَمَاءِ هَذَا مِنَ الأَعْرَابِيِّ فِي وَزْنِ قَوْلِ بَعْضِهِمْ ، وَقَدْ كَانَ لَزِمَ الْمَقَابِرَ , فَكَانَ يَغْدُو إِلَيْهَا وَيَرُوحُ وَمَعَهُ دَفْتَرٌ , فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ , فَقَالَ : لَمْ أَرَ أَسْلَمَ مِنْ وَحْدَةٍ وَلا أَوْعَظَ مِنْ قَبْرٍ وَلا جَلِيسًا أَمْتَعَ مِنْ دَفْتَرٍ . قَالَ : وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي نَمَطِ صَنِيعِ الأَعْرَابِيِّ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَكْلِ مَا نَسْتَحْسِنُهُ ، مَا أَنْشَدَنِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الأَدَبِ لِبَعْضِهِمْ : لَمَّا رَأَيْتُ الزَّمَانَ نَكِسًا وَلَيْسَ بِالْحِكْمَةِ انْتِفَاعْ كُلُّ رَئِيسٍ لَهُ مِلالٌ وَكُلُّ رَأْسٍ لَهُ صُدَاعْ لَزِمْتُ بَيْتِي وَصُنْتُ عِرْضًا بِهِ عَنِ الذِّلَّةِ امْتِنَاعْ أَشْرَبُ مِمَّا ادَّخَرْتُ رَاحًا لَهَا عَلَى رَاحَتِي شُعَاعْ لِي مِنْ قَوَارِيرِهَا نَدَامَى وَمِنْ قَوَاقِيزِهَا سَمَاعْ وَأَجْتَنِي مِنْ عُقُولِ قَوْمٍ قَدْ أَقْفَرَتْ مِنْهُمُ الْبِقَاعْ وَمِمَّا يَقْرُبُ مِنْ هَذَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ : تَبَيَّنْ هَدَاكَ اللَّهُ وَابْتَغِ صَاحِبًا تَقِيًّا وَإِلا عِشْ وَصَاحِبُكَ الظِّلُّ وَلِلْمُتَنَبِّي فِي هَذَا الْمَعْنَى : أَجَلُّ مَكَانٍ رُمْتَهُ سَرْجُ سَابِحٍ وَخَيْرُ جَلِيسٍ فِي الزَّمَانِ كِتَابُ .
أَخْبَرَنِي أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ نَافِعٍ الْخُزَاعِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمِّي إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ , قَالَ : حَدَّثَنَا الأَزْرَقِيُّ , قَالَ : " لَمَّا انْصَرَفَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ مِنَ الْحَكَمَيْنِ نَزَلَ مَكَّةَ , فَبَنَى سَقِيفَةً مِنْ حِجَارَةٍ عَلَى فُوَّهَةِ شِعْبِ أَبِي الدُّبِّ , وَهُنَاكَ مَقْبَرَةٌ , فَقَالَ : " أُجَاوِرُ قَوْمًا لا يَغْدِرُونَ " . يَعْنِي أَهْلَ الْقُبُورِ : فَأَمَّا نَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْهِجْرَةِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثٍ فَإِنَّ الْعُزْلَةَ لا تَجْرِي مَجْرَاهَا وَلا تَدْخُلُ فِي مَعْنَاهَا , إِنَّمَا الْمَكْرُوهُ مِنَ الْهِجْرَةِ مَا يَدْعُوكَ إِلَيْهِ عَتَبٌ أَوْ مَوْجِدَةٌ , وَمَا قَصَدْتَ بِهِ إِلا يُحَاشُ لأَخِيكَ وَتَعَمَّدْتَ الإِضْرَارَ بِهِ وَالإِخْلالَ بِحُقُوقِهِ , فِي مَنْعِ الْكَلامِ وَرَدِّ التَّحِيَّةِ وَالسَّلامِ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا يَجْرِي مُؤْثِرُ الْعُزْلَةِ وَمَنْ يَمِيلُ إِلَى الإِقْلالِ مِنَ الْخُلْطَةِ , لأَنَّهُ لا يَهْمِلُ هَذِهِ الْحُقُوقَ وَلا يَقْصِدُ فِيهَا بِهَا قَصْدَ الْجَفَاءِ وَالْعُقُوقَ وَقَدْ يَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ يَضِيرُ هُجْرَانُ الظَّالِمِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثٍ إِذَا لَمْ تُؤْمَنْ بَوَائِقُهُ وَلا هُجْرَانُ مَنْ تُرِيدُ بِهَجْرِكَ إِيَّاهُ تَقْوِيمَهُ وَاسْتِصْلاحَهُ إِذَا كَانَ خَاصًّا بِكَ أَوْ مُنْقَطِعًا إِلَيْكَ أَوْ دَاخِلا فِي جُمْلَتِكَ وَمِنْ طَبَقَاتِ أَهْلِ سِيَاسَتِكَ وَرُبَّ هَجْرٍ أَشْبَهَ وَصْلا وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ .
وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ نَافِعٍ الْخُزَاعِيُّ , قَالَ : قَالَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ : ذُكِرَ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ رَجُلٌ هَجَرَ رَجُلا حَتَّى مَاتَ , فَقَالَ : " هَذَا شَيْءٌ قَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ قَوْمٌ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَ مُهَاجِرًا لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ حَتَّى هَلَكَا , وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ كَانَ مُهَاجِرًا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ , وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ مُهَاجِرَةً لِحَفْصَةَ , وَكَانَ طَاوُسٌ مُهَاجِرًا لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ , حَتَّى مَاتَ " . أَمَّا مَا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ مِنَ الأُمُورِ وَحَدَثَ فِي زَمَانِهِمْ مِنِ اخْتِلافِ الآرَاءِ , فَإِنَّهُ بَابٌ كُلَّمَا قَلَّ التَّسَرُّعُ فِيهِ وَالْبَحْثُ عَنْهُ كَانَ أَوْلَى بِنَا وَأَسْلَمَ لَنَا ، وَمِمَّا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَعْتَقِدَ فِي أَمْرِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا أَئِمَّةً عُلَمَاءَ قَدِ اجْتَهَدُوا فِي طَلَبِ الْحَقِّ , وَتَحَرُّوا جِهَتَهُ وَتَوَخُّوا قَصْدَهُ , فَالْمُصِيبُ مِنْهُمْ مَأْجُورٌ وَالْمُخْطِئُ مَعْذُورٌ , وَقَدْ تَعَلَّقَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِحُجَّةٍ وَفَزِعَ إِلَى عُذْرٍ وَالْمُقَايَسَةُ عَلَيْهِمْ وَالْمُبَاحَثَةُ عَنْهُمُ اقْتِحَامٌ فِيمَا لا يَعْنِينَا . وَاللَّهُ تَعَالَى يَغْفِرُ لَنَا وَلَهُمْ بِرَحْمَتِهِ . وَلَيْسَ التَّهَاجُرُ مِنْهُمْ وَالتَّصَارُمُ بِأَكْثَرَ مِنَ التَّقَاتُلِ فِي الْحُرُوبِ وَالتَّوَاجُهِ بِالسُّيُوفِ , وَلا أَعْجَبَ مِنَ التَّبَاهُلِ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ مِنَ الاخْتِلافِ وَالتَّنَازُعِ فِي التَّأْوِيلِ وَكُلٌّ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ مَأْجُورٌ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِهِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَحُسْنِ نِيَّتِهِ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَنَسْأَلُهُ أَنْ لا يَجْعَلَ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ . فَأَمَّا مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ طَبَقَاتِ الْمُتَأَخِّرِينَ , فَلَنَا مُنَاظَرَتُهُمْ فِي مَذَاهِبِهِمْ وَمُوَافَقَتُهُمْ عَلَيْهَا وَالْكَشْفُ عَنْ حُجَجِهِمْ وَالْقَوْلُ بِتَرْجِيحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَإِظْهَارُ الْحَقِّ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ لِيُقْتَدَى بِهِمْ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى الْخَطَأِ مِنْهُمْ لِيُنْتَهَى عَنْهُ وَإِنَّمَا كَانَ هُجْرَانُ طَاوُسٍ وَهْبًا لأَنَّ وَهْبًا مَالَ فِي آخِرِ أَمْرِهِ إِلَى رَأْيِ الْقَدَرِيَّةِ وَأَظْهَرَهُ لِلنَّاسِ فَعَاتَبَهُ طَاوُسٌ عَلَى ذَلِكَ فَلَمَّا لَمْ يَنْتَهِ عَنْهُ نَابَذَهُ وَهَجَرَهُ .
قَالَ : أَنْشَدَنِي أَبُو رَجَاءٍ الْغَنَوِيُّ , قَالَ : أَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَكِيمٍ : إِذَا كُنْتُ أَرْضَى مِنَ الدَّهْرِ أَنْ أَنَالَ الْكَفَافَ وَعَيْشًا سَدَادَا فَإِنَّ الْغَنِيَّ وَإِنَّ الْفَقِيرَ وَإِنَّ الْبَخِيلَ وَإِنَّ الْجَوَادَا عَلَيَّ سَوَاءٌ فَمَا لِي أَذِلُّ لِمَنْ لا يَذِلُّ وَأُعْطِي الْقِيَادَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُنْصِفًا فِي الإِخَاءِ إِذَا زُرْتُ زَارَ وَإِنْ عُدْتُ عَادَا يَرَانِي سَوَاءً فَيُعْطِي السَّوَاءَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ زِدْتُ زَادَا أَبَيْتُ عَلَيْهِ أَشَدَّ الإِبَاءِ وَإِنْ كَانَ أَعْلَى قُرَيْشٍ عِمَادًا وَقَارَضْتُهُ الْفِعْلَ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَكَيْلا بِكَيْلٍ عَلَى مَا أَرَادَا وَنَافَقْتُهُ بِاقْتِصَارِ السَّلامِ عَلَيْهِ وَلَمْ آلُ عَنْهُ بِعَادًا وَإِنْ هُوَ سَارَ بِسِيرَةِ حُرٍّ جَعَلْتُ اللِّسَانَ لَهُ وَالْفُؤَادَا صَحِبْتُ الزَّمَانَ فَإِمَّا مُقِيمًا وَإِمَّا مُفِيدًا أَجُوبُ الْبِلادَا وَأَسْتَعْرِضُ النَّاسَ عَرْضَ الْعِيَانِ وَأَسْأَلُ عَنْ ذَا وَذَاكَ اعْتِمَادَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَ الرِّضَا صَاحِبًا أَعَزَّ وَأَوْطَأَ مِنْهُ مِهَادَا وَمَنْ فَارَقَ الصَّبْرَ أَعْطَى الْقِيَادَا وَرَاحَ يَذُمُّ إِلَيْكَ الْعِبَادَا وَمَنْ طَلَبَ النُّجْحَ عِنْدَ الْكَذُوبِ أَطَالَ الرُّكُوبَ وَأَحْفَى الْجَوَادَا وَأَعْنَى الْكِتَابَ بِرَدِّ الْجَوَابَا فَأَفْنَى قَرَاطِيسَهُ وَالْمِدَادَا وَأَقْرَبُ مَا كَانَ مِنْ مَوْعِدٍ وَأَبْعَدُ مِنْهُ إِلَيَّ مَا أَرَادَا وَعَلَى الْمَعْنَى الأَوَّلِ مِنْ هَذَا الشِّعْرِ قَوْلُ مَعْنِ بْنِ أَوْسٍ : إِذَا أَنْتَ لَمْ تُنْصِفْ أَخَاكَ وَجَدْتَهُ عَلَى طَرَفِ الْهِجْرَانِ إِنْ كَانَ يَعْقِلُ وَيَرْكَبُ حَدَّ السَّيْفِ مِنْ أَنْ تَضْيِمَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ شَفْرَةِ السَّيْفِ مُزْحِلُ وَأَنْشَدُونَا عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الْمُبَرِّدِ لِمَالِكِ بْنِ الرَّيْبِ : فَإِنْ تُنْصِفُونَا يَا آلَ مَرْوَانَ نَقْتَرِبْ إِلَيْكُمْ وَإِلا فَأْذَنُوا بِبِعَادِ فَإِنَّ لَنَا عَنْكُمْ مُزَاحًا وَمُزْحِلا بِعِيسٍ إِلَى رِيحِ الْفَلاةِ صَوَادِي فَفِي الأَرْضِ عَنْ دَارِ الْمَذَلَّةِ مَذْهَبٌ وَكُلُّ بِلادٍ أَوْطَنَتْ كَبِلادِي وَقَالَ : وَبَلَغَنِي عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، أَنَّهُ رَأَى مِنْ صَدِيقٍ لَهُ انْقِبَاضًا فَكَتَبَ إِلَيْهِ : كِلانَا غَنِيُّ عَنْ أَخِيهِ حَيَاتَهُ وَنَحْنُ إِذَا مِتْنَا أَشَدُّ تَغَانِيَا .
أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ ، يَقُولُ : " لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعُزْلَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّكَ لا تَجِدُ أَعْوَانًا عَلَى الْغِيبَةِ لَكَفَى " . صَدَقَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ جَالَسَ النَّاسَ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَعَاشَرَهُمْ , إِلا قَلَّتْ سَلامَتُهُ مِنَ الْغِيبَةِ , فَإِنَّ مِنْ شَأْنِهِمُ الْيَوْمَ أَنْ يَقَعَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ , وَأَنْ يُشْبِعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَأَنْ يَتَمَضْمَضُوا بِذِكْرِ الأَعْرَاضِ وَيَتَفَكَّهُوا بِهَا وَيَتَنَقَّلُوا بِحَلاوَتِهَا , فَإِمَّا أَنْ يُسَاعِدَهُمْ جَلِيسُهُمْ عَلَى إِثْمٍ وَتَرْكِ مُرُوءَةٍ وَإِمَّا أَنْ يُخَالِفَهُمْ عَنْ قِلًى وَشَنَآنٍ فَمُجَالَسَتُهُمْ دَاءٌ يُعْدِي يَضُرُّ وَلا يُجْدِي . قَالَ : وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعُزْلَةِ إِلا السَّلامَةُ مِنْ آفَةِ الرِّيَاءِ وَالتَّصَنُّعِ لِلنَّاسِ وَمَا يَدْفَعُ إِلَيْهِ الإِنْسَانُ إِذَا كَانَ فِيهِمْ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمُدَاهَنَةِ مَعَهُمْ وَخِدَاعِ الْمُوَارَبَةِ فِي رِضَاهُمْ لَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا يُرَغِّبُ فِي الْعُزْلَةِ وَيُحَرِّكُ إِلَيْهَا .
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ " . حَدَّثَنَا ابْنُ دَاسَةَ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ . فَمَنْ أَحَبَّ السَّلامَةَ مِنْ هَذِهِ الْخَلَّةِ , فَلْيُقِلَّ مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ وَلَيَتَحَذَّرْ مُدَاخَلَتَهُمْ وَالتَّوَسُّطَ فِي أُمُورِهِمْ , فَإِنَّهُ إِذَا مُنِيَ بِذَلِكَ وَابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْهُ لَمْ يَسْلَمْ أَنْ يَلْقَى هَذَا بِوَجْهٍ وَصَاحِبَهُ بِوَجْهٍ آخَرَ , وَلَئِنْ خَالَفَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ أَوْشَكَ أَنْ يَشْنَأَهُ النَّاسُ وَيَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا , وَفِي الْعُزْلَةِ السَّلامَةِ مِنَ الْمَأْثَمِ فِي الْمُنْكَرِ يَرَاهُ الإِنْسَانُ فَلا يُغَيِّرُهُ وَالأَمانُ مِنْ غَوَائِلِ أَهْلِهِ وَمِنْ عَادِيَتِهِمْ إِذَا غَيَّرَهُ فَقَدْ أَبَى أَكْثَرُ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ قَبُولَ النَّصَائِحَ وَنَصَبُوا الْعَدَاوَةَ لِمَنْ دَعَاهُمْ إِلَى هُدًى أَوْ نَهَاهُمْ عَنْ رَدًى . فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَحْدَةِ وَالتَّبَاعُدِ مِنْهُمْ إِلا السَّلامَةُ مِنْ إِثْمِ الْمُدَاهَنَةِ وَخَطَرِ الْمُكَافَحَةِ لَكَانَ فِي ذَلِكَ الرِّبْحُ الرَّابِحُ وَالْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ .
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ مَعُونَةَ , قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ , قَالَ : " قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَطِيبًا فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ , ثُمَّ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ سورة المائدة آية 105 , وَإِنَّكُمْ تَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُولُ : " إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ " . وَمِنْ مَنَاقِبِ الْعُزْلَةِ السَّلامَةُ مِنْ آفَاتِ النَّظَرِ إِلَى زِينَةِ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا وَالاسْتِحْسَانُ لِمَا ذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ زَخْرَفَتِهَا وَعَابَهُ مِنْ زَبْرَجِ غُرُورِهَا وَفِيهَا مَنْعُ النَّفْسِ مِنَ التَّطُلِّعِ إِلَيْهَا وَالاسْتِشْرَافِ لَهَا وَمِنْ مُحَاكَاةِ أَهْلِهَا وَمُنَافَسَتِهِمْ عَلَيْهَا , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ سورة طه آية 131 وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ دُونَكُمْ وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ " .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتَّابٍ الْعَتَدِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زِيرَكٍ , قَالا : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : وَحَدَّثَنَا ابْنُ عَتَّابٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ الْقَاضِي , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ عَنْ مَخْلَدِ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنِ الْحَسَنِ , قَالَ : " إِيَّاكُمْ وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْبَسْطَةِ فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُمْ مَسْخَطَةٌ لِلرِّزْقِ " , وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : كُنْتُ أُجَالِسُ الأَغْنِيَاءَ فَلا أَزَالُ مَغْمُومًا كُنْتُ أَرَى ثَوْبًا أَحْسَنَ مِنْ ثَوْبِي وَدَابَّةً أَفْرَهَ مِنْ دَابَّتِي فَجَالَسْتُ الْفُقَرَاءَ فَاسْتَرَحْتُ .
أَخْبَرَنَا الْكَرَّانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمِنْقَرِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا الأَصْمَعِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ شَاذَانَ الأَزْدِيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ سورة الفرقان آية 20 , قَالَ : " جَعَلْنَا الْغَنِيَّ فِتْنَةً لِلْفَقِيرِ وَالْفَقِيرَ فِتْنَةً لِلْغَنِيِّ " . سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ فُقَهَاءِ أَصْحَابِنَا , يَقُولُ : بَلَغَنِي أَنَّ الْمُزَنِيَّ خَرَجَ مِنْ بَابِ جَامِعِ الْفُسْطَاطِ مُعَلِّقًا نَعْلَهُ وَقَدْ أَقْبَلَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي مَوْكِبِهِ فَبَهَرَهُ مَا رَأَى مِنْ جَمَالِهِ وَحُسْنِ هَيْئَتِهِ , فَتَلا قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ سورة الفرقان آية 20 ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ بَلَى أَصْبِرُ وَأَرْضَى وَكَانَ مُقِلا رَحْمَةُ اللَّهُ عَلَيْهِ . قَالَ : وَمِنْ مَنَاقِبِ الْعُزْلَةِ أَنَّهَا خَالِعَةٌ عَنْكَ رِبْقَةَ ذُلِّ الآمَالِ وَقَاطِعَةٌ رِقَّ الأَطْمَاعِ وَمُبْعِدَةٌ عَنِ الْيَأْسِ عَنِ النَّاسِ فَإِنَّ مَنْ صَحِبَهُمْ وَكَانَ فِيهِمْ وَمَعَهُمْ لَمْ يَكَدْ يَخْلُو مِنْ أَنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِنَوْعٍ مِنَ الطَّمَعِ فِيهِمْ إِمَّا فِي مَالٍ أَوْ جَاهٍ وَالطَّمَعُ فَقْرٌ حَاضِرٌ وَذُلٌّ صَاغِرٌ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْغِنَى الْيَأْسُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَمَنْ مَشَى مِنْكُمْ إِلَى طَمَعٍ فَلْيَمْشِ رُوَيْدًا " .
أَخْبَرَنَا ابْنُ الأَعْرَابِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ يُوسُفَ الْجُعْفِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ زِيَادٍ الْعِجْلِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَحَدَّثَنَا ابْنُ دَاسَةَ , قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الأَسْفَاطِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّشِيطِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ جُنْدُبٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ , قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَيْسَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ " . أَنْشَدَنِي الْخُزَيْمِيُّ لِعَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ الْمُعَدَّلِ : تُكَلِّفُنِي إِذْلالَ نَفْسِي لِعِزِّهَا وَهَانَ عَلَيْهَا أَنْ أُهَانَ فَتُكْرَمَا تَقُولُ سَلِ الْمَعْرُوفَ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ فَقُلْتُ سَلِيهِ رَبَّ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَا وَأَنْشَدَنِي أَبُو عُمَرَ , قَالَ : أَنْشَدَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٌ ، عَنِ ابْنِ الأَعْرَابِيِّ : إِذَا كَانَ بَابُ الذُّلِّ مِنْ جَانِبِ الْغِنَى سَمَوْتُ إِلَى الْعَلْيَاءِ مِنْ جَانِبِ الْفَقْرِ صَبَرْتُ وَكَانَ الصَّبْرُ مِنِّي سَجِيةً وَحَسْبُكَ أَنَّ اللَّهَ أَثْنَى عَلَى الصَّبْرِ قَالَ : وَلَوْ لَمْ يَرْبَحِ الإِنْسَانُ فِي الْعُزْلَةِ وَالتَّخَلِّي عَنِ النَّاسِ وَعَنْ مَسَاوِيهِمْ وَالانْقِطَاعِ عَنْ مُحَاوَرَتِهِمْ إِلا مَا يُكْفَاهُ مِنْ فَضْلِ مَئُونَةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُمْ وَمَا يَسْتَفِيدُهُ مِنَ الأَمَانِ أَنْ يَرْفَعُوا عَلَيْهِ قَوْلا يَسْمَعُونَهُ يَتَكَلَّمُ بِهِ فِي حَالِ غَفْلَةٍ وَاسْتِرْسَالِ أَوْ يَتَأَوَّلُوا عَلَيْهِ كَلامًا لا تَبْلُغُ عُقُولُهُمْ كُنْهَهُ فَيُوَجِّهُوهُ إِلَى غَيْرِ جِهَتِهِ وَيَنْحِلُوهُ غَيْرَ صِفَتِهِ فَكَانَ فِيهِ كِفَايَةٌ كَافِيَةٌ وَعِصْمَةٌ وَاقِيَةٌ .
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ , قَالَ : حَدَّثَنَاهُ عَلْكَانُ الْمَرْوَزِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلاءِ الْوَكِيعِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحُصَيْنِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ , وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الدَّقِّ , قَالَ : حَدَّثَنَا شُكْرٌ , قَالَ : حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَلاءُ بْنُ سَعْدٍ الْكِنْدِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنِي شَيْخٌ لَنَا , قَالَ : كُنْتُ أُمَاشِي إِسْمَاعِيلَ بْنَ سُهَيْلٍ ، وَكَانَ أَحَدَ الْحُكَمَاءِ ، فَقَالَ " أَلا أُخْبِرُكَ بِبَيْتِ شِعْرٍ خَيْرٍ لَكَ مِنْ عَشَرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ ؟ فَقُلْتُ : بَيْتُ شِعْرٍ خَيْرٌ مِنْ عَشَرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ , فَقَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ نَفْسُكَ أَوْ عَشَرَةُ آلافِ دِرْهَمٍ ؟ قُلْتُ : نَفْسِي , فَأَنْشَأَ يَقُولُ : اخْفِضِ الصَّوْتَ إِنْ نَطَقْتَ بِلَيْلٍ وَالْتَفِتْ بِالنَّهَارِ قَبْلَ الْمَقَالِ لَيْسَ فِي الْقَوْلِ رَجْعَةٌ حِينَ يَبْدُو بِقَبِيحٍ يَكُونُ أَوْ بِجَمَالِ " . فَصَاحِبُ الْعُزْلَةِ فِي أَمَانٍ مِنْ هَذَا الْوَجَلِ وَفِي حِصْنٍ مِنْ هَذَا الثَّغْرِ . وَقَدْ أَنْعَمَ بَيَانَ هَذَا الْمَعْنَى ذُو الرُّمَّةِ , حَيْثُ يَقُولُ : أُحِبُّ الْمَكَانَ الْقَفْرَ مِنْ أَجْلِ أَنَّنِي بِهِ أَتَغَنَّى بِاسْمِهَا غَيْرَ مُعْجِمِ . قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ : وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعُزْلَةِ إِلا السَّلامَةُ مِنْ صُحْبَةِ الْعَامَّةِ وَالرَّاحَةُ مِنْ تَعَبِ مُجَالَسَتِهِمْ وَمُصَابَرَةُ أَخْلاقِهِمُ الأَخْلاقِ , وَمَا يَسْتَفِيدُهُ الإِنْسَانُ بِمُفَارَقَتِهِمْ وَيُكْفَاهُ مِنْ مَئُونَةِ تَقْوِيمِهِمْ ، وَيَأْمَنُهُ مِنْ غَوَائِلِهِمْ فِي صِدْقِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَإِمْحَاضِ النَّصِيحَةِ لَهُمْ ، فَإِنَّ الْحَقَّ كَمَا قِيلَ مَغْضَبَةٌ وَبَعْضُ النُّصْحِ لِلْعَدَاوَةِ مَكْسَبَةٌ ، لَكَانَ فِي ذَلِكَ رَاحَةٌ مُرِيحَةٌ , وَقَدْ قَلَّ مَنْ يَعْرِفُ وَأَقَلُّ مِنْهُ مَنْ يُنْصِفُ .
حَدَّثَنَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا طُوَالَةَ ، يُحَدِّثُ عَنْ نَهَارٍ الْعَبْدِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ حَتَّى يَقُولَ : مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ فِي الدُّنْيَا أَنْ تُنْكِرَهُ فَإِذَا لَقَّنَ اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ , قَالَ : يَا رَبِّ رَجَوْتُكَ . وَخِفْتُ النَّاسَ " . هَذَا طَرِيقٌ فِي الرِّوَايَةِ يَرْتَضِيهِ أَهْلُ النَّقْلِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَعَلَى هَذَا لا يُحَرَّجُ الْمَرْءُ , إِنْ شَاءَ اللَّهُ , إِنْ تَرَكَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لأَهْلِ الْمُنْكَرِ إِذَا خَافَ عَادِيَتَهُمْ وَلَمْ يَأْمَنْ بِوَائِقَهُمْ , مَا دَامَ كَارِهًا لِفِعْلِهِمْ بِقَلْبِهِ وَمُصَارِمًا لَهُمْ بِعَزْمِهِ وَنِيَّتِهِ , ثُمَّ اعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ عَامَّةَ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ قَدْ سَاءَتْ رَغْبَتُهُمْ , وَقَلَّتْ آدَابُهُمْ , وَغَلُظَتْ مِحْنَتُهُمْ عَلَى مَنْ يُعَاشِرُهُمْ , لأَنَّ مَوْقِفَهَ فِيهِمْ بَيْنَ أَنْ يُخَوِّنَهُمُ فَيُسَالِمَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ لا يَصُونَ نَفْسَهُ فَيُنَاصِحَهُمْ وَقَدْ كَانُوا وَالنَّاسُ نَاسٌ وَالزَّمَانُ زَمَانٌ يَسْتَشْنِعُونَ الْحَقَّ وَلا يَسْتَمْرِئُونَ طَعْمَ النُّصْحِ وَيُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يَهْدِي إِلَيْهِمْ عُيُوبَهُمْ وَيَصْدُقُهُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ ، فَمَا ظَنُّكَ بِهِمُ الآنَ مَعَ فَسَادِ هَذَا الزَّمَانِ الْكَلِبِ الْمُنْقَلِبِ أَتُرَاهُمْ يُذْعِنُونَ لِلْحَقِّ وَيُصِيخُونَ إِلَى النُّصْحِ , كَلا إِنَّكَ إِلَى أَنْ تَفْسُدَ بِهِمْ يَخْضَعُونَ أَقْرَبُ مِنْهُمْ يَسْتَمِعُونَ إِلَى أَنْ يَصْلَحُوا بِكَ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : مَنْ قَابَلَ الْكَثِيرَ مِنَ الْفَسَادِ بِالْيَسِيرِ مِنَ الصَّلاحِ فَقَدْ غَرَّ نَفْسَهُ ، مِثَالُهُ أَنْ يَمِيلَ جِدَارٌ فَيَأْتِيَهُ رَجُلٌ فَيُدَعِّمَهُ بِيَدِهِ لِيُقِيمَهُ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَسْقُطَ عَلَيْهِ فَيَكُونَ فِيهِ تَلَفُهُ . بَلَى إِذَا وَجَدَ أَعْوَانًا وَآلَةً فَدَعَّمَهُ بِأَعْمِدَةٍ وَرَدِفَهُ بِقَوَائِمَ مِنْ خَشَبٍ وَنَحْوِهَا كَانَ جَدِيرًا أَنْ يَسْتَقِلَّ وَيَثْبُتَ , وَكَانَ الرَّجُلُ حَقِيقًا أَنْ يَسْلَمَ وَيَنْجُو فَانْظُرْ رَحِمَكَ اللَّهُ وَتَأَمَّلْ هَلْ تَجِدُ الْيَوْمَ أَعْوَانًا عَلَى الْمَعْرُوفِ وَدُعَاةً إِلَى الْخَيْرِ وَنُهَاةً عَنِ الْمُنْكَرِ , فَإِنْ كُنْتَ لا تَظْفَرُ بِهِمْ وَلا تَقْدِرُ عَلَيْهِمْ فَانْجُ بِرَأْسِكَ وَلا تُغَرِّرْ بِنَفْسِكَ , إِنَّ رِضَى النَّاسِ غَايَةٌ لا تُدْرَكُ قَدْ أَعْيَا الأَوَّلِينَ دَوَاؤُهُمْ وَانْقَطَعَتْ فِيهِمْ حِيَلُهُمْ فَمَا حَاجَتُكَ إِلَى عَنَاءٍ لا غَنَاءَ لَهُ وَتَعَبٍ لا نُجْحَ فِيهِ , وَمَا أُرِيكَ بِصُحْبَةِ قَوْمٍ لا تَسْتَفِيدُ بِلُقِيِّهِمْ عِلْمًا وَلا بِمَشْهَدِهِمْ جَمَالا وَلا بِمَعُونَتِهِمْ مَالا إِذَا تَأَمَّلْتَهُمْ حَقًّا وَجَدْتَهُمْ إِخْوَانَ الْعَلانِيَةِ أَعْدَاءَ السَّرِيرَةِ , إِذَا لَقَوْكَ تَمَلَّقُوكَ وَإِذَا غِبْتَ عَنْهُمْ شَبِعُوكَ . مَنْ أَتَاكَ مِنْهُمْ كَانَ عَلَيْكَ رَقِيبًا وَمَنْ خَرَجَ قَامَ بِكَ خَطِيبًا . أَهْلُ نِفَاقٍ وَخَدِيعَةٍ وَأَصْحَابُ نَقْلٍ وَنَمِيمَةٍ وَإِخْوَانُ بُهْتٍ وَعَظِيمَةٍ . وَلا يَغُرَّنَّكَ مَا تَرَى مِنِ احْتِشَادِهِمْ عِنْدَكَ وَازْدِحَامِهِمْ عَلَيْكَ , وَلا تَتَوَهَّمَنَّ أَنَّ بِهِمْ تَعْظِيمًا لِعِلْمِكَ أَوْ تَقْدِيمًا لَحَقِّكَ , إِنَّ عِظَمَ مَا يَقُودُهُمُ الْيَوْمَ إِلَى مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ وَيَحْشُرُهُمْ إِلَى أَبْوَابِهِمُ الرَّغْبَةُ فِي مَنَالٍ لِمَآرِبِهِمْ وَمَا يَتَّخِذُونَهُ سُلَّمًا إِلَى أَوْطَارِهِمْ وَحَمِيرًا لِحَاجَاتِهِمْ فَهُمُ الْمَسَاكِينُ بَيْنَ شَرَّيْنِ مِنْهُمْ وَمِنْ تَكَالِيفِهِمْ . إِنْ أَسْعَفُوهُمْ بِبَعْضِهَا أَضْجَرُوهُمْ بِكَثْرَةِ تَوَابِعِهَا وَآذُوهُمْ وَإِنِ امْتَنَعُوا عَلَيْهِمْ فِيهَا شَنَّعُوهُمْ وَعَادُوهُمْ , ثُمَّ إِنَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ يُلْزِمُونَهُمْ بَدَالَةَ الْمَعْرِفَةِ أَنْ يَهْدُفُوا لَهُمْ أَغْرَاضَهُمْ فَيُخَاصِمُوا عَنْهُمْ مَنْ خَاصَمَهُمْ وَيُعَادُوا مَنْ عَادَاهُمْ وَيُنَازِلُوا مَنْ نَازَلَهُمْ فَيَصِيرُونَ ، مِنْ حَيْثُ قَدَّرُوا أَنَّهُمْ فُقَهَاءُ سُفَهَاءَ ، وَمِنْ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مَتْبُوعُونَ رُؤَسَاءُ أَتْبَاعًا أَخِسَّاءَ ، فَمَنْ أَخْسَرُ صَفْقَةً وَأَشَدُّ بَلِيَّةً مِنْ هَؤُلاءِ مَعَهُمْ أَلَيْسَ الْفِرَارُ مِنْهُمْ حَقًّا وَاجِبًا وَالتَّخَلُّصُ مِنْ بَيْنِهِمْ غُنْمًا ؟ بَلَى إِنَّهُ كَذَلِكَ وَبِحَقٍّ مَا قِيلَ : اعْتِزَالُ الْعَامَّةِ مُرُوءَةٌ تَامَّةٌ وَمِنْ مَنَاقِبِ الْعُزْلَةِ أَنَّهَا تَحْسِمُ عَنْكَ أَوْهَامَ الْمُتَجَنِّينَ وَتَقْطَعُ مَوَادَّ شِكَايَاتِ الْمُتَجَرِّمِينَ . وَذَلِكَ أَنَّ طِبَاعَ النَّاسِ مُتَفَاوِتَةٌ مُتَعَادِيَةٌ وَهِمَمُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ وَوَسَاوِسُ صُدُورِهِمْ كَثِيرَةٌ وَإِنَّ سُوءَ ضَمَائِرِهِمْ يُصَوِّرُ لَهُمْ وَيُوحِي إِلَى قُلُوبِهِمْ أَنَّ اجْتِمَاعَ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ وَتَنَاجِي كُلِّ شِرْذِمَةٍ مِنْهُمْ إِنَّمَا هُوَ فِي التَّنْفِيرِ عَنْهُمْ وَالْبَحْثِ عَنْ عُيُوبِهِمْ , أَوْ فِي تَبْيِيتِ رَأْيٍ وَدَسِيسِ غَائِلَةٍ عَلَيْهِمْ وَيَغْلِبُ هَذَا الظَّنُّ خُصُوصًا عَلَى مَنْ يُحِسُّ مِنْ نَفْسِهِ بِتُهْمَةٍ وَيُعْرَفُ عِنْدَ النَّاسِ بِرِيبَةٍ ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُنَافِقِينَ بِذَلِكَ , فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ سورة المنافقون آية 4 , وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْمُتَنَبِّي فِي أَهْلِ هَذِهِ الطَّبَقَةِ حَيْثُ يَقُولُ : إِذَا سَاءَ فِعْلُ الْمَرْءِ سَاءَتْ ظُنُونُهُ وَصَدَّقَ مَا يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ وَعَادَى مُحِبِّيهِ بِقَوْلِ عِدَاتِهِ وَأَصْبَحَ فِي لَيْلٍ مِنَ الشَّكِّ مُظْلِمِ قَالَ بَعْضُهُمْ : مُعَاشَرَةُ الأَشْرَارِ تُورِثُ سُوءَ الظَّنِّ بِالأَبْرَارِ , فَمَنِ اعْتَزَلَ النَّاسَ وَانْقَطَعَ عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ فَقَدْ أَحْسَنَ فِي هَذَا الْبَابِ الدِّفَاعَ عَنْ نَفْسِهِ وَاسْتَظْهَرَ بِالاحْتِيَاطِ فِي طَلَبِ السَّلامَةِ لَهَا . وَمِمَّا يَقْطَعُ بِهَا عَنْكَ مَوَادَّ الشِّكَايَاتِ , أَنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ بِهَا لَمْ تَسْتَبْطِئْ فِي حَقٍّ إِذَا فَاتَكَ مِنْ عِيَادَةٍ أَوْ شُهُودِ جَنَازَةٍ أَوْ حُضُورِ أَمْلاكٍ أَوْ وَلِيمَةٍ أَوْ نَحْوِهَا , فَإِنَّ النَّاسَ إِذَا فَقَدُوكَ عَذَرُوكَ وَإِذَا وَجَدُوكَ عَذَلُوكَ وَاسْتَقْصَوْكَ وَقَدْ يَكُونُ لِلإِنْسَانِ فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ أَعْذَارٌ لا تُفْصِحُ بِهَا الأَخْبَارُ . وَقَدْ رُوِّينَا فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، أَنَّهُ كَانَ يَشْهَدُ الْجَنَائِزَ , وَيَعُودُ الْمَرْضَى , وَيُؤَدِّي الْحُقُوقَ , ثُمَّ تَرَكَ وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى تَرَكَهَا كُلَّهَا , وَكَانَ يَقُولُ : " لَيْسَ كُلُّ عُذْرٍ يَتَهَيَّأُ لِلْمَرْءِ أَنْ يُخْبَرَ بِهِ وَيُطْلِعَ النَّاسَ عَلَيْهِ " . قَالَ : وَفِي الْعُزْلَةِ السَّلامَةُ مِنْ قَرِينِ السُّوءِ وَصَاحِبِ السُّوءِ وَعَشِيرِ السُّوءِ . وَقَدْ شَبَّهَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَرْقِ النَّارِ , وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ : " مَثَلُ جَلِيسِ السُّوءِ كَمَثَلِ الْكِيرِ إِنْ لَمْ يُحْرِقْكَ بِشَرَرِهِ عَلَقَ بِكَ مِنْ رِيحِهِ " .
حَدَّثَنَا ابْنُ مَالِكٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , قَالَ : حَدَّثَنَا بُرَيْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ جَدِّهِ مِيرَمَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : إِنَّكَ لَنْ تَصْلُحَ أَبَدًا حَتَّى تُصْلِحَ جَلِيسَكَ . قَالَ : وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِذَا كُنْتَ مِنْ أَهْلِ الْعَفَافِ فَلا يَكُنْ قَرِينُكَ إِلا كُلَّ مَنْ يَتَعَفَّفِ وَقَدْ أَفْرَدْنَا لِهَذَا بَابًا فِي الْكِتَابِ . وَفِي الْعُزْلَةِ السَّلامَةُ مِنَ التَّبَذُّلِ لِعَوَامِّ النَّاسِ وَحَوَاشِيهِمْ وَالتَّصَوُّنُ عَنْ ذِلَّةِ الامْتِهَانِ مِنْهُمْ ، وَأَمَانُ الْمَلامِ عَنِ الصَّدِيقِ ، وَاسْتِحْدَاثُ الطِّرَاءَةِ عِنْدَ اللِّقَاءِ ، فَإِنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مَمْلُولٌ وَكُلَّ مَمْنُوعٍ مَطْلُوبٌ .
وَفِي هَذَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا " . أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ ابْنُ أَبِي أُسَامَةَ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلَقَدْ أَحْسَنَ فِي هَذَا الطَّائِيُّ حِينَ يَقُولُ : وَطُولُ مَقَامِ الْمَرْءِ فِي الْحَيِّ مُخْلِقٌ لِدِيبَاجَتَيْهِ فَاغْتَرِبْ تَتَجَدَّدِ فَإِنِّي رَأَيْتُ الشَّمْسَ زِيدَتْ مَحَبَّةً إِلَى النَّاسِ أَنْ لَيْسَتْ عَلَيْهِمْ بِسَرْمَدِ وَفِي الْعُزْلَةِ أَنَّهَا تَسْتُرُ الْفَاقَةُ وَتَكْشِفُ جِلْبَابَ التَّجَمُّلِ فَلا يَظْهَرُ عَلَى عَوْرَةٍ إِنْ كَانَتْ وَرَاءَهُ تَسُوءُ صَدِيقًا أَوْ تُشْمِتُ عَدُوًّا , فَإِنَّ التَّجَمُّلَ مِنْ شِيَمِ الأَحْرَارِ وَشَمَائِلِ ذَوِي الْهِمَمِ وَالأَخْطَارِ , وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الأَبْرَارَ مِنْ عِبَادِهِ , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ سورة البقرة آية 273 . أَنْشَدَنِي الْكَرَّانِيُّ , قَالَ : أَنْشَدَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الْعَتَّابِيُّ : إِنَّ الْكَرِيمَ لَيُخْفِي عَنْكَ خَلْقَتَهُ حَتَّى تَرَاهُ غَنِيًّا وَهُوَ مَجْهُودُ وَفِي مَعْنَاهُ لِعَلِيِّ بْنِ الْجَهْمِ : وَلا عَارٌ إِنْ زَالَتْ عَنِ الْحُرِّ نِعْمَةٌ وَلَكِنَّ عَارًا أَنْ يَزُولَ التَّجَمُّلُ وَفِي الْعُزْلَةِ أَنَّهَا مُعِينَةٌ لِمَنْ أَرَادَ نَظَرًا فِي عِلْمٍ أَوْ إِثَارَةً لِدَفِينِ رَأْيٍ أَوِ اسْتِنْبَاطًا لِحِكْمَةٍ , لأَنَّ شَيْئًا مِنْهَا لا يَجِيءُ إِلا مَعَ خَلاءِ الذَّرْعِ وَفَرَاغِ الْقَلْبِ وَمُخَالَطَةُ النَّاسِ مَلْهَاةٌ وَمَشْغَلَةٌ .
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْفَقِيهُ , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمَّا أَخَذَ فِي تَصْنِيفِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ , خَلا فِي سِرْدَابٍ وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُرَاعُوا وَقْتَ غَدَائِهِ وَوُضُوئِهِ فَيُقَدِّمُوا إِلَيْهِ حَاجَتَهُ مِنْهُمَا , وَأَنْ يُؤْخَذَ مِنْ شَعْرِهِ إِذَا طَالَ , وَأَنْ يُنَظَّفَ ثَوْبُهُ إِذَا اتَّسَخَ , وَأَنْ لا يُورِدُوا عَلَيْهِ شَيْئًا يَشْتَغِلُ بِهِ خَاطِرُهُ , وَأَقَامَ عَلَى مَالِهِ وَكِيلا وَفَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَهُ , ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى تَصْنِيفِ الْكِتَابِ وَلَمْ يَشْعُرْ إِلا بِرَجُلٍ يَنْزِلُ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَنْكَرَهُ , فَقَالَ لَهُ : مَنْ أَنْتَ . قَالَ : أَنَا صَاحِبُ الدَّارِ . قَالَ : وَكَيْفَ ذَاكَ . قَالَ : لأَنِّي قَدِ ابْتَعْتُ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ فُلانٍ ، يَعْنِي وَكِيلَهُ ، وَكَانَ وَكَّلَهُ إِيَّاهُ عَنْ تَفْوِيضٍ ، فَاحْتَاجَ إِلَى الانْتِقَالِ " . قَالَ : وَلِمَجْنُونٍ الْعَامِرِيِّ فِي هَذَا : وَإِنِّي لأَسْتَغْشِي وَمَا بِيَ نَعْسَةٌ لَعَلَّ خَيَالا مِنْكِ يَلْقَى خَيَالِيَا وَأَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الْجُلُوسِ لَعَلَّنِي أُحَدِّثُ عَنْكِ النَّفْسَ بِالسِّرِّ خَالِيَا .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ , قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ , قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ , قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلا ، يَقُولُ : " نَظَرْتُ إِلَى ثَقِيلٍ مَرَّةً فَغُشِيَ عَلَيَّ " . وَفِي الْعُزْلَةِ الأَمَانُ ، بِبَلَدِ بُسْتَ خَاصَّةً ، مِنْ دَوَاعِي الْكُنُفِ الشَّارِعَةِ وَالْمَثَاعِبِ السَّائِلَةِ فَإِنَّ جِنَايَتَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا جِنَايَةٌ لا أَرْشَ لَهَا وَدِمَاءُ قَتْلاهَا مَطْلُولَةٌ لا عَقْلَ وَلا قَوَدَ فِيهَا , فَكُلَّمَا قَلَّ بُرُوزُ الإِنْسَانِ إِلَيْهَا وَعُبُورُهُ عَلَيْهَا كَانَ أَوْفَرَ لِمُرُوءَتِهِ وَأَبْقَى لِنَظَافَتِهِ وَأَبْعَدَ لَهُ مِنْ آذَاهَا وَغَائِلَتِهَا . وَأَسْلَمَ لَهُ مِنْ دَائِهَا وَعَادِيَتِهَا " .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَّرِحٌ أَبُو الْمُهَلَّبِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَغْبَطُ أَوْلِيَائِي عِنْدِي مَنْزِلَةً رَجُلٌ مُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ ذُو حَظٍّ مِنْ صَلاةٍ وَكَانَ غَامِضًا فَعُجِّلَتْ لَهُ مَنِيَّتُهُ وَقَلَّ تُرَاثُهُ وَقَلَّتْ بَوَاكِيهِ " . قَدْ غَبَطَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ غُمُوضِ الشَّخْصِ وَخُمُولِ الذِّكْرِ فِي النَّاسِ , وَاشْتَرَطَ لَهُ الرِّضَا بِقِلَّةِ الْمَالِ لأَنَّ الْقَنَاعَةَ تَقْطَعُهُ عَنِ النَّاسِ , وَاشْتَرَطَ لَهُ أَيْضًا خِفَّةَ الْعِيَالِ لِئَلا يَشْغَلُهُ الْكَسْبُ لَهُمْ , ثُمَّ تَعْجِيلُ الْوَفَاةِ لِئَلا يَطُولُ مَقَامُهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ , وَهَذِهِ الأَسْبَابُ كُلُّهَا تُشِيرُ إِلَى الْعُزْلَةِ وَتُبَيِّنُ عَنْ فَضِيلَتِهَا .
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ سَالِمٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي سُوَيْدٍ , قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، يَقُولُ : زَعَمَتِ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ , أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ وَهُوَ مُحْتَضِنٌ أَحَدَ ابْنَيْ بِنْتِهِ وَهُوَ يَقُولُ : " وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتُبَخِّلُونَ , وَتُجَبِّنُونَ , وَتُجَهِّلُونَ , وَإِنَّكُمْ لَمِنْ رَيْحَانِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ " . يُرِيدُ أَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ الرَّجُلَ عَلَى الْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى الْجَهْلِ حُبًّا لَهُمْ وَشَفَقَةً عَلَيْهِمْ . أَنْشَدَنِي أَبُو عُمَرَ : أَنْشَدَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٌ : لَوْلا أُمَيْمَةُ لَمْ أَجْزَعْ مِنَ الْعَدَمِ وَلَمْ أُجِبْ فِي اللَّيَالِي حِنْدِسَ الظُّلُمِ وَزَادَنِي حَذَرًا لِلْمَوْتِ مَعْرِفَتِي ذُلَّ الْيَتِيمَةِ يَجْفُوهَا ذَوُو الرَّحِمِ تَهْوَى حَيَاتِي وَأَهْوَى مَوْتَهَا شَفَقًا وَالْمَوْتُ أَكْرَمُ نَزَّالٍ عَلَى الْحُرَمِ وَأَنْشَدَنِي ابْنُ الزِّيبَقِيِّ , قَالَ : أَنْشَدَنَا الْكُدَيْمِيُّ , قَالَ : أَنْشَدَنِي الأَصْمَعِيُّ لأَعْرَابِيٍّ : لَقَدْ زَادَ الْحَيَاةَ إِلَيَّ حُبًّا بَنَاتِي إِنَّهُنَّ مِنَ الضِّعَافِ مَخَافَةَ أَنْ يَذُقْنَ الْفَقْرَ بَعْدِي وَأَنْ يَشْرَبْنَ رَنْقًا بَعْدَ صَافِي وَأَنْ يَعْرَيْنَ إِنْ كُسِيَ الْجَوَارِي فَتَنْبُو الْعَيْنُ عَنْ كُرُمٍ عِجَافِ وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الأَدَبِ لأَعْرَابِيٍّ : وَإِنِّي لأَهْوَى وَهُوَ يَغْتَالُ مُدَّتِي مُرُورَ اللَّيَالِي كَيْ يَشِبَّ حَكِيمُ مَخَافَةَ أَنْ يَغْتَالَنِي الْمَوْتُ دُونَهُ فَيَغْشَى بُيُوتَ الْحَيِّ وَهُوَ يَتِيمُ .
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، قَالَ ابْنُ أَبِي الْجَحِيمِ : حَدَّثَنَا عِصْمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْكُوفِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْكِنْدِيُّ , قَالَ : " كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَكَانَتْ لَهُ تِجَارَةٌ وَكَانَ لَهُ عَقْلٌ فَأَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا فَتَرَكَ التِّجَارَةَ ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ , فَكَانَ يَسْمَعُ النَّاسَ يَقُولُونَ : مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ . قَالَ : وَاللَّهِ لأَذْهَبَنَّ إِلَى مَالِكٍ هَذَا الَّذِي شَغَفَ النَّاسَ بِهِ فَلأَنْظُرَنَّ مَا عَمَلُهُ , قَالَ : فَأَتَيْتُهُ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ وَحَوْلَهُ قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ فَجَلَسْتُ فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَفَرَّقُوا وَجَاءَهُ قَوْمٌ آخَرُونَ فَسَمِعُوا الْحَدِيثَ ، وَسَمِعُوا الزُّهْدَ ، وَالْكَلامَ ، فَلَمَّا تَفَرَّقُوا قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا ثُمَّ خَرَجَ وَتَبِعْتُهُ , فَقَالَ لِي : أَلَكَ حَاجَةٌ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ أَرَدْتُ أَنْ أَجِيءَ مَعَكَ إِلَى بَيْتِكَ . قَالَ : مُرَّ . فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَأَدْخَلَنِي إِلَى حُجْرَةٍ نَظِيفَةٍ وَظِلٍّ بَارِدٍ رَطْبٍ وَبَيْتٍ نَظِيفٍ وَفِيهِ بَدْرَى وَدَوْرَقٌ وَمِطْهَرَةٌ وَجُلَّةٌ فِيهَا كِسَرٌ . فَقُلْتُ : يَا مَالِكُ أَلَكَ امْرَأَةٌ ؟ قَالَ : أَعُوذُ بِاللَّهِ . قُلْتُ : يَا مَالِكُ أَلَكَ وَلَدٌ ؟ قَالَ : أَعُوذُ بِاللَّهِ . قُلْتُ : يَا مَالِكُ أَلَكَ تِجَارَةٌ ؟ قَالَ : أَعُوذُ بِاللَّهِ . قُلْتُ : يَا مَالِكُ أَعَلَيْكَ دَيْنٌ ؟ قَالَ : أَعُوذُ بِاللَّهِ . قُلْتُ : يَا مَالِكُ يَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّكَ أَزْهَدُ النَّاسِ وَأَنْتَ خَدِيمٌ نَاعِمٌ . قَالَ : فَشَهِقَ شَهْقَةً " . صَدَقَ الْقَائِلُ فِيمَا وَصَفَهُ مِنْ أَمْرِ مَالِكٍ إِلا مَا قَصَّرَ فِيهِ مِنَ التَّشْبِيهِ وَإِنِّي لَخَرِيمُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ النَّاعِمُ لِلُبْسِهِ الْجَدِيدَ فِي الشِّتَاءِ وَالْخَلِقَ فِي الصَّيْفِ ، وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ أَوْ نَحْوُهُ مِنَ التَّنَعُّمِ وَلَعَلَّهُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ عِيَالٌ يُؤَودُهُ وَمُؤْنَةٌ تَفْدَحُهُ وَتُثْقِلُهُ وَأُمُورٌ مِنْ أَسْبَابِ الْمَعِيشَةِ تَهُمُّهُ وَتُكَدِّرُهُ لَكِنَّ النَّاعِمَ حَقًّا مَالِكٌ وَمَا سَعِدَ بِهِ مِنْ خِفَّةِ الظَّهْرِ وَقِلَّةِ مَنْ يَشْغَلُهُ وَيَفْتِنُهُ مِنَ الْعِيَالِ وَالأَهْلِ ، هَذَا إِلَى مَا نَالَهُ مِنْ فَضْلِ الْعِلْمِ وَحَازَهُ مِنْ كَرَمِ النَّفْسِ . وَقَدْ قِيلَ : فِي كَثْرَةِ الْعِيَالِ فَضِيحَةُ الرِّجَالِ . وَيُقَالُ : مَا أَيْسَرَ ذُو عِيَالٍ وَإِنْ كَانَ بِحُسْنِ الْحَالِ ، وَقِيلَ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فِي قَبُولِ عَطَاءِ السُّلْطَانِ , فَقَالَ : صَاحِبُ الْعِيَالِ لا يُفْلِحُ . قَالَ : وَحُكِيَ لَنَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَا الْعَيْشُ إِلا الْقُفْلُ وَالْمِفْتَاحُ وَغُرْفَةٌ تَصْفِقُهَا الرِّيَاحُ لا صَخَبٌ فِيهَا وَلا صِيَاحُ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَيْسَ فِيهَا رَاحِلَةٌ " . الرَّاحِلَةُ الْبَعِيرُ الذَّلُولُ الَّذِي يُرَحَّلُ وَيُرْكَبُ فَاعِلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَقَوْلِهِمْ سِرٌّ كَاتِمٌ أَيْ مَكْتُومٌ , وَمَاءٌ دَافِقٌ بِمَعْنَى مَدْفُوقٍ , يُرِيدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِيَعْلَمَ أَنَّ غَيْرَ الْوَاحِدِ مِنَ الْمِائَةِ مِنَ النَّاسِ لا يَصْلُحُ أَنْ يُصْحَبَ كَمَا أَنَّ غَيْرَ الْوَاحِدِ مِنْ هَذِهِ الْمِائَةِ مِنَ الإِبِلِ لا يَصْلُحُ أَنْ يُرْكَبَ , يُشِيرُ بِهِ إِلَى الإِقْلالِ مِنْ صُحْبَةِ النَّاسِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُمْ .
أَخْبَرَنِي أَبُو عُمَرَ ، غُلامُ ثَعْلَبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا السَّيَّارِيُّ ، عَنِ النَّاشِيِّ , قَالَ : " الاسْتِكْثَارُ مِنَ الإِخْوَانِ وَسِيلَةُ الْهِجْرَانِ " . يُرِيدُ أَنَّهُمْ إِذَا كَثُرُوا كَثُرَتْ حُقُوقُهُمْ فَلَمْ يَسَعْهُمْ بِرُّكَ فَإِذَا تَأَخَّرَتْ عَنْهُمْ حُقُوقُهُمُ اسْتَبْطَئُوكَ فَهَجَرُوكَ وَعَادَوْكَ , وَمَا أَحْسَنَ مَا عَبَّرَ بِهِ ابْنُ الرُّومِيِّ عَنْ هَذَا , حَيْثُ يَقُولُ : عَدُوُّكَ مِنْ صَدِيقِكَ مُسْتَفَادُ فَلا تَسْتَكْثِرَنَّ مِنَ الصِّحَابِ فَإِنَّ الدَّاءَ أَوَّلَ مَا تَرَاهُ يَكُونُ مِنَ الطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابِ فَأَمَّا قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ : كَثْرَةُ أَصْدِقَاءِ الْمَرْءِ مِنْ سَخَافَةِ دِينِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ مَا لَمْ يُدَاهِنْهُمْ وَلَمْ يُحَابِّهِمْ لَمْ يَكْثُرُوا لأَنَّ الْكَثْرَةَ إِنَّمَا هِيَ فِي أَهْلِ الرِّيبَةِ وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صُلْبَ الدِّينِ لَمْ يَصْحَبْ إِلا الأَبْرَارَ الأَتْقِيَاءَ وَفِيهِمْ قِلَّةٌ أَنْشَدَنِي بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لِبَعْضِ الشُّعَرَاءِ : لِكُلِّ امْرِئٍ شَكْلٌ مِنَ النَّاسِ مِثْلُهُ فَأَكْثَرُهُمْ شَكْلا أَقَلُّهُمْ عَقْلا وَكُلُّ أُنَاسٍ آلِفُونَ لِشَكْلِهِم فَأَكْثَرُهُمْ عَقْلا أَقَلُّهُمْ شَكْلا .
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ , قَالَ : سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ بَشَّارٍ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْفَضْلِ , قَالَ : " اتَّفَقَ أَبِي وَابْنُ الْمُبَارَكِ عَلَى بَابِ بَنِي شَيْبَةَ , فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : يَا أَبَا عَلِيٍّ ادْخُلْ بِنَا الْمَسْجِدَ حَتَّى نَتَذَاكَرَ , فَقَالَ الْفَضْلُ لابْنِ الْمُبَارَكِ : إِذَا دَخَلْنَا الْمَسْجِدَ أَلَيْسَ تُرِيدُ أَنْ تُحَدِّثَنِي بِغَرِيبِ مَا عِنْدَكَ وَأُحَدِّثُكَ بِغَرِيبِ مَا عِنْدِي مِنَ الْعِلْمِ ؟ فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : بَلَى , فَانْصَرَفَا وَلَمْ يَدْخُلا الْمَسْجِدَ " . وَإِنَّمَا كَرِهَ مِنْ هَذَا التَّصَنُّعِ وَخَافَ الرِّيَاءَ . وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ الْفُضَيْلِ : لأَنْ يَلْقَى الْقَارِئُ الشَّيْطَانَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَرَى قَارِئًا مِثْلَهُ .
أَخْبَرَنِي أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَالِحٍ الْقُرَشِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَوْصَى رَجُلا , فَقَالَ : " لا تَتَكَلَّمُ بِمَا لا يَعْنِيكَ فَإِنَّ ذَلِكَ فَضْلٌ فَلَسْتُ آمَنُ عَلَيْكَ الْحَذَرَ ، وَدَعِ الْكَلامَ فِي كَثِيرٍ مِمَّا يَعْنِيكَ حَتَّى تَجِدَ لَهُ مَوْضِعًا , فَرُبَّ مُتَكَلِّمٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ قَدْ عَنَتَ , وَلا تُمَارِ حَلِيمًا وَلا سَفِيهًا فَإِنَّ الْحَلِيمَ يَقْلِيكَ وَالسَّفِيهَ يُؤْذِيكَ , وَاذْكُرْ أَخَاكَ إِذَا تَوَارَى عَنْكَ بِمَا تُحِبُّ أَنْ يَذْكُرَكَ بِهِ إِذَا تَوَارَيْتَ عَنْهُ وَدَعْهُ مِمَّا تُحِبُّ أَنْ يَدَعَكَ مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَدْلُ ، وَاعْمَلْ عَمَلَ امْرِئٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَجْزِيُّ بِالإِحْسَانِ مَأْخُوذٌ بِالإِجْرَامِ " .
أَخْبَرَنَا أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ الْحَارِثِ الدَّهَّانُ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ الْمَدَائِنِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الصَّامِتِ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ , قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ , فَقَالَ : إِنِّي رَسُولُ إِخْوَانِكَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ إِلَيْكَ فَإِنَّهُمْ يُقْرِءُونَكَ السَّلامَ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ أَمْرِ ، هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ : عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ وَمَا قَوْلُكَ فِيهِمَا ؟ فَقَالَ : هَلْ غَيْرُ ؟ قَالَ : لا . قَالَ : جَهِّزُوا الرَّجُلَ . فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ جِهَازِهِ , قَالَ : " اقْرَأْ عَلَيْهِمُ السَّلامَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ قَوْلِي فِيهِمْ : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ سورة البقرة آية 134 " .

Statistiques du graphe

Sortant3
Entrant100
Total103

Traductions

🇸🇦 Arabic
العزلة للخطابي