Entités

سمعت الشيخ الفقيه الإمام أبا القاسم سعد بن عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ بن أَبِي هريرة الإسفراييني الصوفي الشافعي بِدِمَشْقَ ، قَالَ : سمعت الشيخ الإمام الأوحد ، زين القراء جمال الحرم ، أبا الفتح عامر بن نحام بن عامر العربي الساوي بمكة حرسها اللَّه ، يقول : دخلت المسجد الحرام يوم الأحد فيما بين الظهر والعصر الرابع عشر من شوال سنة خمس وأربعين وخمس مائة ، وكان بي نوع تكسر ، ودوران رأس ، بحيث أني لا أقدر أن أقف أو أجلس لشدة ما بي ، وكنت أطلب موضعا أستريح فيه ساعة على جنبي ، فرأيت باب بيت الجماعة للرباط الرامشتي عند باب العزورة ، مفتوحا فقصدته ، ودخلت فيه ، ووقعت على جنبي الأيمن بحذاء الكعبة المشرفة ، مفترشا يدي تحت خدي لكيلا يأخذني النوم ، فتنتقض طهارتي ، فإذا برجل من أهل البدعة ، معروف بها ، جاء ونشر مصلاه ، على باب ذلك البيت ، وأخرج لويحا من جيبه ، أظنه كان من الحجر ، وعليه كتابة فقبله ووضعه بين يديه ، وصلى صلاة طويلة ، مرسلا يديه فيها على عادتهم ، وكان يسجد على ذلك اللويح في كل مرة ، فإذا فرغ من صلاته سجد عليه ، وأطال فيه ، وكان يمعك خده من الجانبين عليه ، ويتضرع في الدعاء ، ثم رفع رأسه وقبله ، ووضعه على عينيه ، ثم قبله ثانيا ، وأدخله في جيبه كما كان . قال : فلما رأيت ذلك كرهته واستوحشت منه ذلك ، وقلت في نفسي : ليت كان رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيا فيما بيننَا ليخبرهم بسوء صنيعهم ، وما هم عليه من البدعة ، ومع هذا التفكر كنت أطرد النوم عن نفسي كي لا يأخذني ، فتفسد طهارتي ، فبينَا أنَا كذلك إذ طرأ علي النعاس ، وغلبَنِي ، فكأني بين اليقظة والمنَام ، فرأيت عرصة واسعة فيها نَاس كثيرون واقفين ، وفي يد كل واحد منهم كتاب مجلد ، قد تحلقوا كلهم على شخص ، فسألت النَّاس عن حالهم ، وعمن في الحلقة ؟ فقَالُوا : هو رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهؤلاء أصحاب المذاهب ، يريدون أن يقرؤا مذاهبهم ، واعتقادهم ، من كتبهم على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ويصححوه عليه ، قَالَ : فبينَا أنَا كذلك أنظر إلى القوم ، إِذَا جاء واحد من أهل الحلقة ، وبيده كتاب ، قيل إن هذا الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فدخل في وسط الحلقة ، وسلم على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فرأيت رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جماله وكماله متلبسا بالثياب البيض ، المغسولة النظيفة من العمامة والقميص ، وسائر الثياب على زي أهل التصوف ، فرد عليه الجواب ، ورحب به ، وقعد الشافعي بين يديه ، وقرأ من الكتاب ، مذهبه واعتقاده عليه ، وبعد ذلك جاء شخص آخر ، قيل : هو أَبُو حنيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وبيده كتاب ، فسلم وقعد بجنب الشافعي ، وقرأ من الكتاب مذهبه واعتقاده ، ثم أتى بعده كل صاحب مذهب إلى أن لم يبق إلا القليل ، وكل من يقرأ يقعد بجنب الآخر ، فلما فرغوا إِذَا واحد من المبتدعة الملقبة بالرافضة ، قد جاء وفي يده كراريس غير مجلدة فيها : ذكر عقائدهم الباطلة ، وهم أن يدخل الحلقة ، ويقرأها على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فخرج واحد ممن كان مع رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليه وزجره ، وأخذ الكراريس من يده ، ورماها إلى خارج الحلقة وطرده وأهانه ، فلما رأيت أن القوم قد فرغوا ، وما بقي أحد يقرأ عليه شيئًا تقدمت قليلا ، وكان في يدي كتاب مجلد ، فنَاديت ، وقلت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هذا الكتاب معتقدي ، ومعتقد أهل السنة ، لو أذنت لي حتى أقرأه عليك . فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وما ذاك ؟ " . قلت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هو : قواعد العقائد الذي صنفه الغزالي ، فأذن لي في القراءة ، فقعدت وابتدأت : بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، كتاب قواعد العقائد ، وفيه أربعة فصول : الفصل الأول : في ترجمة عقيدة أهل السنة في كلمتي الشهادة التي هي أحد مباني الإسلام ، فنقول وبِاللَّهِ التوفيق : الحمد لِلَّه المبدئ المعيد ، الفعال لما يريد ، ذي العرش المجيد ، والبطش الشديد ، الهادي صفوة العبيد ، إلى المنهج الرشيد ، والمسلك السديد ، المنعم عليهم بعد شهادة التوحيد بحراسة عقائدهم عن ظلمات التشكيك ، والترديد ، السابق بهم إلى إتباع رسوله المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واقتفاء صحبه الأكرمين بالتأييد والتسديد ، المتجلي لهم في ذاته وأفعاله بمحاسن أوصافه التي لا يدركها إلا من ألقي السمع وهو شهيد ، المعرف إياهم في ذاته أنه واحد لا شريك له ، فرد لا مثل له ، صمد لا ضد له ، وأنه قديم لا أول له ، أزلي لا بداية له ، مستمر الوجود لا آخر له ، أبدي لا نهاية له ، قيوم لا انقطاع له ، دائم لا انصرام له ، لم يزل ولا يزال موصوفا بنعوت الجلال ، لا يقضي عليه بالانقضاء ، تصرم الآباد وانقراض الآجال ، بل هو الأول ، والآخر ، والباطن ، والظاهر . وأنه ليس بجسم مصور ، ولا جوهر محدود مقدر ، وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ، ولا في قبول الانقسام ، وأنه ليس بجوهر ، ولا تحله الجواهر ، ولا بعرض ، ولا تحله الأعراض ، بل لا يماثل موجودا ، ولا يماثله موجود ، وليس كمثله شيء ولا هو مثل شيء ، وأنه لا يحده المقدار ، ولا تحويه الأقطار ، ولا تحيط به الجهات ، ولا تكتنفه الأرضون والسموات . وأنه استوى على العرش على الوجه الذي قاله ، وبالمعني الذي أراده استواءً منزها عن المماسة والاستقرار ، والتمكن ، والحلول ، والانتقال ، لا يحمله العرش ، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ، ومقهورون في قبضته ، وهو فوق العرش ، وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى ، فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء ، بل هو رفيع الدرجات عن العرش ، كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى ، وهو مع ذلك قريب من كل موجود ، وهو أقرب إلى العبيد ، من حبل الوريد ، وهو على كل شيء شهيد ، إِذ لا يماثل قربه قرب الأجسام ، كما لا تماثل ذاته الأجسام ، وأنه لا يحل في شيء ، ولا يحل فيه شيء ، تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحده زمان . كان قبل أن خلق الزمان والمكان ، وهو الآن على ما عليه كان ، وأنه بائن من خلقه بصفاته ، وليس في ذاته سواه ، ولا في سواه ذاته ، وأنه مقدس عن التغير والانتقال ، لا تحله الحوادث ، ولا تعتريه العوارض ، بل لا يزال في نعوت جلاله منزها عن الزوال ، وفي صفات كماله مستغنيا عن زيادة الاستكمال ، وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول ، مرئي الذات بالأبصار ، نعمة منه ولطفا بالأبرار في دار القرار ، وإتماما للنعيم بالنظر إلى وجه الكريم . وأنه حي ، قادر ، جبار ، قاهر ، لا يعتريه قصور ، ولا عجز ، ولا تأخذه سنة ولا نوم ، ولا يعارضه فنَاء ، ولا موت ، وأنه ذو الملك والملكوت ، والعزة والجبروت ، له السلطان ، والقهر ، والخلق ، والأمر ، السموات مطويات بيمينه ، والخلائق مقهورون في قبضته ، وأنه المنفرد بالخلق والاختراع ، المتوحد الإيجاد والإبداع ، خلق الخلق وأعمالهم ، وقدر أرزاقهم وآجالهم ، لا يشذ عن قبضته مقدور ، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور ، ولا تحصى مقدوراته ، ولا تتنَاهى معلوماته . وأنه عالم بجميع المعلومات ، محيط علمه بما يجري في تخوم الأرضين ، إلى أعلى السموات ، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، بل يعلم دبيب النملة السوداء ، على الصخرة الصماء ، في الليلة الظلماء ، ويدرك حركة الذر في جو الهواء ، ويعلم السر وأخفى ، ويطلع على هواجس الضمائر ، وحركات الخواطر ، وخفيات السرائر ، بعلم قديم أزلي ، لم يزل موصوفا في أزل الآزال ، لا بعلم مجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال . وأنه مريد الكائنَات ، مدبر الحادثات ، ولا يجري في الملك والملكوت قليل أو كثير ، صغير أو كبير ، خير أو شر ، نفع أو ضر ، إيمان أو كفر ، عرفان أو نكر ، فوز أو خسر ، زيادة أو نقصان ، طاعة أو عصيان ، كفر أو إيمان ، إلا بقضائه وقدره ، وحكمه ومشيئته ، فما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، لا يخرج عن مشيئته لفتة نَاظر ، ولا فلتة خاطر ، بل هو المبدئ المعيد ، الفعال لما يريد ، لا راد لحكمه ، ولا معقب لقضائه ، ولا مهرب لعبد عن معصيته ، إلا بتوفيقه ورحمته ، ولا قوة على طاعته إلا بمحبته وإرادته ، لو اجتمع الإنس والجن ، والملائكة والشياطين ، على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها ، دون إرادته ومشيئته عجزوا عنه ، وإن إرادته قائمة بذاته في جملة صفاته ، لم يزل كذلك موصوفا بها ، مريدا في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها ، فوجدت في أوقاتها ، كما أراده في أزله من غير تقدم وتأخر ، بل وقعت على وفق علمه وإرادته ، من غير تبدل وتغير ، دبر الأمور ، لا بترتيب أفكار ، وتربص زمان ، فلذلك لم يشغله شان عن شان . وأنه تعالى سميع بصير ، يسمع ويرى لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفى ، ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دق ، لا يحجب سمعه بُعد ، ولا يدفع رؤيته ظلام ، يرى من غير حدقة وأجفان ، ويسمع من غير أصمخة وآذان ، كما يعلم بغير قلب ، ويبطش بغير جارحة ، ويخلق بغير آلة إذ تشبه صفاته صفات الخلق ، كما لا تشبه ذاته ذات الخلق . وأنه متكلم آمر نَاهٍ واعد متوعد بكلام أزلي قديم ، قائم بذاته لا يشبه كلام الخلق ، فليس بصوت يحدث من انسلال هواء ، واصطكاك أجرام ، ولا بحرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان ، وأن القرآن ، والتوراة ، والإنجيل ، والزبور ، كتبه المنزلة على رسله ، وأن القرآن مقروء بالألسنة ، مكتوب في المصاحف ، محفوظ في القلوب ، وأنه مع ذلك قديم قائم بذات اللَّه تعالى ، لا يقبل الانفصال ، والفراق بالانتقال ، إلى القلوب والأوراق ، وأن مُوسَى عليه السلام سمع كلام اللَّه بغير صوت ولا حرف ، كما يرى الأبرار ذات اللَّه تعالى من غير جوهر ، ولا عرض . وإذا كانت له هَذِهِ الصفات ، كان حيا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا متكلما ، بالحياة ، والعلم ، والقدرة ، والإدارة ، والسمع ، والبصر ، والكلام ، لا بمجرد الذات . وأنه لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله ، وفائض من عدله على أحسن الوجوه ، وأكملها ، وأتمها ، وأعدلها ، وأنه حكيم في أفعاله ، وعادل في أقضيته ، ولا يقاس عدله بعدل العباد ، إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره ، ولا يتصور الظلم من اللَّه تعالى ، فإنه لا يصادف لغيره ملكا ، حتى يكون تصرفه فيه ظلما ، فكل ما سواه من جن ، وإنس ، وشيطان ، وملك ، وسماء ، وأرض ، وحيوان ، ونبات ، وجوهر ، وعرض ، ومدرك ، ومحسوس ، حادث اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعا وإنشاءً ، بعد أن لم يكن شيئًا ، إذ كان في الأزل موجودا وحده ، ولم يكن معه غيره ، فأحدث الخلق بعدُ إظهارا لقدرته ، وتحقيقا لما سبق من إرادته ، وحق في الأزل من كلمته ، لا لافتقاره إليه وحاجته ، وأنه تعالى متفضل بالخلق ، والاختراع ، والتكليف ، لا عن وجوب ، ومتطول بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم ، فله الفضل ، والإحسان ، والنعمة ، والامتنَان . إذ كان قادرا على أن يصب على عبادة أنواع العذاب ، ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب ، ولو فعل ذلك لكان منه عدلا ، ولم يكن قبيحا ولا ظلما ، وأنه يثيب عباده على الطاعات ، بحكم الكرم والوعد ، لا بحكم الاستحقاق واللزوم ، إذ لا يجب عليه فعل ، ولا يتصور منه ظلم ، ولا يجب عليه حق ، وأن حقه في الطاعات وجب على الخلق بإيجابه على لسان أنبيائه ، لا بمجرد العقل ، ولكنه بعث الرسل وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة ، فبلغوا أمره ونهيه ، ووعده ووعيده ، فوجب على الخلق تصديقهم فيما جاءوا به . معني الكلمة الثانية : وهي شهادة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه تعالى بعث النبي الأمي القرشي مُحَمَّدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برسالته إلى كافة العرب والعجم ، والجن والإنس . قال : فلما بلغت إلى هذا ، رأيت البشاشة والتبسم في وجهه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إذ انتهيت إلى نعته وصفته ، فالتفت إليَّ وقال : " أين الغزالي ؟ " فإذا بالغزالي كأنه كان واقفا على الحلقة بين يديه ، فقال : ها أنَا ذا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وتقدم وسلم على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فرد عليه الجواب ونَاوله يده العزيزة ، والغزالي يقبل يده ، ويضع خديه عليه تبركا به ، وبيده العزيزة المباركة ، ثم قعد . قال : فما رأيت رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر استبشارا بقراءة أحد مثل ما كان بقراءتي عليه قواعد العقائد ، ثم انتبهت من النوم وعلى عيني أثر الدمع مما رأيت من تلك الأحوال والمشاهدات والكرامات ، فإنها كانت نعمة جسيمة من اللَّه تعالى ، سيما في آخر الزمان مع كثرة الأهواء . فنسأل اللَّه تعالى أن يثبتنَا على عقيدة أهل الحق ، ويحيينَا ويميتنَا عليها ، ويحشرنَا معهم ومع الأنبياء ، والمرسلين ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا ، فإنه بالفضل جدير ، وعلى ما يشاء قدير قال الشيخ الإمام أَبُو الْقَاسِمِ الإسفراييني : هذا معنى ما حكى لي أَبُو الْفَتْحِ الساوي أنه رآه في المنَام لأنه حكاه لي بالفارسية ، وترجمته أنَا بالعربية . وتتمة الفصل الأول من فصول قواعد العقائد الذي يتم به الاعتقاد ، ولم يتفق قراءته إياه على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ومن المصلحة إثباته ليكون الاعتقاد تاما في نفسه غير نَاقص لمن أراد تحصيله وحفظه بعد قوله : وأنه تعالى بعث النبي الأمي القرشي مُحَمَّدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برسالته إلى كافة العرب ، والعجم ، والجن ، والإنس . فنسخ ما يلي بشرعة الشرائع إلى ما قرر ، وفضله على سائر الأنبياء ، وجعله سيد البشر ، ومنع كمال الإيمان بشهادة التوحيد ، وهو قول لا إله إلا اللَّه ، ما لم يقترن به شهادة الرسول ، وهو قول مُحَمَّد رسول اللَّه ، فألزم الخلق تصديقه ، في جميع ما أخبر عنه من الدنيا والآخرة ، وأنه لا يتقبل إيمان عبد حتى يوقن بما أخبر عنه بعد الموت . وأوله سؤال منكر ونكير ، وهما شخصان مهيبان هائلان يقعدان العبد في قبره سويا ذا روح وجسد ، فيسألانه عن التوحيد والرسالة ، ويقولان : من ربك ؟ وما يدينك ؟ ومن نبيك ؟ وهما فتانَا القبر ، وسؤالهما : أول فتنة القبر بعد الموت ، وأن يؤمن بعذاب القبر ، وأنه حق ، وحكمة ، وعدل على الجسم والروح على ما يشاء ، ويؤمن بالميزان ذي الكفتين واللسان ، وصفته في العظم مثل أنه مثل طباق السموات والأرض ، توزن فيه الأعمال بقدرة اللَّه تعالى ، والسنج يومئذ مثاقيل الذر والخردل ، تحقيقا لتمام العدل ، وتطرح صحائف الحسنَات في صورة حسنة ، في كفة النور ، فيثقل بها الميزان على قدر درجاتها عند اللَّه بفضل اللَّه تعالى ، وتطرح صحائف السيئات في كفة الظلمة ، فيخف بها الميزان بعدل اللَّه تعالى ، وأن يؤمن بأن الصراط حق ، وهو جسر ممدود على متن جهنم أحد من السيف ، وأدق من الشعر ، تنزل عليه أقدام الكافرين ، بحكم اللَّه تعالى ، فيهوى بهم إلى النَّار ، ويثبت عليه أقدام المؤمنين ، فيساقون إلى دار القرار ، وأن نؤمن بالحوض المورود : حوض مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يشرب منه المؤمنون قبل دخول الجنة ، وبعد جواز الصراط ، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا ، عرضه مسيرة شهر ، ماؤه أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، حوله أباريق عددها عدد نجوم السماء ، فيه ميزابان يصبان من الكوثر ، ويؤمن بيوم الحساب ، وتفاوت الخلق فيه إلى منَاقش في الحساب ، وإلى مسامح فيه ، إلى من يدخل الجنة بغير حساب ، وهم المقربون ، فيسأل من شاء من الأنبياء عن تبليغ الرسالة ، ومن شاء من الكفار تكذيب المرسلين . ويسأل المبتدعة عن السنة ، ويسأل المسلمين عن الأعمال ، ويؤمن بإخراج الموحدين من النَّار بعد الانتقام ، حتى لا يبقي في جهنم موحد بفضل اللَّه تعالى ، ويؤمن بشفاعة الأنبياء ، ثم العلماء ، ثم الشهداء ، ثم سائر المؤمنين ، كل على حسب جاهه ومنزلته ، ومن بقي من المؤمنين ، ولم يكن له شفيع أخرج بفضل اللَّه تعالى ، ولا يخلد في النَّار مؤمن ، بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ، وأن يعتقد فضل الصحابة ، وترتيبهم ، وأن أفضل النَّاس بعد رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبُو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم . وأن يحسن الظن بجميع الصحابة ، ويثني عليهم ، كما أثنى اللَّه تعالى ورسوله عليه السلام وعليهم أجمعين ، فكل ذلك مما وردت به الأخبار وشهدت به الآثار ، فمن اعتقد جميع ذلك موقنَا به كان من أهل الحق ، وعصابة السنة ، وفارق رهط الضلال والبدعة ، فنسأل اللَّه تعالى كمال اليقين والثبات في الدين لنَا ولكافة المسلمين ، إنه أرحم الراحمين ، وصلى اللَّه على مُحَمَّد وآله أجمعين .

BE862102Hadith

Déclarations

4 sortant
=ordre du hadith345BS3519328
=matn (texte du hadith)سمعت الشيخ الفقيه الإمام أبا القاسم سعد بن عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ بن أَبِي هريرة الإسفراييني الصوفي الشافعي بِدِمَشْقَ ، قَالَ : سمعت الشيخ الإمام الأوحد ، زين القراء جمال الحرم ، أبا الفتح عامر بن نحام بن عامر العربي الساوي بمكة حرسها اللَّه ، يقول : دخلت المسجد الحرام يوم الأحد فيما بين الظهر والعصر الرابع عشر من شوال سنة خمس وأربعين وخمس مائة ، وكان بي نوع تكسر ، ودوران رأس ، بحيث أني لا أقدر أن أقف أو أجلس لشدة ما بي ، وكنت أطلب موضعا أستريح فيه ساعة على جنبي ، فرأيت باب بيت الجماعة للرباط الرامشتي عند باب العزورة ، مفتوحا فقصدته ، ودخلت فيه ، ووقعت على جنبي الأيمن بحذاء الكعبة المشرفة ، مفترشا يدي تحت خدي لكيلا يأخذني النوم ، فتنتقض طهارتي ، فإذا برجل من أهل البدعة ، معروف بها ، جاء ونشر مصلاه ، على باب ذلك البيت ، وأخرج لويحا من جيبه ، أظنه كان من الحجر ، وعليه كتابة فقبله ووضعه بين يديه ، وصلى صلاة طويلة ، مرسلا يديه فيها على عادتهم ، وكان يسجد على ذلك اللويح في كل مرة ، فإذا فرغ من صلاته سجد عليه ، وأطال فيه ، وكان يمعك خده من الجانبين عليه ، ويتضرع في الدعاء ، ثم رفع رأسه وقبله ، ووضعه على عينيه ، ثم قبله ثانيا ، وأدخله في جيبه كما كان . قال : فلما رأيت ذلك كرهته واستوحشت منه ذلك ، وقلت في نفسي : ليت كان رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيا فيما بيننَا ليخبرهم بسوء صنيعهم ، وما هم عليه من البدعة ، ومع هذا التفكر كنت أطرد النوم عن نفسي كي لا يأخذني ، فتفسد طهارتي ، فبينَا أنَا كذلك إذ طرأ علي النعاس ، وغلبَنِي ، فكأني بين اليقظة والمنَام ، فرأيت عرصة واسعة فيها نَاس كثيرون واقفين ، وفي يد كل واحد منهم كتاب مجلد ، قد تحلقوا كلهم على شخص ، فسألت النَّاس عن حالهم ، وعمن في الحلقة ؟ فقَالُوا : هو رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهؤلاء أصحاب المذاهب ، يريدون أن يقرؤا مذاهبهم ، واعتقادهم ، من كتبهم على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ويصححوه عليه ، قَالَ : فبينَا أنَا كذلك أنظر إلى القوم ، إِذَا جاء واحد من أهل الحلقة ، وبيده كتاب ، قيل إن هذا الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فدخل في وسط الحلقة ، وسلم على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فرأيت رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جماله وكماله متلبسا بالثياب البيض ، المغسولة النظيفة من العمامة والقميص ، وسائر الثياب على زي أهل التصوف ، فرد عليه الجواب ، ورحب به ، وقعد الشافعي بين يديه ، وقرأ من الكتاب ، مذهبه واعتقاده عليه ، وبعد ذلك جاء شخص آخر ، قيل : هو أَبُو حنيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وبيده كتاب ، فسلم وقعد بجنب الشافعي ، وقرأ من الكتاب مذهبه واعتقاده ، ثم أتى بعده كل صاحب مذهب إلى أن لم يبق إلا القليل ، وكل من يقرأ يقعد بجنب الآخر ، فلما فرغوا إِذَا واحد من المبتدعة الملقبة بالرافضة ، قد جاء وفي يده كراريس غير مجلدة فيها : ذكر عقائدهم الباطلة ، وهم أن يدخل الحلقة ، ويقرأها على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فخرج واحد ممن كان مع رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليه وزجره ، وأخذ الكراريس من يده ، ورماها إلى خارج الحلقة وطرده وأهانه ، فلما رأيت أن القوم قد فرغوا ، وما بقي أحد يقرأ عليه شيئًا تقدمت قليلا ، وكان في يدي كتاب مجلد ، فنَاديت ، وقلت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هذا الكتاب معتقدي ، ومعتقد أهل السنة ، لو أذنت لي حتى أقرأه عليك . فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وما ذاك ؟ " . قلت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هو : قواعد العقائد الذي صنفه الغزالي ، فأذن لي في القراءة ، فقعدت وابتدأت : بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، كتاب قواعد العقائد ، وفيه أربعة فصول : الفصل الأول : في ترجمة عقيدة أهل السنة في كلمتي الشهادة التي هي أحد مباني الإسلام ، فنقول وبِاللَّهِ التوفيق : الحمد لِلَّه المبدئ المعيد ، الفعال لما يريد ، ذي العرش المجيد ، والبطش الشديد ، الهادي صفوة العبيد ، إلى المنهج الرشيد ، والمسلك السديد ، المنعم عليهم بعد شهادة التوحيد بحراسة عقائدهم عن ظلمات التشكيك ، والترديد ، السابق بهم إلى إتباع رسوله المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واقتفاء صحبه الأكرمين بالتأييد والتسديد ، المتجلي لهم في ذاته وأفعاله بمحاسن أوصافه التي لا يدركها إلا من ألقي السمع وهو شهيد ، المعرف إياهم في ذاته أنه واحد لا شريك له ، فرد لا مثل له ، صمد لا ضد له ، وأنه قديم لا أول له ، أزلي لا بداية له ، مستمر الوجود لا آخر له ، أبدي لا نهاية له ، قيوم لا انقطاع له ، دائم لا انصرام له ، لم يزل ولا يزال موصوفا بنعوت الجلال ، لا يقضي عليه بالانقضاء ، تصرم الآباد وانقراض الآجال ، بل هو الأول ، والآخر ، والباطن ، والظاهر . وأنه ليس بجسم مصور ، ولا جوهر محدود مقدر ، وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ، ولا في قبول الانقسام ، وأنه ليس بجوهر ، ولا تحله الجواهر ، ولا بعرض ، ولا تحله الأعراض ، بل لا يماثل موجودا ، ولا يماثله موجود ، وليس كمثله شيء ولا هو مثل شيء ، وأنه لا يحده المقدار ، ولا تحويه الأقطار ، ولا تحيط به الجهات ، ولا تكتنفه الأرضون والسموات . وأنه استوى على العرش على الوجه الذي قاله ، وبالمعني الذي أراده استواءً منزها عن المماسة والاستقرار ، والتمكن ، والحلول ، والانتقال ، لا يحمله العرش ، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ، ومقهورون في قبضته ، وهو فوق العرش ، وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى ، فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء ، بل هو رفيع الدرجات عن العرش ، كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى ، وهو مع ذلك قريب من كل موجود ، وهو أقرب إلى العبيد ، من حبل الوريد ، وهو على كل شيء شهيد ، إِذ لا يماثل قربه قرب الأجسام ، كما لا تماثل ذاته الأجسام ، وأنه لا يحل في شيء ، ولا يحل فيه شيء ، تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحده زمان . كان قبل أن خلق الزمان والمكان ، وهو الآن على ما عليه كان ، وأنه بائن من خلقه بصفاته ، وليس في ذاته سواه ، ولا في سواه ذاته ، وأنه مقدس عن التغير والانتقال ، لا تحله الحوادث ، ولا تعتريه العوارض ، بل لا يزال في نعوت جلاله منزها عن الزوال ، وفي صفات كماله مستغنيا عن زيادة الاستكمال ، وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول ، مرئي الذات بالأبصار ، نعمة منه ولطفا بالأبرار في دار القرار ، وإتماما للنعيم بالنظر إلى وجه الكريم . وأنه حي ، قادر ، جبار ، قاهر ، لا يعتريه قصور ، ولا عجز ، ولا تأخذه سنة ولا نوم ، ولا يعارضه فنَاء ، ولا موت ، وأنه ذو الملك والملكوت ، والعزة والجبروت ، له السلطان ، والقهر ، والخلق ، والأمر ، السموات مطويات بيمينه ، والخلائق مقهورون في قبضته ، وأنه المنفرد بالخلق والاختراع ، المتوحد الإيجاد والإبداع ، خلق الخلق وأعمالهم ، وقدر أرزاقهم وآجالهم ، لا يشذ عن قبضته مقدور ، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور ، ولا تحصى مقدوراته ، ولا تتنَاهى معلوماته . وأنه عالم بجميع المعلومات ، محيط علمه بما يجري في تخوم الأرضين ، إلى أعلى السموات ، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، بل يعلم دبيب النملة السوداء ، على الصخرة الصماء ، في الليلة الظلماء ، ويدرك حركة الذر في جو الهواء ، ويعلم السر وأخفى ، ويطلع على هواجس الضمائر ، وحركات الخواطر ، وخفيات السرائر ، بعلم قديم أزلي ، لم يزل موصوفا في أزل الآزال ، لا بعلم مجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال . وأنه مريد الكائنَات ، مدبر الحادثات ، ولا يجري في الملك والملكوت قليل أو كثير ، صغير أو كبير ، خير أو شر ، نفع أو ضر ، إيمان أو كفر ، عرفان أو نكر ، فوز أو خسر ، زيادة أو نقصان ، طاعة أو عصيان ، كفر أو إيمان ، إلا بقضائه وقدره ، وحكمه ومشيئته ، فما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، لا يخرج عن مشيئته لفتة نَاظر ، ولا فلتة خاطر ، بل هو المبدئ المعيد ، الفعال لما يريد ، لا راد لحكمه ، ولا معقب لقضائه ، ولا مهرب لعبد عن معصيته ، إلا بتوفيقه ورحمته ، ولا قوة على طاعته إلا بمحبته وإرادته ، لو اجتمع الإنس والجن ، والملائكة والشياطين ، على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها ، دون إرادته ومشيئته عجزوا عنه ، وإن إرادته قائمة بذاته في جملة صفاته ، لم يزل كذلك موصوفا بها ، مريدا في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها ، فوجدت في أوقاتها ، كما أراده في أزله من غير تقدم وتأخر ، بل وقعت على وفق علمه وإرادته ، من غير تبدل وتغير ، دبر الأمور ، لا بترتيب أفكار ، وتربص زمان ، فلذلك لم يشغله شان عن شان . وأنه تعالى سميع بصير ، يسمع ويرى لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفى ، ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دق ، لا يحجب سمعه بُعد ، ولا يدفع رؤيته ظلام ، يرى من غير حدقة وأجفان ، ويسمع من غير أصمخة وآذان ، كما يعلم بغير قلب ، ويبطش بغير جارحة ، ويخلق بغير آلة إذ تشبه صفاته صفات الخلق ، كما لا تشبه ذاته ذات الخلق . وأنه متكلم آمر نَاهٍ واعد متوعد بكلام أزلي قديم ، قائم بذاته لا يشبه كلام الخلق ، فليس بصوت يحدث من انسلال هواء ، واصطكاك أجرام ، ولا بحرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان ، وأن القرآن ، والتوراة ، والإنجيل ، والزبور ، كتبه المنزلة على رسله ، وأن القرآن مقروء بالألسنة ، مكتوب في المصاحف ، محفوظ في القلوب ، وأنه مع ذلك قديم قائم بذات اللَّه تعالى ، لا يقبل الانفصال ، والفراق بالانتقال ، إلى القلوب والأوراق ، وأن مُوسَى عليه السلام سمع كلام اللَّه بغير صوت ولا حرف ، كما يرى الأبرار ذات اللَّه تعالى من غير جوهر ، ولا عرض . وإذا كانت له هَذِهِ الصفات ، كان حيا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا متكلما ، بالحياة ، والعلم ، والقدرة ، والإدارة ، والسمع ، والبصر ، والكلام ، لا بمجرد الذات . وأنه لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله ، وفائض من عدله على أحسن الوجوه ، وأكملها ، وأتمها ، وأعدلها ، وأنه حكيم في أفعاله ، وعادل في أقضيته ، ولا يقاس عدله بعدل العباد ، إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره ، ولا يتصور الظلم من اللَّه تعالى ، فإنه لا يصادف لغيره ملكا ، حتى يكون تصرفه فيه ظلما ، فكل ما سواه من جن ، وإنس ، وشيطان ، وملك ، وسماء ، وأرض ، وحيوان ، ونبات ، وجوهر ، وعرض ، ومدرك ، ومحسوس ، حادث اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعا وإنشاءً ، بعد أن لم يكن شيئًا ، إذ كان في الأزل موجودا وحده ، ولم يكن معه غيره ، فأحدث الخلق بعدُ إظهارا لقدرته ، وتحقيقا لما سبق من إرادته ، وحق في الأزل من كلمته ، لا لافتقاره إليه وحاجته ، وأنه تعالى متفضل بالخلق ، والاختراع ، والتكليف ، لا عن وجوب ، ومتطول بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم ، فله الفضل ، والإحسان ، والنعمة ، والامتنَان . إذ كان قادرا على أن يصب على عبادة أنواع العذاب ، ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب ، ولو فعل ذلك لكان منه عدلا ، ولم يكن قبيحا ولا ظلما ، وأنه يثيب عباده على الطاعات ، بحكم الكرم والوعد ، لا بحكم الاستحقاق واللزوم ، إذ لا يجب عليه فعل ، ولا يتصور منه ظلم ، ولا يجب عليه حق ، وأن حقه في الطاعات وجب على الخلق بإيجابه على لسان أنبيائه ، لا بمجرد العقل ، ولكنه بعث الرسل وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة ، فبلغوا أمره ونهيه ، ووعده ووعيده ، فوجب على الخلق تصديقهم فيما جاءوا به . معني الكلمة الثانية : وهي شهادة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه تعالى بعث النبي الأمي القرشي مُحَمَّدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برسالته إلى كافة العرب والعجم ، والجن والإنس . قال : فلما بلغت إلى هذا ، رأيت البشاشة والتبسم في وجهه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إذ انتهيت إلى نعته وصفته ، فالتفت إليَّ وقال : " أين الغزالي ؟ " فإذا بالغزالي كأنه كان واقفا على الحلقة بين يديه ، فقال : ها أنَا ذا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وتقدم وسلم على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فرد عليه الجواب ونَاوله يده العزيزة ، والغزالي يقبل يده ، ويضع خديه عليه تبركا به ، وبيده العزيزة المباركة ، ثم قعد . قال : فما رأيت رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر استبشارا بقراءة أحد مثل ما كان بقراءتي عليه قواعد العقائد ، ثم انتبهت من النوم وعلى عيني أثر الدمع مما رأيت من تلك الأحوال والمشاهدات والكرامات ، فإنها كانت نعمة جسيمة من اللَّه تعالى ، سيما في آخر الزمان مع كثرة الأهواء . فنسأل اللَّه تعالى أن يثبتنَا على عقيدة أهل الحق ، ويحيينَا ويميتنَا عليها ، ويحشرنَا معهم ومع الأنبياء ، والمرسلين ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا ، فإنه بالفضل جدير ، وعلى ما يشاء قدير قال الشيخ الإمام أَبُو الْقَاسِمِ الإسفراييني : هذا معنى ما حكى لي أَبُو الْفَتْحِ الساوي أنه رآه في المنَام لأنه حكاه لي بالفارسية ، وترجمته أنَا بالعربية . وتتمة الفصل الأول من فصول قواعد العقائد الذي يتم به الاعتقاد ، ولم يتفق قراءته إياه على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ومن المصلحة إثباته ليكون الاعتقاد تاما في نفسه غير نَاقص لمن أراد تحصيله وحفظه بعد قوله : وأنه تعالى بعث النبي الأمي القرشي مُحَمَّدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برسالته إلى كافة العرب ، والعجم ، والجن ، والإنس . فنسخ ما يلي بشرعة الشرائع إلى ما قرر ، وفضله على سائر الأنبياء ، وجعله سيد البشر ، ومنع كمال الإيمان بشهادة التوحيد ، وهو قول لا إله إلا اللَّه ، ما لم يقترن به شهادة الرسول ، وهو قول مُحَمَّد رسول اللَّه ، فألزم الخلق تصديقه ، في جميع ما أخبر عنه من الدنيا والآخرة ، وأنه لا يتقبل إيمان عبد حتى يوقن بما أخبر عنه بعد الموت . وأوله سؤال منكر ونكير ، وهما شخصان مهيبان هائلان يقعدان العبد في قبره سويا ذا روح وجسد ، فيسألانه عن التوحيد والرسالة ، ويقولان : من ربك ؟ وما يدينك ؟ ومن نبيك ؟ وهما فتانَا القبر ، وسؤالهما : أول فتنة القبر بعد الموت ، وأن يؤمن بعذاب القبر ، وأنه حق ، وحكمة ، وعدل على الجسم والروح على ما يشاء ، ويؤمن بالميزان ذي الكفتين واللسان ، وصفته في العظم مثل أنه مثل طباق السموات والأرض ، توزن فيه الأعمال بقدرة اللَّه تعالى ، والسنج يومئذ مثاقيل الذر والخردل ، تحقيقا لتمام العدل ، وتطرح صحائف الحسنَات في صورة حسنة ، في كفة النور ، فيثقل بها الميزان على قدر درجاتها عند اللَّه بفضل اللَّه تعالى ، وتطرح صحائف السيئات في كفة الظلمة ، فيخف بها الميزان بعدل اللَّه تعالى ، وأن يؤمن بأن الصراط حق ، وهو جسر ممدود على متن جهنم أحد من السيف ، وأدق من الشعر ، تنزل عليه أقدام الكافرين ، بحكم اللَّه تعالى ، فيهوى بهم إلى النَّار ، ويثبت عليه أقدام المؤمنين ، فيساقون إلى دار القرار ، وأن نؤمن بالحوض المورود : حوض مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يشرب منه المؤمنون قبل دخول الجنة ، وبعد جواز الصراط ، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا ، عرضه مسيرة شهر ، ماؤه أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، حوله أباريق عددها عدد نجوم السماء ، فيه ميزابان يصبان من الكوثر ، ويؤمن بيوم الحساب ، وتفاوت الخلق فيه إلى منَاقش في الحساب ، وإلى مسامح فيه ، إلى من يدخل الجنة بغير حساب ، وهم المقربون ، فيسأل من شاء من الأنبياء عن تبليغ الرسالة ، ومن شاء من الكفار تكذيب المرسلين . ويسأل المبتدعة عن السنة ، ويسأل المسلمين عن الأعمال ، ويؤمن بإخراج الموحدين من النَّار بعد الانتقام ، حتى لا يبقي في جهنم موحد بفضل اللَّه تعالى ، ويؤمن بشفاعة الأنبياء ، ثم العلماء ، ثم الشهداء ، ثم سائر المؤمنين ، كل على حسب جاهه ومنزلته ، ومن بقي من المؤمنين ، ولم يكن له شفيع أخرج بفضل اللَّه تعالى ، ولا يخلد في النَّار مؤمن ، بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ، وأن يعتقد فضل الصحابة ، وترتيبهم ، وأن أفضل النَّاس بعد رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبُو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم . وأن يحسن الظن بجميع الصحابة ، ويثني عليهم ، كما أثنى اللَّه تعالى ورسوله عليه السلام وعليهم أجمعين ، فكل ذلك مما وردت به الأخبار وشهدت به الآثار ، فمن اعتقد جميع ذلك موقنَا به كان من أهل الحق ، وعصابة السنة ، وفارق رهط الضلال والبدعة ، فنسأل اللَّه تعالى كمال اليقين والثبات في الدين لنَا ولكافة المسلمين ، إنه أرحم الراحمين ، وصلى اللَّه على مُحَمَّد وآله أجمعين .BS4801637

Statistiques du graphe

Sortant4
Entrant0
Total4

Traductions

🇸🇦 Arabic
سمعت الشيخ الفقيه الإمام أبا القاسم سعد بن عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ بن أَبِي هريرة الإسفراييني الصوفي الشافعي بِدِمَشْقَ ، قَالَ : سمعت الشيخ الإمام الأوحد ، زين القراء جمال الحرم ، أبا الفتح عامر بن نحام بن عامر العربي الساوي بمكة حرسها اللَّه ، يقول : دخلت المسجد الحرام يوم الأحد فيما بين الظهر والعصر الرابع عشر من شوال سنة خمس وأربعين وخمس مائة ، وكان بي نوع تكسر ، ودوران رأس ، بحيث أني لا أقدر أن أقف أو أجلس لشدة ما بي ، وكنت أطلب موضعا أستريح فيه ساعة على جنبي ، فرأيت باب بيت الجماعة للرباط الرامشتي عند باب العزورة ، مفتوحا فقصدته ، ودخلت فيه ، ووقعت على جنبي الأيمن بحذاء الكعبة المشرفة ، مفترشا يدي تحت خدي لكيلا يأخذني النوم ، فتنتقض طهارتي ، فإذا برجل من أهل البدعة ، معروف بها ، جاء ونشر مصلاه ، على باب ذلك البيت ، وأخرج لويحا من جيبه ، أظنه كان من الحجر ، وعليه كتابة فقبله ووضعه بين يديه ، وصلى صلاة طويلة ، مرسلا يديه فيها على عادتهم ، وكان يسجد على ذلك اللويح في كل مرة ، فإذا فرغ من صلاته سجد عليه ، وأطال فيه ، وكان يمعك خده من الجانبين عليه ، ويتضرع في الدعاء ، ثم رفع رأسه وقبله ، ووضعه على عينيه ، ثم قبله ثانيا ، وأدخله في جيبه كما كان . قال : فلما رأيت ذلك كرهته واستوحشت منه ذلك ، وقلت في نفسي : ليت كان رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيا فيما بيننَا ليخبرهم بسوء صنيعهم ، وما هم عليه من البدعة ، ومع هذا التفكر كنت أطرد النوم عن نفسي كي لا يأخذني ، فتفسد طهارتي ، فبينَا أنَا كذلك إذ طرأ علي النعاس ، وغلبَنِي ، فكأني بين اليقظة والمنَام ، فرأيت عرصة واسعة فيها نَاس كثيرون واقفين ، وفي يد كل واحد منهم كتاب مجلد ، قد تحلقوا كلهم على شخص ، فسألت النَّاس عن حالهم ، وعمن في الحلقة ؟ فقَالُوا : هو رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهؤلاء أصحاب المذاهب ، يريدون أن يقرؤا مذاهبهم ، واعتقادهم ، من كتبهم على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ويصححوه عليه ، قَالَ : فبينَا أنَا كذلك أنظر إلى القوم ، إِذَا جاء واحد من أهل الحلقة ، وبيده كتاب ، قيل إن هذا الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فدخل في وسط الحلقة ، وسلم على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فرأيت رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جماله وكماله متلبسا بالثياب البيض ، المغسولة النظيفة من العمامة والقميص ، وسائر الثياب على زي أهل التصوف ، فرد عليه الجواب ، ورحب به ، وقعد الشافعي بين يديه ، وقرأ من الكتاب ، مذهبه واعتقاده عليه ، وبعد ذلك جاء شخص آخر ، قيل : هو أَبُو حنيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وبيده كتاب ، فسلم وقعد بجنب الشافعي ، وقرأ من الكتاب مذهبه واعتقاده ، ثم أتى بعده كل صاحب مذهب إلى أن لم يبق إلا القليل ، وكل من يقرأ يقعد بجنب الآخر ، فلما فرغوا إِذَا واحد من المبتدعة الملقبة بالرافضة ، قد جاء وفي يده كراريس غير مجلدة فيها : ذكر عقائدهم الباطلة ، وهم أن يدخل الحلقة ، ويقرأها على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فخرج واحد ممن كان مع رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليه وزجره ، وأخذ الكراريس من يده ، ورماها إلى خارج الحلقة وطرده وأهانه ، فلما رأيت أن القوم قد فرغوا ، وما بقي أحد يقرأ عليه شيئًا تقدمت قليلا ، وكان في يدي كتاب مجلد ، فنَاديت ، وقلت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هذا الكتاب معتقدي ، ومعتقد أهل السنة ، لو أذنت لي حتى أقرأه عليك . فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وما ذاك ؟ " . قلت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هو : قواعد العقائد الذي صنفه الغزالي ، فأذن لي في القراءة ، فقعدت وابتدأت : بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، كتاب قواعد العقائد ، وفيه أربعة فصول : الفصل الأول : في ترجمة عقيدة أهل السنة في كلمتي الشهادة التي هي أحد مباني الإسلام ، فنقول وبِاللَّهِ التوفيق : الحمد لِلَّه المبدئ المعيد ، الفعال لما يريد ، ذي العرش المجيد ، والبطش الشديد ، الهادي صفوة العبيد ، إلى المنهج الرشيد ، والمسلك السديد ، المنعم عليهم بعد شهادة التوحيد بحراسة عقائدهم عن ظلمات التشكيك ، والترديد ، السابق بهم إلى إتباع رسوله المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واقتفاء صحبه الأكرمين بالتأييد والتسديد ، المتجلي لهم في ذاته وأفعاله بمحاسن أوصافه التي لا يدركها إلا من ألقي السمع وهو شهيد ، المعرف إياهم في ذاته أنه واحد لا شريك له ، فرد لا مثل له ، صمد لا ضد له ، وأنه قديم لا أول له ، أزلي لا بداية له ، مستمر الوجود لا آخر له ، أبدي لا نهاية له ، قيوم لا انقطاع له ، دائم لا انصرام له ، لم يزل ولا يزال موصوفا بنعوت الجلال ، لا يقضي عليه بالانقضاء ، تصرم الآباد وانقراض الآجال ، بل هو الأول ، والآخر ، والباطن ، والظاهر . وأنه ليس بجسم مصور ، ولا جوهر محدود مقدر ، وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ، ولا في قبول الانقسام ، وأنه ليس بجوهر ، ولا تحله الجواهر ، ولا بعرض ، ولا تحله الأعراض ، بل لا يماثل موجودا ، ولا يماثله موجود ، وليس كمثله شيء ولا هو مثل شيء ، وأنه لا يحده المقدار ، ولا تحويه الأقطار ، ولا تحيط به الجهات ، ولا تكتنفه الأرضون والسموات . وأنه استوى على العرش على الوجه الذي قاله ، وبالمعني الذي أراده استواءً منزها عن المماسة والاستقرار ، والتمكن ، والحلول ، والانتقال ، لا يحمله العرش ، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ، ومقهورون في قبضته ، وهو فوق العرش ، وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى ، فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء ، بل هو رفيع الدرجات عن العرش ، كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى ، وهو مع ذلك قريب من كل موجود ، وهو أقرب إلى العبيد ، من حبل الوريد ، وهو على كل شيء شهيد ، إِذ لا يماثل قربه قرب الأجسام ، كما لا تماثل ذاته الأجسام ، وأنه لا يحل في شيء ، ولا يحل فيه شيء ، تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحده زمان . كان قبل أن خلق الزمان والمكان ، وهو الآن على ما عليه كان ، وأنه بائن من خلقه بصفاته ، وليس في ذاته سواه ، ولا في سواه ذاته ، وأنه مقدس عن التغير والانتقال ، لا تحله الحوادث ، ولا تعتريه العوارض ، بل لا يزال في نعوت جلاله منزها عن الزوال ، وفي صفات كماله مستغنيا عن زيادة الاستكمال ، وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول ، مرئي الذات بالأبصار ، نعمة منه ولطفا بالأبرار في دار القرار ، وإتماما للنعيم بالنظر إلى وجه الكريم . وأنه حي ، قادر ، جبار ، قاهر ، لا يعتريه قصور ، ولا عجز ، ولا تأخذه سنة ولا نوم ، ولا يعارضه فنَاء ، ولا موت ، وأنه ذو الملك والملكوت ، والعزة والجبروت ، له السلطان ، والقهر ، والخلق ، والأمر ، السموات مطويات بيمينه ، والخلائق مقهورون في قبضته ، وأنه المنفرد بالخلق والاختراع ، المتوحد الإيجاد والإبداع ، خلق الخلق وأعمالهم ، وقدر أرزاقهم وآجالهم ، لا يشذ عن قبضته مقدور ، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور ، ولا تحصى مقدوراته ، ولا تتنَاهى معلوماته . وأنه عالم بجميع المعلومات ، محيط علمه بما يجري في تخوم الأرضين ، إلى أعلى السموات ، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، بل يعلم دبيب النملة السوداء ، على الصخرة الصماء ، في الليلة الظلماء ، ويدرك حركة الذر في جو الهواء ، ويعلم السر وأخفى ، ويطلع على هواجس الضمائر ، وحركات الخواطر ، وخفيات السرائر ، بعلم قديم أزلي ، لم يزل موصوفا في أزل الآزال ، لا بعلم مجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال . وأنه مريد الكائنَات ، مدبر الحادثات ، ولا يجري في الملك والملكوت قليل أو كثير ، صغير أو كبير ، خير أو شر ، نفع أو ضر ، إيمان أو كفر ، عرفان أو نكر ، فوز أو خسر ، زيادة أو نقصان ، طاعة أو عصيان ، كفر أو إيمان ، إلا بقضائه وقدره ، وحكمه ومشيئته ، فما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، لا يخرج عن مشيئته لفتة نَاظر ، ولا فلتة خاطر ، بل هو المبدئ المعيد ، الفعال لما يريد ، لا راد لحكمه ، ولا معقب لقضائه ، ولا مهرب لعبد عن معصيته ، إلا بتوفيقه ورحمته ، ولا قوة على طاعته إلا بمحبته وإرادته ، لو اجتمع الإنس والجن ، والملائكة والشياطين ، على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها ، دون إرادته ومشيئته عجزوا عنه ، وإن إرادته قائمة بذاته في جملة صفاته ، لم يزل كذلك موصوفا بها ، مريدا في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها ، فوجدت في أوقاتها ، كما أراده في أزله من غير تقدم وتأخر ، بل وقعت على وفق علمه وإرادته ، من غير تبدل وتغير ، دبر الأمور ، لا بترتيب أفكار ، وتربص زمان ، فلذلك لم يشغله شان عن شان . وأنه تعالى سميع بصير ، يسمع ويرى لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفى ، ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دق ، لا يحجب سمعه بُعد ، ولا يدفع رؤيته ظلام ، يرى من غير حدقة وأجفان ، ويسمع من غير أصمخة وآذان ، كما يعلم بغير قلب ، ويبطش بغير جارحة ، ويخلق بغير آلة إذ تشبه صفاته صفات الخلق ، كما لا تشبه ذاته ذات الخلق . وأنه متكلم آمر نَاهٍ واعد متوعد بكلام أزلي قديم ، قائم بذاته لا يشبه كلام الخلق ، فليس بصوت يحدث من انسلال هواء ، واصطكاك أجرام ، ولا بحرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان ، وأن القرآن ، والتوراة ، والإنجيل ، والزبور ، كتبه المنزلة على رسله ، وأن القرآن مقروء بالألسنة ، مكتوب في المصاحف ، محفوظ في القلوب ، وأنه مع ذلك قديم قائم بذات اللَّه تعالى ، لا يقبل الانفصال ، والفراق بالانتقال ، إلى القلوب والأوراق ، وأن مُوسَى عليه السلام سمع كلام اللَّه بغير صوت ولا حرف ، كما يرى الأبرار ذات اللَّه تعالى من غير جوهر ، ولا عرض . وإذا كانت له هَذِهِ الصفات ، كان حيا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا متكلما ، بالحياة ، والعلم ، والقدرة ، والإدارة ، والسمع ، والبصر ، والكلام ، لا بمجرد الذات . وأنه لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله ، وفائض من عدله على أحسن الوجوه ، وأكملها ، وأتمها ، وأعدلها ، وأنه حكيم في أفعاله ، وعادل في أقضيته ، ولا يقاس عدله بعدل العباد ، إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره ، ولا يتصور الظلم من اللَّه تعالى ، فإنه لا يصادف لغيره ملكا ، حتى يكون تصرفه فيه ظلما ، فكل ما سواه من جن ، وإنس ، وشيطان ، وملك ، وسماء ، وأرض ، وحيوان ، ونبات ، وجوهر ، وعرض ، ومدرك ، ومحسوس ، حادث اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعا وإنشاءً ، بعد أن لم يكن شيئًا ، إذ كان في الأزل موجودا وحده ، ولم يكن معه غيره ، فأحدث الخلق بعدُ إظهارا لقدرته ، وتحقيقا لما سبق من إرادته ، وحق في الأزل من كلمته ، لا لافتقاره إليه وحاجته ، وأنه تعالى متفضل بالخلق ، والاختراع ، والتكليف ، لا عن وجوب ، ومتطول بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم ، فله الفضل ، والإحسان ، والنعمة ، والامتنَان . إذ كان قادرا على أن يصب على عبادة أنواع العذاب ، ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب ، ولو فعل ذلك لكان منه عدلا ، ولم يكن قبيحا ولا ظلما ، وأنه يثيب عباده على الطاعات ، بحكم الكرم والوعد ، لا بحكم الاستحقاق واللزوم ، إذ لا يجب عليه فعل ، ولا يتصور منه ظلم ، ولا يجب عليه حق ، وأن حقه في الطاعات وجب على الخلق بإيجابه على لسان أنبيائه ، لا بمجرد العقل ، ولكنه بعث الرسل وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة ، فبلغوا أمره ونهيه ، ووعده ووعيده ، فوجب على الخلق تصديقهم فيما جاءوا به . معني الكلمة الثانية : وهي شهادة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه تعالى بعث النبي الأمي القرشي مُحَمَّدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برسالته إلى كافة العرب والعجم ، والجن والإنس . قال : فلما بلغت إلى هذا ، رأيت البشاشة والتبسم في وجهه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إذ انتهيت إلى نعته وصفته ، فالتفت إليَّ وقال : " أين الغزالي ؟ " فإذا بالغزالي كأنه كان واقفا على الحلقة بين يديه ، فقال : ها أنَا ذا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وتقدم وسلم على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فرد عليه الجواب ونَاوله يده العزيزة ، والغزالي يقبل يده ، ويضع خديه عليه تبركا به ، وبيده العزيزة المباركة ، ثم قعد . قال : فما رأيت رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر استبشارا بقراءة أحد مثل ما كان بقراءتي عليه قواعد العقائد ، ثم انتبهت من النوم وعلى عيني أثر الدمع مما رأيت من تلك الأحوال والمشاهدات والكرامات ، فإنها كانت نعمة جسيمة من اللَّه تعالى ، سيما في آخر الزمان مع كثرة الأهواء . فنسأل اللَّه تعالى أن يثبتنَا على عقيدة أهل الحق ، ويحيينَا ويميتنَا عليها ، ويحشرنَا معهم ومع الأنبياء ، والمرسلين ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا ، فإنه بالفضل جدير ، وعلى ما يشاء قدير قال الشيخ الإمام أَبُو الْقَاسِمِ الإسفراييني : هذا معنى ما حكى لي أَبُو الْفَتْحِ الساوي أنه رآه في المنَام لأنه حكاه لي بالفارسية ، وترجمته أنَا بالعربية . وتتمة الفصل الأول من فصول قواعد العقائد الذي يتم به الاعتقاد ، ولم يتفق قراءته إياه على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ومن المصلحة إثباته ليكون الاعتقاد تاما في نفسه غير نَاقص لمن أراد تحصيله وحفظه بعد قوله : وأنه تعالى بعث النبي الأمي القرشي مُحَمَّدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برسالته إلى كافة العرب ، والعجم ، والجن ، والإنس . فنسخ ما يلي بشرعة الشرائع إلى ما قرر ، وفضله على سائر الأنبياء ، وجعله سيد البشر ، ومنع كمال الإيمان بشهادة التوحيد ، وهو قول لا إله إلا اللَّه ، ما لم يقترن به شهادة الرسول ، وهو قول مُحَمَّد رسول اللَّه ، فألزم الخلق تصديقه ، في جميع ما أخبر عنه من الدنيا والآخرة ، وأنه لا يتقبل إيمان عبد حتى يوقن بما أخبر عنه بعد الموت . وأوله سؤال منكر ونكير ، وهما شخصان مهيبان هائلان يقعدان العبد في قبره سويا ذا روح وجسد ، فيسألانه عن التوحيد والرسالة ، ويقولان : من ربك ؟ وما يدينك ؟ ومن نبيك ؟ وهما فتانَا القبر ، وسؤالهما : أول فتنة القبر بعد الموت ، وأن يؤمن بعذاب القبر ، وأنه حق ، وحكمة ، وعدل على الجسم والروح على ما يشاء ، ويؤمن بالميزان ذي الكفتين واللسان ، وصفته في العظم مثل أنه مثل طباق السموات والأرض ، توزن فيه الأعمال بقدرة اللَّه تعالى ، والسنج يومئذ مثاقيل الذر والخردل ، تحقيقا لتمام العدل ، وتطرح صحائف الحسنَات في صورة حسنة ، في كفة النور ، فيثقل بها الميزان على قدر درجاتها عند اللَّه بفضل اللَّه تعالى ، وتطرح صحائف السيئات في كفة الظلمة ، فيخف بها الميزان بعدل اللَّه تعالى ، وأن يؤمن بأن الصراط حق ، وهو جسر ممدود على متن جهنم أحد من السيف ، وأدق من الشعر ، تنزل عليه أقدام الكافرين ، بحكم اللَّه تعالى ، فيهوى بهم إلى النَّار ، ويثبت عليه أقدام المؤمنين ، فيساقون إلى دار القرار ، وأن نؤمن بالحوض المورود : حوض مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يشرب منه المؤمنون قبل دخول الجنة ، وبعد جواز الصراط ، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا ، عرضه مسيرة شهر ، ماؤه أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، حوله أباريق عددها عدد نجوم السماء ، فيه ميزابان يصبان من الكوثر ، ويؤمن بيوم الحساب ، وتفاوت الخلق فيه إلى منَاقش في الحساب ، وإلى مسامح فيه ، إلى من يدخل الجنة بغير حساب ، وهم المقربون ، فيسأل من شاء من الأنبياء عن تبليغ الرسالة ، ومن شاء من الكفار تكذيب المرسلين . ويسأل المبتدعة عن السنة ، ويسأل المسلمين عن الأعمال ، ويؤمن بإخراج الموحدين من النَّار بعد الانتقام ، حتى لا يبقي في جهنم موحد بفضل اللَّه تعالى ، ويؤمن بشفاعة الأنبياء ، ثم العلماء ، ثم الشهداء ، ثم سائر المؤمنين ، كل على حسب جاهه ومنزلته ، ومن بقي من المؤمنين ، ولم يكن له شفيع أخرج بفضل اللَّه تعالى ، ولا يخلد في النَّار مؤمن ، بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ، وأن يعتقد فضل الصحابة ، وترتيبهم ، وأن أفضل النَّاس بعد رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبُو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم . وأن يحسن الظن بجميع الصحابة ، ويثني عليهم ، كما أثنى اللَّه تعالى ورسوله عليه السلام وعليهم أجمعين ، فكل ذلك مما وردت به الأخبار وشهدت به الآثار ، فمن اعتقد جميع ذلك موقنَا به كان من أهل الحق ، وعصابة السنة ، وفارق رهط الضلال والبدعة ، فنسأل اللَّه تعالى كمال اليقين والثبات في الدين لنَا ولكافة المسلمين ، إنه أرحم الراحمين ، وصلى اللَّه على مُحَمَّد وآله أجمعين .