Déclarations
4 sortant=matn (texte du hadith)→أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيلَ الفارسي في كتابه ، قَالَ : مُحَمَّد بن مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّد أَبُو حامد الغزالي حجة الإسلام والمسلمين ، إمام أئمة الدين ، من لم تر العيون مثله لسانًا وبيانًا ، ونطقا ، وخاطرا ، وذكاءً ، وطبعا شذا طرفًا في صباه بطوس من الفقه على الإمام أحمد الراذكاني ، ثم قدم نيسابور مختلفا إلى درس إمام الحرمين في طائفة من الشبان من طوس ، وجد واجتهد حتى تخرج عن مدة قريبة ، وبز الأقران ، وجمل القرآن ، وصار أنظر أهل زمانه ، وواحد أقرانه في أيام إمام الحرمين ، وكان الطلبة يستفيدون منه ، ويدرس لهم ، ويرشدهم ، ويجتهد في نفسه ، وبلغ الأمر به إلى أن أخذ في التصنيف ، وكان الإمام مع علو درجته ، وسمو عبارته ، وسرعة جريه في النطق ، والكلام ، لا يصغي نظره إلى الغزالي سترا لإنَافته عليه في سرعة العبارة ، وقوة الطبع ، ولا يطيب له تصديه للتصانيف ، وإن كان متخرجا به منتسبا إليه ، كما لا يخفى من طبع البشر ، ولكنه يظهر التبجح به ، والاعتداد بمكانه ظاهرا خلاف ما يضمره . ثم بقي كذلك إلى انقضاء أيام الإمام فخرج من نيسابور ، وصار إلى المعسكر ، واحتل من مجلس نظام الملك محل القبول ، وأقبل عليه الصاحب لعلو درجته ، وظهور اسمه ، وحسن منَاظرته ، وجري عبارته ، وكانت تلك الحضرة محط رحال العلماء ، ومقصد الأئمة والفصحاء ، فوقعت للغزالي اتفاقات حسنة من الاحتكاك بالأئمة ، وملاقاة الخصوم اللد ، ومنَاظرة الفحول ، ومنَاقرة الكبار ، وظهر اسمه في الآفاق ، وارتفق بذلك أكمل الارتفاق ، حتى أدت الحال به إلى أن رسم للمصير إلى بغداد ، للقيام بتدريس المدرسة الميمونة النظامية بها ، فصار إليها ، وأعجب الكل بتدريسه ومنَاظرته ، وما لقي مثل نفسه ، وصار بعد إمامة خراسان إمام العراق ، ثم نظر في علم الأصول ، وكان قد أحكمها ، فصنف فيه تصانيف ، وجدد المذهب في الفقه ، فصنف فيه تصانيف ، وسبك الخلاف ، فحرر فيه أيضا تصانيف ، وعلت حشمته ودرجته في بغداد ، حتى كان تغلب حشمته الأكابر ، والأمراء ، ودار الخلافة ، فانقلب الأمر من وجه آخر ، وظهر عليه بعد مطالعة للعلوم الدقيقة ، وممارسة الكتب المصنفة فيها ، وسلك طريق التزهد ، والتأله ، وترك الحشمة ، وطرح ما نَال من الدرجة ، والاشتغال بأسباب التقوى ، وزاد الآخرة ، فخرج عما كان فيه ، وقصد بيت اللَّه تعالى ، وحج ، ثم دخل الشام ، وأقام في تلك الديار قريبا من عشرة سنين ، يطوف ويزور المشاهد المعظمة . وأخذ في التصانيف المشهورة ، التي لم يسبق إليها ، مثل : إحياء علوم الدين ، والكتب المختصرة منها ، مثل : الأربعين ، وغيرها من الرسائل التي من تأملها علم محل الرجل من فنون العلم ، وأخذ في مجاهدة النفس ، وتغيير الأخلاق ، وتحسين الشمائل ، وتهذيب المعاش ، فانقلب شيطان الرعونة ، وطلب الرياسة والجاه ، والتخلق بالأخلاق الذميمة إلى سكون النفس ، وكرم الأخلاق ، والفراغ عن الرسوم والتزيينَات ، والتزيي بزي الصالحين وقصر الأمل ، ووقف الأوقات على هداية الخلق ودعائهم ، إلى ما يعنيهم من أمر الآخرة ، وتبغيض الدنيا والاشتغال بها على السالكين ، والاستعداد للرحيل إلى الدار الْبَاقِية ، والانقياد لكل من يتوسم فيه أو يشم منه رائحة المعرفة ، والتيقظ لشيء من أنوار المشاهدة حتى مرن على ذلك وألان ، ثم عاد إلى وطنه لازما بيته مشتغلا بالتفكر ، ملازما للوقت مقصودا نفيسًا ، وذخرا للقلوب ، ولكل من يقصده ويدخل عليه ، إلى أن أتى على ذلك مدة ، وظهرت التصانيف ، وفشت الكتب ، ولم تبد في أيامه منَاقضة لما كان فيه ، ولا اعتراض لأحد على ما أثره . حتى انتهت نوبة الوزارة إلى الأجل : فخر الملك جمال الشهداء ، تغمده اللَّه برحمته ، وتزينت خراسان بحشمته ودولته ، وقد سمع وتحقق بمكان الغزالي ودرجته ، وكمال فضله وحالته ، وصفاء عقيدته ، ونقاء سيرته ، فتبرك به ، وحضره وسمع كلامه ، فاستدعى منه أن لا يبقي أنفاسه وفوائده عقيمة لا استفادة منها ، ولا اقتباس من أنوارها ، وألح عليه كل الإلحاح ، وتشدد في الاقتراح ، إلى أن أجاب إلى الخروج ، وحمل إلى نيسابور ، وكان الليث غائبا عن عرينه ، والأمر خافيا في مستور قضاء اللَّه ومكنونه ، فأشير عليه بالتدريس في المدرسة الميمونة النظامية عَمرها اللَّه فلم يجد بدا من الإذعان للولاة ، ونوى بإظهار ما اشتغل به هداية الشذاة ، وإفادة القاصدين دون الرجوع إلى ما انخلع عنه ، وتحرر عن رقه من طلب الجاه ، ومماراة الأقران ، ومكابرة المعاندين ، وكم قرع عصاه بالخلاف والوقوع فيه ، والطعن فيما يذره ويأتيه ، والسعاية به والتشنيع عليه ، فما تأثر به ، ولا اشتغل بجواب الطاعنين ، ولا أظهر استيحاشا بغميزة المخلطين . ولقد زرته مرارا ، وما كنت أحدس في نفسي مع ما عهدته في سالف الزمان عليه من الزعارة وإيحاش النَّاس ، والنظر إليهم بعين الازدراء ، والاستخفاف بهم كبرا وخيلاء ، واعتزازا بما رزق من البسطة في النطق ، والخاطر ، والعبارة ، وطلب الجاه والعلو في المنزلة : أنه صار على الضد ، وتصفى عن تلك الكدورات ، وكنت أظن أنه متلفع بجلباب التكلف ، متنمس بما صار إليه ، فتحققت بعد السبر والتنقير أن الأمر على خلاف المظنون ، وأن الرجل أفاق بعد الجنون . وحكى لنا في ليال : كيفية أحواله من ابتداء ما ظهر له سلوك طريق التأله ، وغلبت الحال عليه بعد تبحره في العلوم ، واستطالته على الكلام بكلامه ، والاستعداد الذي خصه اللَّه به في تحصيل أنواع العلوم ، وتمكنه من البحث والنظر ، حتى تبرم من الاشتغال بالعلوم العربية ، عن المعاملة ، وتفكر في العاقبة ، وما يجري وينفع في الآخرة ، فابتدأ بصحبة الفارمذي ، وأخذ منه استفتاح الطريقة ، وامتثل ما كان يشير به عليه من القيام بوظائف العبادات ، والإمعان في النوافل واستدامة الأذكار ، والجد والاجتهاد ، طلبا للنجاة ، إلى أن جاز تلك العقبات ، وتكلف تلك المشاق ، وما تحصل على ما كان يطلبه من مقصوده . ثم حكى أنه راجع العلوم ، وخاض في الفنون ، وعاود الجد والاجتهاد في كتب العلوم الدقيقة ، والتقي بأربابها ، حتى انفتح له أَبوابها ، وبقي مدة في الوقائع ، وتكافي الأدلة ، وأطراف المسائل ، ثم حكى أنه فتح عليه باب من الخوف بحيث شغله عن كل شيء ، وحمله على الإعراض عما سواه حتى سهل ذلك ، وهكذا هكذا إلى أن ارتاض كل الرياضة ، وظهرت له الحقائق ، وصار ما كُنَّا نظن به نَاموسا وتخلقا ، طبعا وتحققا . وأن ذلك أثر السعادة المقدرة له من اللَّه تعالى ، ثم سألنَاه عن كيفية رغبته في الخروج من بيته ، والرجوع إلى ما دعي إليه من أمر نيسابور ؟ فقال معتذرا عنه : ما كنت أجوز في ديني أن أقف عن الدعوة ، ومنفعة الطالبين بالإفادة ، وقد حق على أن أَبُوح بالحق ، وأنطق به ، وأدعو إليه ، وكان صادقا في ذلك ، ثم ترك ذلك قبل أن يترك ، وعاد إلى بيته ، واتخذ في جواره مدرسة لطلبة العلم ، وخانقاه للصوفية ، وكان قد وزع أوقاته على وظائف الحاضرين ، من ختم القرآن ، ومجالسة أهل القلوب ، والقعود للتدريس ، بحيث لا تخلو لحظة من لحظاته ، ولحظات من معه عن فائدة . إلى أن أصابه عين الزمان ، وضن الأنَام به على أهل عصره ، فنقله اللَّه إلى كريم جواره ، بعد مقاساة أنواع من القصد ، والمنَاوأة من الخصوم ، والسعي به إلى الملوك ، وكفاية اللَّه تعالى وحفظه ، وصيانته عن أن تنهشه أيدي النكبات ، أو ينهتك ستر دينه بشيء من الزلات . وكانت خاتمة أمره : إقباله على حديث المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ومجالسة أهله ومطالعة الصحيحين : البخاري ، ومسلم ، الذين هما حجة الإسلام ، ولو عاش لسبق الكل في ذلك الفن بيسير من الأيام ، يستفرغه في تحصيله ، ولا شك أنه سمع الأحاديث في الأيام الماضية ، واشتغل في آخر عمره بسماعها ، ولم تتفق له الرواية ، ولا ضرر فيما خلفه من الكتب المصنفة في الأصول والفروع ، وسائر الأنواع ، يخلد ذكره ، ويقرر عند المطالعين المنصفين المستفيدين منها ، أنه لم يخلف مثله بعده . ومضى إلى رحمة اللَّه تعالى يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الآخرة سنة خمس وخمس مائة ، ودفن بظاهر قصبة طابران ، واللَّه تعالى بخصه بأنواع الكرامة في آخرته ، كما يخصه بفنون العلم في دنياه بمنه ، ولم يعقب إلا البَنَات ، وكان له من الأسباب إرثا وكسبا ، ما يقوم بكفايته ونفقة أهله وأولاده ، فما كان يباسط أحدا في الأمور الدنيوية ، وقد عرضت عليه أموال فما قبلها ، وأعرض عنها ، واكتفي بالقدر الذي يصون به دينه ، ولا يحتاج معه إلى التعرض لسؤال ومنَال من غيره . .BS4801635
Statistiques du graphe
Sortant4
Entrant0
Total4
Traductions
🇸🇦 Arabic
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيلَ الفارسي في كتابه ، قَالَ : مُحَمَّد بن مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّد أَبُو حامد الغزالي حجة الإسلام والمسلمين ، إمام أئمة الدين ، من لم تر العيون مثله لسانًا وبيانًا ، ونطقا ، وخاطرا ، وذكاءً ، وطبعا شذا طرفًا في صباه بطوس من الفقه على الإمام أحمد الراذكاني ، ثم قدم نيسابور مختلفا إلى درس إمام الحرمين في طائفة من الشبان من طوس ، وجد واجتهد حتى تخرج عن مدة قريبة ، وبز الأقران ، وجمل القرآن ، وصار أنظر أهل زمانه ، وواحد أقرانه في أيام إمام الحرمين ، وكان الطلبة يستفيدون منه ، ويدرس لهم ، ويرشدهم ، ويجتهد في نفسه ، وبلغ الأمر به إلى أن أخذ في التصنيف ، وكان الإمام مع علو درجته ، وسمو عبارته ، وسرعة جريه في النطق ، والكلام ، لا يصغي نظره إلى الغزالي سترا لإنَافته عليه في سرعة العبارة ، وقوة الطبع ، ولا يطيب له تصديه للتصانيف ، وإن كان متخرجا به منتسبا إليه ، كما لا يخفى من طبع البشر ، ولكنه يظهر التبجح به ، والاعتداد بمكانه ظاهرا خلاف ما يضمره . ثم بقي كذلك إلى انقضاء أيام الإمام فخرج من نيسابور ، وصار إلى المعسكر ، واحتل من مجلس نظام الملك محل القبول ، وأقبل عليه الصاحب لعلو درجته ، وظهور اسمه ، وحسن منَاظرته ، وجري عبارته ، وكانت تلك الحضرة محط رحال العلماء ، ومقصد الأئمة والفصحاء ، فوقعت للغزالي اتفاقات حسنة من الاحتكاك بالأئمة ، وملاقاة الخصوم اللد ، ومنَاظرة الفحول ، ومنَاقرة الكبار ، وظهر اسمه في الآفاق ، وارتفق بذلك أكمل الارتفاق ، حتى أدت الحال به إلى أن رسم للمصير إلى بغداد ، للقيام بتدريس المدرسة الميمونة النظامية بها ، فصار إليها ، وأعجب الكل بتدريسه ومنَاظرته ، وما لقي مثل نفسه ، وصار بعد إمامة خراسان إمام العراق ، ثم نظر في علم الأصول ، وكان قد أحكمها ، فصنف فيه تصانيف ، وجدد المذهب في الفقه ، فصنف فيه تصانيف ، وسبك الخلاف ، فحرر فيه أيضا تصانيف ، وعلت حشمته ودرجته في بغداد ، حتى كان تغلب حشمته الأكابر ، والأمراء ، ودار الخلافة ، فانقلب الأمر من وجه آخر ، وظهر عليه بعد مطالعة للعلوم الدقيقة ، وممارسة الكتب المصنفة فيها ، وسلك طريق التزهد ، والتأله ، وترك الحشمة ، وطرح ما نَال من الدرجة ، والاشتغال بأسباب التقوى ، وزاد الآخرة ، فخرج عما كان فيه ، وقصد بيت اللَّه تعالى ، وحج ، ثم دخل الشام ، وأقام في تلك الديار قريبا من عشرة سنين ، يطوف ويزور المشاهد المعظمة . وأخذ في التصانيف المشهورة ، التي لم يسبق إليها ، مثل : إحياء علوم الدين ، والكتب المختصرة منها ، مثل : الأربعين ، وغيرها من الرسائل التي من تأملها علم محل الرجل من فنون العلم ، وأخذ في مجاهدة النفس ، وتغيير الأخلاق ، وتحسين الشمائل ، وتهذيب المعاش ، فانقلب شيطان الرعونة ، وطلب الرياسة والجاه ، والتخلق بالأخلاق الذميمة إلى سكون النفس ، وكرم الأخلاق ، والفراغ عن الرسوم والتزيينَات ، والتزيي بزي الصالحين وقصر الأمل ، ووقف الأوقات على هداية الخلق ودعائهم ، إلى ما يعنيهم من أمر الآخرة ، وتبغيض الدنيا والاشتغال بها على السالكين ، والاستعداد للرحيل إلى الدار الْبَاقِية ، والانقياد لكل من يتوسم فيه أو يشم منه رائحة المعرفة ، والتيقظ لشيء من أنوار المشاهدة حتى مرن على ذلك وألان ، ثم عاد إلى وطنه لازما بيته مشتغلا بالتفكر ، ملازما للوقت مقصودا نفيسًا ، وذخرا للقلوب ، ولكل من يقصده ويدخل عليه ، إلى أن أتى على ذلك مدة ، وظهرت التصانيف ، وفشت الكتب ، ولم تبد في أيامه منَاقضة لما كان فيه ، ولا اعتراض لأحد على ما أثره . حتى انتهت نوبة الوزارة إلى الأجل : فخر الملك جمال الشهداء ، تغمده اللَّه برحمته ، وتزينت خراسان بحشمته ودولته ، وقد سمع وتحقق بمكان الغزالي ودرجته ، وكمال فضله وحالته ، وصفاء عقيدته ، ونقاء سيرته ، فتبرك به ، وحضره وسمع كلامه ، فاستدعى منه أن لا يبقي أنفاسه وفوائده عقيمة لا استفادة منها ، ولا اقتباس من أنوارها ، وألح عليه كل الإلحاح ، وتشدد في الاقتراح ، إلى أن أجاب إلى الخروج ، وحمل إلى نيسابور ، وكان الليث غائبا عن عرينه ، والأمر خافيا في مستور قضاء اللَّه ومكنونه ، فأشير عليه بالتدريس في المدرسة الميمونة النظامية عَمرها اللَّه فلم يجد بدا من الإذعان للولاة ، ونوى بإظهار ما اشتغل به هداية الشذاة ، وإفادة القاصدين دون الرجوع إلى ما انخلع عنه ، وتحرر عن رقه من طلب الجاه ، ومماراة الأقران ، ومكابرة المعاندين ، وكم قرع عصاه بالخلاف والوقوع فيه ، والطعن فيما يذره ويأتيه ، والسعاية به والتشنيع عليه ، فما تأثر به ، ولا اشتغل بجواب الطاعنين ، ولا أظهر استيحاشا بغميزة المخلطين . ولقد زرته مرارا ، وما كنت أحدس في نفسي مع ما عهدته في سالف الزمان عليه من الزعارة وإيحاش النَّاس ، والنظر إليهم بعين الازدراء ، والاستخفاف بهم كبرا وخيلاء ، واعتزازا بما رزق من البسطة في النطق ، والخاطر ، والعبارة ، وطلب الجاه والعلو في المنزلة : أنه صار على الضد ، وتصفى عن تلك الكدورات ، وكنت أظن أنه متلفع بجلباب التكلف ، متنمس بما صار إليه ، فتحققت بعد السبر والتنقير أن الأمر على خلاف المظنون ، وأن الرجل أفاق بعد الجنون . وحكى لنا في ليال : كيفية أحواله من ابتداء ما ظهر له سلوك طريق التأله ، وغلبت الحال عليه بعد تبحره في العلوم ، واستطالته على الكلام بكلامه ، والاستعداد الذي خصه اللَّه به في تحصيل أنواع العلوم ، وتمكنه من البحث والنظر ، حتى تبرم من الاشتغال بالعلوم العربية ، عن المعاملة ، وتفكر في العاقبة ، وما يجري وينفع في الآخرة ، فابتدأ بصحبة الفارمذي ، وأخذ منه استفتاح الطريقة ، وامتثل ما كان يشير به عليه من القيام بوظائف العبادات ، والإمعان في النوافل واستدامة الأذكار ، والجد والاجتهاد ، طلبا للنجاة ، إلى أن جاز تلك العقبات ، وتكلف تلك المشاق ، وما تحصل على ما كان يطلبه من مقصوده . ثم حكى أنه راجع العلوم ، وخاض في الفنون ، وعاود الجد والاجتهاد في كتب العلوم الدقيقة ، والتقي بأربابها ، حتى انفتح له أَبوابها ، وبقي مدة في الوقائع ، وتكافي الأدلة ، وأطراف المسائل ، ثم حكى أنه فتح عليه باب من الخوف بحيث شغله عن كل شيء ، وحمله على الإعراض عما سواه حتى سهل ذلك ، وهكذا هكذا إلى أن ارتاض كل الرياضة ، وظهرت له الحقائق ، وصار ما كُنَّا نظن به نَاموسا وتخلقا ، طبعا وتحققا . وأن ذلك أثر السعادة المقدرة له من اللَّه تعالى ، ثم سألنَاه عن كيفية رغبته في الخروج من بيته ، والرجوع إلى ما دعي إليه من أمر نيسابور ؟ فقال معتذرا عنه : ما كنت أجوز في ديني أن أقف عن الدعوة ، ومنفعة الطالبين بالإفادة ، وقد حق على أن أَبُوح بالحق ، وأنطق به ، وأدعو إليه ، وكان صادقا في ذلك ، ثم ترك ذلك قبل أن يترك ، وعاد إلى بيته ، واتخذ في جواره مدرسة لطلبة العلم ، وخانقاه للصوفية ، وكان قد وزع أوقاته على وظائف الحاضرين ، من ختم القرآن ، ومجالسة أهل القلوب ، والقعود للتدريس ، بحيث لا تخلو لحظة من لحظاته ، ولحظات من معه عن فائدة . إلى أن أصابه عين الزمان ، وضن الأنَام به على أهل عصره ، فنقله اللَّه إلى كريم جواره ، بعد مقاساة أنواع من القصد ، والمنَاوأة من الخصوم ، والسعي به إلى الملوك ، وكفاية اللَّه تعالى وحفظه ، وصيانته عن أن تنهشه أيدي النكبات ، أو ينهتك ستر دينه بشيء من الزلات . وكانت خاتمة أمره : إقباله على حديث المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ومجالسة أهله ومطالعة الصحيحين : البخاري ، ومسلم ، الذين هما حجة الإسلام ، ولو عاش لسبق الكل في ذلك الفن بيسير من الأيام ، يستفرغه في تحصيله ، ولا شك أنه سمع الأحاديث في الأيام الماضية ، واشتغل في آخر عمره بسماعها ، ولم تتفق له الرواية ، ولا ضرر فيما خلفه من الكتب المصنفة في الأصول والفروع ، وسائر الأنواع ، يخلد ذكره ، ويقرر عند المطالعين المنصفين المستفيدين منها ، أنه لم يخلف مثله بعده . ومضى إلى رحمة اللَّه تعالى يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الآخرة سنة خمس وخمس مائة ، ودفن بظاهر قصبة طابران ، واللَّه تعالى بخصه بأنواع الكرامة في آخرته ، كما يخصه بفنون العلم في دنياه بمنه ، ولم يعقب إلا البَنَات ، وكان له من الأسباب إرثا وكسبا ، ما يقوم بكفايته ونفقة أهله وأولاده ، فما كان يباسط أحدا في الأمور الدنيوية ، وقد عرضت عليه أموال فما قبلها ، وأعرض عنها ، واكتفي بالقدر الذي يصون به دينه ، ولا يحتاج معه إلى التعرض لسؤال ومنَال من غيره . .