Entités

الأخبار الموفقيات للزبير بن بكار

BE915498Livre

Déclarations

3 sortant
=licencepublic-domainBS3679521
=sourceSanadset 650K — Mendeley Data, CC BY 4.0 (doi:10.17632/5xth87zwb5.5)BS3679522

Référencé par

76 entrant
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ ، عَنْ أَبِيهِ : " أَنَّ ابْنَ غَزِيَّةَ الأَنْصَارِيَّ ثُمَّ النَّجَّارِيَّ ، قَدِمَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنْ مِصْرَ ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَبِيبٍ الْفَزَارِيُّ مِنَ الشَّامِ ، وَكَانَ عَيْنًا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَا ، فَأَمَّا الأَنْصَارِيُّ فَكَانَ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، فَحَدَّثَهُ مَا رَأَى وَعَايَنَ مِنْ قَتْلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، وَحَدَّثَهُ الْفَزَارِيُّ : أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الشَّامِ ، حَتَّى قَدِمَتِ الرَّسُلُ وَالْبُشْرَى مِنْ قِبَلِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ تَتْرَى ، يَتْبَعُ بَعْضَهَا بَعْضًا بِفَتْحِ مِصْرَ ، وَقَتْلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى أَذِنَ مُعَاوِيَةُ بِقَتْلِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَقَالَ : مَا رَأَيْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سُرُورَ قَوْمٍ قَطُّ أَظْهَرَ مِنْ سُرُورٍ رَأَيْتَهُ بِالشَّامِ حِينَ أَتَاهُمْ قَتْلُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ . فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ ، حُزْنُنَا عَلَى قَتْلِهِ عَلَى قَدْرِ سُرُورِهِمْ بِقَتْلِهِ ، لا بِلْ يَزِيدُ أَضْعَافًا ، وَحَزِنَ عَلَى قَتْلِهِ حُزْنًا شَدِيدًا ، حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ ، وَتَبَيَّنَ فِيهِ ، وَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : " أَلا إِنَّ مِصْرَ قَدِ افْتُتِحَتْ ، أَلا وِإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أُصِيبَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَعِنْدَ اللَّهِ نَحْتَسِبُهُ ، أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَنْتَظِرُ القَّضَاءَ ، وَيَعْمَلُ لِلْجَزَاءِ ، وَيُبْغِضُ شَكْلَ الْفَاجِرِ ، وَيُحِبُّ هَدْي الْمُؤْمِنِينَ . إِنِّي وَاللَّهِ لا أَلُومُ نَفْسِي فِي تَقْصِيرٍ ، وَلا عَجْزٍ ، إِنِّي بِمُقَاسَاةِ الْحَرْبِ لَجِدُّ خَبِيرٌ ، وَإِنِّي لَأَتَقَدَّمُ فِي الأَمْرِ فَأَعْرِفُ وَجْهَ الْحَزْمِ ، فَأَقُومُ فِيكُمْ بِالرَّأْيِ الْمُصِيبِ مُعْلِنًا ، وَأُنَادِيكُمْ نِدَاءَ الْمُسْتَغِيثِ فَلا تَسْمَعُونَ لِي قَوْلا ، وَلا تُطِيعُونَ لِي أَمْرًا ، حَتَّى تَصِيرَ بِيَ الأُمُورُ إِلَى عَوَاقبِ الْفَسَادِ ، وَأَنْتُمْ لا تُدْرَكُ بِكُمُ الأَوْتَارُ ، وَلا يُشْفَى بِكُمُ الْغِلُّ . دَعَوْتُكُمْ إِلَى غِيَاثِ إِخْوَتِكُمْ مُنْذُ بِضْعٍ وَخَمْسِينَ لَيْلَةً فَجَرْجَرْتُمْ جَرْجَرْةَ الْجَمْلِ الأَشِرِ ، وَتَثَاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ تَثَاقُلَ مَنْ لَيْسَ لَهُ نيَّةُ جِهَادِ الْعَدِوِّ ، وَلا احْتِسَابِ الأَجْرِ . ثُمَّ خَرَجَ مِنْكُمْ جُنَيْدٌ ضَعِيفٌ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ سورة الأنفال آية 6 فَأُفٍّ لَكُمْ . ثُمَّ نزل فَدَخَلَ رَحْلَهُ " .
حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ النَّهْدِيُّ أَبُو غَسَّانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جُمَيْعُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعِجْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ بمِكَّةَ ، عَنِ ابْنٍ لأَبِي هَالَةَ التَّمِيمِيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلَيٍّ ، قَالَ : سَأَلْتُ خَالِي هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ التَّمِيمِيّ ، وَكَانَ وَصَّافًا عَنْ حِلْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَا أَشْتَهِي أَنْ تَصِفَ لِي مِنْهَا شَيَئًا أَتَعَلَّقُ بِهِ ، فَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ " فَخْمًا مُفَخَّمًا ، يَتَلأْلأُ وَجْهُهُ تَلأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، أَطْولَ مِنَ الْمَرْبُوعِ ، وَأَقْصَرَ مِنَ الْمُشَذَّبِ ، عَظِيمَ الْهَامَةِ ، رَجِلَ الشَّعْرِ ، إِنِ انْفَرَقَتْ عَقِيقَتُهُ فَرَقَ ، وِإِلا فَلا يُجَاوِزُ شَعْرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ إِذَا هُوَ وَفَّرَهُ ، أَزْهَرَ اللَّوْنِ ، وَاسِعَ الْجَبِينِ ، أَزَجَّ الْحَوَاجِبِ ، سَوَابِغَ فِي غَيْرِ قَرْنٍ ، بَيْنَهُمَا عِرْقٌ يُدِرُّهُ الْغَضَبُ ، أَقْنَى الْعِرْنِينِ ، لَهُ نُورٌ يَعْلُوهُ يَحْسَبُهُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ أَشَمَّ ، كَثَّ اللِّحْيَةِ ، سَهْلَ الْخَدَّيْنِ ، ضَلِيعَ الْفَمِ ، أَشْنَبَ ، مُفَلَّجَ الأَسْنَانِ ، دَقِيقَ الْمَسْرَبَةِ ، كَأَنَّ عُنُقَهُ جِيدُ دُمْيَةٍ فِي صَفَاءِ الْفِضَّةِ ، مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ ، بَادِنًا مُتَمَاسِكًا ، سَواءَ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ ، عَرِيضَ الصَّدْرِ ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِينِ ، ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ ، أَنْوَرَ الْمُتَجَرَّدِ ، مَوْصُولَ مَا بَيْنَ اللُّبَّةِ وَالسُّرَّةِ بِشَعْرٍ يَجْرِي كَالْخَطِّ ، عَارِيَ الثَّدْيَيْنِ وَالْبَطْنِ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ ، أَشْعَرَ الذِّارَعيَنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ ، وَأَعَالِي الصَّدْرِ ، طَويلَ الزَّنْدَيْنِ ، رَحْبَ الرَّاحَةِ ، سَبْطَ الْقَصَبِ ، شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَسَائِرِ الأَطْرَافِ ، خُمْصَانَ الأَخْمَصَيْنِ ، مَسِيحَ الْقَدَمَيْنِ ، يَنْبُو عَنْهُمَا الْمَاءُ ، إِذَا زَالَ زَالَ قُلْعًا ، يَخْطُو تَكَفُّؤًا وَيَمْشِي هَوْنًا ، ذَرِيعَ الْمِشْيَةِ كَأَنَّمِا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ ، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفْتَ جَمْعًا ، خَافِضَ الطَّرْفِ ، نَظَرُهُ إِلَى الأَرْضِ أَطْوَلُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ ، جُلُّ نَظَرِهِ الْمُلاحَظَةُ ، يَسُوقُ أَصْحَابَهُ ، يَبْدُرُ مِنْ لَقِيَهُ بِالسَّلامِ " . قُلْتُ : صِفْ لِي مَنْطِقَهُ . قَالَ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مُتَواصِلَ الأَحْزَانِ ، دَائِمَ الْفِكْرَةِ ، لَيْسَتْ لَهُ رَاحَةٌ ، لا يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ ، طَوِيلَ السَّكْتِ ، يَفْتَحُ الْكَلامَ وَيَخْتَتِمُهُ بِأَشْدَاقٍ ، وَيَتَكَلَّمُ بِجَوَامِعَ الْكَلِمِ ، فَصْلا ، لا فُضُولَ ، وَلا تَقْصِيرَ ، دَمِثًا ، لَيْسَ بِالْجَافِي ، وَلا الْمُهِينِ ، يُعَظِّمُ الْمِنَّةَ ، وَإِنْ دَقَّتْ ، لا يَذُمُّ مِنْهَا شَيْئًا ، وَلا يَذُمُّ ذَوَاقًا وَلا يَمْدَحُهُ ، لا تُغْضِبُهُ الدُّنْيَا وَمَا كَانَ لَهَا ، فَإِذَا تُعُوطِيَ الْحَقَّ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ ، وَلَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَصِرَ لَهُ ، وَلا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ ، وَلا يَنْتَصِرُ لَهَا ، إِذَا أَشَارَ بِكَفِّهِ أَشَارَ بِكَفِّهِ كُلِّهَا ، وَإِذَا تَعَجَّبَ قَلَبَهَا ، وَإِذَا تَحَدَّثَ اتَّصَلَ بِهَا فَضَرَبَ بِرَاحَتِهِ الْيُمْنَى بَاطِنَ إِبْهَامِهِ الْيُسْرَى ، وَإِذَا غَضِبَ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ ، وَإِذَا فَرِحَ غَضَّ طَرْفَهُ ، جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ ، وَيَفْتَرُّ عَنْ مثل حَبِّ الْغَمَامِ " . قَالَ : فَكَتَمْتُهَا الْحَسَنَ زَمَانًا ، ثُمَّ حدَّثْتُهُ ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَيْهِ ، فَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلْتُهُ ، وَوَجَدْتُهُ قَدْ سَأَلَ أَبَاهُ عَنْ مَدْخَلِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَخْرَجِهِ وَشَكْلِهِ ، فَلَمْ يَدَعْ مِنْهَا شَيْئًا . قَالَ الْحَسَنُ : سَأَلْتُ أَبِي عَنْ دُخُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، فَقَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، " دُخُولُهُ لِنَفْسِهِ مَأْذُونًا لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَكَانَ إِذَا أَوَى إِلَى مَنْزِلِهِ جَزَّأَ دُخُولَهُ ثَلاثَةَ أْجَزَاءٍ : جُزْءًا لِلَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، وَجُزْءًا لأَهْلِهِ ، وَجُزْءًا لِنَفْسِهِ ، ثُمَّ جُزْءًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ ، فَيَرُدُّ ذَلِكَ عَلَى الْعَامَّةِ بِالْخَاصَّةِ ، وَلا يَدَّخِرُ عَنْهُمْ شَيْئًا . وَكَانَ مِنْ سِيرَتِهِ فِي جُزْءِ الأُمَّةِ إِيثَارُ أَهْلِ الْفَضْلِ بِإِذْنِهِ ، وَقَسْمِهِ عَلَى قَدَرِ فَضْلِهِمْ فِي الدِّينِ ، فَمِنْهمْ ذُو الْحَاجَةِ , وَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَتَيْنِ ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَوَائِجِ ، فَيَتَشَاغَلُ بِهِمْ ، وَيُشْغِلُهُمْ فِيمَا أَصْلَحَهُمْ ، وَالأُمَّةَ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ وَإِخْبَارِهِمْ بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ ، وَيَقُولُ : لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ، وَأَبْلِغُونِي حَاجَةَ مَنْ لا يَسْتَطِيعُ إِبْلاغَ حَاجَتِهِ ، فَإِنَّ مَنْ أَبْلَغَ سُلْطَانًا حَاجَةَ مَنْ لا يَسْتَطِيعُ إِبْلاغِهَا إِيَّاهُ ، ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، لا يُذْكَرُ عِنْدَهُ إِلا ذَلِكَ ، وَلا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَهُ ، يَدْخُلُونَ رُوَّادًا ، وَلا يَفْتَرِقُونَ إِلا عَنْ ذَوَاقٍ ، وَيَخْرُجُونَ أَدِلَّةً " . قَالَ : فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَخْرَجِهِ كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِيهِ ، فَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ " يُخَزِّنُ لِسَانَهُ إِلا مِمَّا يُعِينُهُمْ ، وَيُؤَلِّفُهُمْ وَلا يُفَرِّقُهُمْ . أَوْ قَالَ : يُنَفِّرُهُمْ ، وَيُكَرِّمُ كَرِيمَ كُلِّ قَوْمٍ ، وَيُوَلِّيهِ عَلَيْهِمْ ، وَيُحَذِّرُ النَّاسَ وَيَحْتَرِسُ مِنْهُمْ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْوِيَ عَنْ أَحَدٍ بِشَرِّهِ وَلا خُلُقِهِ ، يَتَفَقَّدُ أَصْحَابَهُ ، وَيَسْأَلُ عَمَّا فِي النَّاسِ ، فَيُحَسِّنَ الْحَسَنَ وَيُقَوِّيَهِ ، وَيُقَبِّحَ الْقَبِيحَ وَيُوهِنُهُ ، مُعْتَدِلَ الأَمْرِ غَيْرَ مُخْتَلِفٍ ، لا يَغْفُلُ مَخَافَةَ أَنْ يَغْفُلُوا أَوْ يَمِيلُوا ، لِكُلِّ حَالٍ عِنْدَهُ عَتَادٍ ، لا يَقْصُرُ عَنِ الْحَقِّ ، وَلا يَجُوزُهُ ، الَّذِينَ يَلُونَهُ مِنَ النَّاسِ خَيَارُهُمْ ، أَفْضَلُهُمْ عِنْدَهُ أَعَمُّهُمْ نَصِيحَةً ، وَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَحْسَنُهُمْ مُوَاسَاةً وُمُؤَازَرَةً " . قَالَ : فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَجْلِسِهِ ، فَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ " لا يَجْلِسُ ، وَلا يَقُومُ إِلا عَلَى ذِكْرٍ ، وَلا يُوطِنُ الأَمَاكِنَ وَيَنْهَى عَنْ إِيِطَانِهَا ، وَإِذَا انْتَهَى إِلَى قَوْمٍ جَلَسَ حِيثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ ، وَيَأْمُرُ بِذَلِكَ ، وَيُعْطِي كُلا مِنْ جُلَسَائِهِ بِنَصِيبِهِ ، فَلا يَحْسَبُ جَلِيسُهُ أَنَّ أَحَدًا أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ . مَنْ جَالَسَهُ أَوْ قَاوَمَهُ فِي حَاجَةٍ صَابَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُنْصَرِفُ ، وَمَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً لَمْ يَرُدَّهُ إِلا بِهَا ، أَوْ بِمَيْسُورٍ مِنَ الْقَوْلِ ، وَقَدْ وَسِعَ النَّاسَ مِنْهُ بَسْطُهُ وَخُلُقُهُ فَصَارَ لَهُمْ أَبًا ، وَصَارُوا عِنْدَهُ فِي الْحَقِّ سَواءً . مَجْلِسُهُ مِجْلِسُ حِلْمٍ وَحَيَاءٍ وَصَبْرٍ وَأَمَانَةٍ ، لا تُرْفَعُ عِنْدَهُ الأَصْوَاتُ ، وَلا تُؤَبْنُ فِيهِ الْحُرَمُ ، وَلا تُثْنَى فَلَتَاتُهُ . تَرَى جُلُسَاءَهُ مُتَعَادِلِينَ ، يَتَفَاضَلُونَ فِيهِ بِالتَّقْوَى ، مُتَوَاضِعِينَ ، يُوقِّرُونَ الْكَبِيرَ ، وَيَرْحَمُونَ الصَّغِيرَ ، وَيُؤْثِرُونَ ذَا الْحَاجَةِ ، وَيَحْفَظُونَ الْغَرِيبَ " . قَالَ : قُلْتُ : كَيْفَ سِيرَتُهُ فِي جُلَسَائِهِ ؟ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ " دَائِمَ السُّرُورِ ، سَهْلَ الْخُلُقِ ، لَيِّنَ الْجَانِبِ ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلا غَلِيظٍ ، وَلا صَخَّابٍ وَلا فَحَّاشٍ وَلا عَيَّابٍ وَلا مَدَّاحٍ . يَتَغَافَلُ عَمَّا لا يَشْتَهِي ، وَلا يُؤْيَسُ مِنْهُ ، وَلا يُجِيبُ فِيهِ . قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلاثٍ : الْمِرَاءِ ، وَالْإِكْثَارِ ، وَمَا لا يَعْنِيهِ ، وَتَرْكَ النَّاسَ مِنْ ثَلاثٍ : كَانَ لا يَذُمُّ أَحَدًا وَلا يُعَيِّرُهُ ، وَلا يَطْلُبُ عَثْرَتَهُ ، وَلا يَتَكَلَّمُ إِلا فِيمَا رَجَا ثَوَابَهُ ، إِذَا تَكَلَّمَ أَطرَقَ جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ ، وَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا . وَلا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ ، مَنْ تَكَلَّمَ أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ ، حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَوَّلِيَّتِهِمْ . يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونُ مِنْهُ ، وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ عَلَى الْجَفْوَةِ فِي مَنْطِقِهِ وَمَسْأَلَتِهِ حَتَّى إِنْ كَانَ أَصْحَابُهُ لَيَسْتَجْلِبُونَهُمْ ، وَيَقُولُ : إِذَا رِأَيْتُمْ طَالَبَ الْحَاجَةِ يَطْلُبُهَا فَأَرْفِدُوهُ . وَلا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلا مِنْ مُكَافِئٍ ، وَلا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَجُوزَهُ فَيَقْطَعَهُ بِنَهْيٍ أَوْ قِيَامٍ . قَالَ : قُلْتُ : كَيْفَ كَانَ سُكُوتُهُ ؟ قَالَ : كَانَ سُكُوتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ " عَلَى أَرْبَعٍ : الْحِلْمِ ، وْالْحَذَرِ ، وَالتَّقْدِيرِ ، وَالتَّفْكِيرِ . فَأَمَّا تَقْدِيرُهُ فَفِي تَسْوِيَتِهِ الْنَظَرَ بَيْنَ النَّاسِ ، وَاسْتِمَاعِهِ مِنْهُمْ . وَأَمَّا تَفْكِيرُهُ ، فَفِيمَا يَبْقَى وَيَفْنَى ، وَجُمِعَ لَهُ الْحِلْمُ فِي الصَّبْرِ ، فَكَانَ لا يَعْصِيهِ شَيْءٌ وَلا يَسْتَقِرُّهُ ، وَجُمِعَ لَهُ الْحَذَرُ فِي أَرْبَعٍ : أَخْذِهِ بِالْحُسْنَى لِيُقْتَدَى بِهِ ، وَتَرْكِهِ الْقَبِيحَ ليُنْتَهَى عَنْهُ ، وَاجْتَهَادِهِ الرَّأْيَ فِيمَا أَصْلَحَ أُمَّتَهُ ، وَالْقِيَامَ فِيمَا جَمَعَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ " .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرِ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ ، رَجُلٍ مِنْ قَيْسِ عِيلانَ ، أَنَّ رَجُلا اسْتَقْرَضَ مِنِ ابْنِهِ مَالا فَحَبَسَهُ ، فَأَطَالَ حَبْسَهُ ، فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ الابْنُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ ، فَقَالَ : هَذَا وَالِدِي حَقًّا وَمَا كُنْتُ بِهِ عَقًّا بَذَلْتُ الْمَالَ فِي رِفْقٍ وَمَا كُنْتُ بِهِ نَزْقًا فَلَمَّا خَفَّ مِنْ مَالِي وَقَدْ وَلَّيْتُهُ رِفْقًا تَوَلَّى مُعْرِضًا عَنِّي وَلَمْ يُعْطِنِي حَقًّا فَقَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْشَيْخِ : " قَدْ قَالَ ابْنُكَ فَمَاذَا تَقُولُ " ؟ قَالَ : قَالَ بُنَيَّ مَا تَرَى فَصَدِّقَهْ رَبَّيْتُهُ فِي صِغَرٍ أُفَيِّقَهْ طَوْرًا أُفَدِّيهِ وُطَوْرًا أُوَنِّقَهْ حَتَّى إِذَا شَبَّ وَسَوَّى مَفْرِقَهْ أَقْرَضَنِي مَالا لَهُ لأُنْفِقَهْ وَلَمْ أَكُنْ بِمَالِهِ لأَسْبِقَهْ لَولا الصِّبَا مِنَّا وَلَولا رَهَّقَهْ لَمْ يَخْشَنِي بِمَالِهِ أَنْ أَسْبِقَهْ فَاقْضِ الْقَضَا وَاللَّهُ رَبِّي يَرْزُقَهْ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ : قَدْ سَمِعَ الْقَاضِي وَمَنْ رَبِّي فَهِمْ الْمَالُ لِلْشَيْخِ جَزَاءً بِالنِّعَمْ وَقَدْ تَسَلَّفْتُ بِتَفْضِيلِ الْقِدَمْ يَأْكُلُهُ بِرُغْمِ أَنْفِ مَنْ رَغِمْ مَنْ قَالَ قَوْلا غَيْرَ ذَا فَقَدْ ظَلَمْ وَجَارَ فِي الْحُكْمِ وَبِئْسَ مَا صَرَمْ " .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَوَانَةَ بْنِ الْحَكَمِ : " إِنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ اسْتَعْمَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيَّ عَلَى الصَّائِفَةِ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : مَا تَصْنَعُ بِعَهْدِي يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ؟ قَالَ : أَتَّخِذَهُ إِمَامًا وَلا أَعْصِيهِ . قَالَ : ارْدُدْ عَلَيَّ عَهْدِي . قَالَ : تَعْزِلُنِي بَعْدَ أَنِ اسْتَعْمَلْتَنِي عَنْ غَيْرِ حَدَثٍ ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ إِنَّا بِمَكَّةَ عَلَى السَّوَاءِ لانْتَصَفْتُ مِنْكَ . قَالَ : وَيْحَكَ لَوْ كُنَّا بِمَكَّةَ عَلَى السَّوَاءِ لَكُنْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَلَكُنْتَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَلَكَانَ مَنْزِلِي بِالأَبْطَحِ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْوَادِي ، وَكَانَ مَنْزِلُكَ أَجْيَادًا أَسْفَلَهُ عَذِرَةٌ وَأَعْلاهُ مَدَرَةٌ . ثُمَّ قَالَ مُعَاوِيَةُ : عَلَيَّ بِسُفْيَانَ بْنِ عَوْفٍ الْغَامِدِيِّ ، فَكَتَبَ لَهُ عَهْدَهُ ثُمَّ قَالَ : يَا سُفْيَانُ مَا تَصْنَعُ بِعَهْدِي ؟ قَالَ : أَتَّخِذُهُ إِمَامًا مَا أَمَّ الْحَرَمَ ، فَإِذَا خَالَفَهُ خَالَفْتُهُ . قَالَ مُعَاوِيَةَ : هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي لا يُكَفْكَفُ عَنْ عَجَلَةٍ ، وَلا يُدْفَعُ فِي ظَهْرِهِ مِنْ بُطَاءٍ ، وَلا يُضْرَبُ عَلَى الأُمُورِ ضَرْبَ الْجَمَلِ الثّفَالِ ، سِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ . فَسَارَ فَهَلَكَ بِأَرْضِ الرُّومِ . وَاسَتَعْمَلَ عَلَى النَّاسِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ الْفَزَارِيَّ ، وَقَالَ لَهُ : إِنَّ ظَفْرًا عَظِيمًا وَغَنْمًا كَبِيرًا أَنْ يُرَجِعَ بِالْمُسِلِمِينَ لَمْ يُنْكَبُّوا وَكَانَتْ أَوَّلُ وَلايَةٍ وَلِيَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ . فَأَقْدَمَ بِالْمُسْلِمِينَ فَنُكِبُوا ، فَقَالَ الشَّاعِرُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : أَقِمْ يَا ابْنَ مَسْعَودٍ قَنَاةً قَوِيمَةً كَمَا كَانَ سُفْيَانُ بْنُ عَوْفٍ يُقِيمُهَا وَسِمْ يَا ابْنَ مَسْعُودٍ مَدَائِنَ قَيْصَرٍ كَمَا كَانَ سُفْيَانُ بْنُ عَوْفٍ يَسُومُهَا فَلَمَّا دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : أَقِمْ يَا ابْنَ مَسْعُودٍ قَنَاةً قَوِيمَةً فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ الشَّاعِرَ ضَمَّنِي إِلَى رَجُلٍ لا تُضَمُّ إِلَيْهِ الرِّجَالُ . فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : وَاللَّهِ إِنَّ مِنْ فَضِيلَتِكَ عِنْدِي مَعْرِفَتَكَ بِفَضْلِكَ " .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَاسِرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عُبَيْدَةَ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ : خَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ فِي غَزْوَةِ إِفْرِيقِيَّةَ ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ جُرْجِيرَ مَلِكِ الْغَرْبِ ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنَ الرُّومِ نَصْرَانِيٌّ ، وَكَانَ يُذْكَرُ بِعَقْلٍ ، قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ : لَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ مَنْ يُكَلِّمُهُ ، فَبَعَثَنِي وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ : وَأَنَا أَسَنُّ الْقَوْمِ ، فَلَمَّا جِئْنَا وُضِعَتْ لَنَا وَسَائِدُ وَإِذَا الصُّلْبُ حَوْلَهَا ، فَجَاءَ الْقَوْمُ وَلَيْسَ هُنَاكَ جُرْجِيرُ ، فَجَلَسُوا دُونَ الصُّلْبِ ، وَأَبَوْا أَنْ يَجْلِسُوا وَهِيَ حَوْلَهُمْ ، فَجِئْتُ وَجَلَسْتُ عَلَى تِلْكَ الْوَسَائِدِ وَالصُّلْبُ حَوْلِي ، وَجُرْجِيرُ يَنْظُرُ إِلَيْنَا مِنْ مَنْظَرٍ لا نَرَاهُ ، فَمَكَثْنَا سَاعَةً ، ثُمَّ أُذِنَ لَنَا جَمَاعَةً ، فَعَجِلَوا يُزَاحِمُونَنِي عَلَى الْمَدَخِلِ فَتَأَخَرْتُ عَنْهُمْ ، حَتَّى كُنْتُ وَرَاءَهُمْ ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ وَدَخَلْنَا ، وَلِي جَمَالٌ لَيْسَ لَهُمْ ، نَظَرَ إِلَيَّ فَرَمَانِيٍّ بِطَرْفِهِ فَلَمْ يَبْرَحْ يَتَطرَّحُ بِنَظَرِهِ إِلَيَّ حِينَ جَلَسْتُ دُونَهُمْ ، وَهُمْ أَقْرَبُ إِلَيْهِ ، فَرَأَوْا نَظَرَهُ ، فَرَابَهُمْ بِذَلِكَ فِي أَمْرِهِ ، فَانْتَحَى ابْنُ الزُّبَيْرِ فَبَدَأَ بِالْكَلامِ ، وَالتَّرْجُمَانُ وَجُرْجِيرُ يَفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا ، وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ يَنْظُرُ إِلَيَّ وَيَرْمُقُنِي ، فَلَمَّا فَرَغَ ابْنُ الزُّبَيْرِ تَكَلَّمَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ فَقَالَ : أَأَتَكَلَّمُ ؟ فَقُلْتُ : تَكَلَّمْ مَا بَدَا لَكَ . فَتَكَلَّمَ ثُمَّ أَقْبِلَ عَلَيَّ التَّرْجُمَانُ ، فَقَالَ : مَا تَقُولُ أَنْتَ يَا عَرَبَيُّ ؟ قُلْتُ : مَا أَقُولُ إِلا مَا قَالُوا ، فَلْيُجِبْ صَاحِبُكَ مَا بَدَا لَهُ ، وَقَدْ دَعُوهُ . فَقَالَ : أَخْبِرُونِي عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي أَرَاهُ أَسَنَّكُمْ وَأَجْمَلَكُمْ ، وَأَرَاكُمْ تُقَدِّمُونَهُ ، أَمَوْلاكُمْ هُوَ ؟ قَالُوا : لا وَاللَّهِ بَلْ هُوَ مِنَّا مِنْ أَنْفُسِنَا . قَالَ : فَضَعِيفٌ هُوَ فَلا تَثِقُونَ بِعَقْلِهِ ؟ فَلِمَ أَرْسَلْهُ مَلِكُكُمْ ؟ قَالُوا : لا وَاللَّهِ بَلْ هُوَ عَاقِلٌ . قَالَ : فَمَا أَنْتُمْ بِحُلَمَاءٍ ، هُوَ أَحَدُكُمْ ، وَلَهُ عَقْلٌ مثل عُقُولِكُمْ ، وَهُوَ أَجْمَلُكُمْ وَأَسَنُّكُمْ ، وَمَلِكُكُمُ الَّذِي أَرْسَلَكُمْ أَضْعَفُ مِنْكُمْ . وَهُوَ يَعْرِفُ هَذَا مِنْكُمْ . فَسَكَتُوا ، فَقُلْتُ لِلتَّرْجُمَانِ : قُلْ لِصِاحِبِكَ أَجِبْنَا بِمَا تُرِيدُ فَنَحْنُ أَعْلَمُ بَأَمْرِنَا ، وَبِمَا نَصْنَعُ بَيْنَنَا . قَالَ : يَقُولُ الْمَلِكُ : حِلْمُكَ هَذَا يَزِيدُنِي بَصِيرَةً فِي حُمْقِ أَصْحَابِكَ . فَرَطَنَ الْمَلِكُ ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا التَّرْجُمَانُ ، فَقَالَ : الْمَلِكُ يَقُولُ مَا يَمْنَعُنِي مِنْ جَوَابِكُمْ إِلا أَنَّا لا نَضَعُ جَوَابَنَا إِلا فِي مَوْضِعِهِ ، أَخْبِرُونِي : أَيُّكُمْ أَقْرَبُ بِالْمَلِكِ الأَكْبَرِ ؟ قَالُوا : هَذَا ، لِمَرْوَانَ . قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالُوا : هَذَا ، لابْنِ الزُّبَيْرِ . قَالَ : فَأَيُّكُمْ أَقْرَبُ بِنَبِيِّكُمْ وَأَسَنُّكُمْ وَأَجْمَلُكُمْ ؟ قَالُوا : هَذَا . قَالَ : يَقُولُ الْمَلِكُ : هُوَ أَقْرَبُكُمْ بِنَبِيِّكُمْ وَأَسَنُّكُمْ وَأَجْمَلُكُمْ ، وَجَلَسْتُمْ فَوْقَهُ ، وَتَقَدَّمْتُمْ قَبْلَهُ ! لا تَلْبِثُونَ إِلا قَلِيلا حَتَّى يَتَفَرَّقَ أَمْرَكُمْ ، لا أُرَاجِعُكُمْ بِشَيْءٍ حَتَّى يَتَقَدَّمَ إِلَيَّ وَيَتَكَلَّمَ وَتَتَكَلَّمُونَ بَعْدَهُ . فَقَالَ لِي الْقَوْمُ : تَقَدَّمْ يَا أَبَا الْعَبَّاسِ ، وَتَكَلَّمْ حَتَّى نَنْظُرَ مَا يَرْجِعُ إِلَيْنَا وَيَقُولُ لَنَا . فَقُلْتُ لِلتَّرْجُمَانِ : أَجِبْ صَاحِبَكَ إِنِّي لا أَقُومُ مِنْ مَجْلِسِي ، وَلا أُعِيهِ كَلامِي ، وَلا أَبْتَدِي أَصْحَابِي . قَالَ : فَلا أُكَلِّمُكُمْ كَلِمَةً . قَدْ قُلْتُ : لا أَفْعَلُ . فَهَلْ أَنْتَ يَا رَجُلُ مُعْتَزِلِيَّ حَتَّى أَلْقَاكُمْ ، فَإِنِّي لا أُحِبُ أُصِيبُكَ . قَالَ : قُلْتُ : مَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَعْتَزِلَكَ . قَالَ : أَتَتَقَبَّلُ كَرَامَتِي مِنْ بَيْنِهِمْ ؟ قَالَ : قُلْتُ : لا ، إِلا أَنْ تُكْرِمَهُمْ مِثْلِي . قَالَ : هَلْ أَحَدٌ أَقْرَبُ بِنَبِيِّكَ مِنْكَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، فَفَرِحَ بِذَلِكَ وَقَالَ : مَنْ ؟ قُلْتُ : أَبِي . قَالَ : وَحَيٌّ هُوَ أَبُوكَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : مَا هُوَ مِنْ نَبِيِّكُمْ ؟ قَالَ : عَمُّهُ . فَفَسَّرَ لَهُ التَّرْجُمَانُ كَيْفَ الْعَمُّ ومَنِ ابْنُهُ . قَالَ : فَمَا شَأْنُ الْمَلِكِ غَيْرِهِ ؟ قُلْتُ : كَانَ هَذَا الْمَلِكُ وَاللَّذَانِ قَبْلَهُ خَرَجُوا مَعَ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، حِينَ خَرَجَ مِنْ أَرْضِهِ ، وَلَمْ يَخْرُجْ أَبِي ، وَنَحْنُ نَرَى لِذَلِكَ فَضْلا ، وَتَقدَّمَ مَنْ كَانَ ذَلِكَ . قَالَ : بِئْسَمَا صَنَعْتُمْ ، وَلا يَصْلُحُ أَمْرَكُمْ أَبَدًا ، حَتَّى يَخْرُجَ إِلَيَّ أَهْلُ بَيْتِ النَّبيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، قُومُوا وَلا أُرَاجِعُكُمْ بِكَلَمَةٍ مِمَّا تُرِيدُونَ إِلا أَنْ تُخْبِرَنِي مَا شَأنُكَ ، جَلَسْتَ بَيْنَ الصُّلْبِ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِكَ وَأَنْتَ عَدُوٌ لَهَا ، وَاجْتَنَبَهَا أَصْحَابُكَ ؟ قُلْتُ : لَمْ يُسِيئُوا بِمَا صَنَعُوا ، وَلَمْ أُسِئْ أَيْضًا ، أَمَّا هُمْ فَتَأَذَّوْا بِهَا ، وَأَمَّا أَنَا فَعَلِمْتُ مَجْلِسِي لا يَضُرُّ دِينِي ، وَلَسْتُ مِنَهَا ، وَلَيْسَتْ مِنِّي . قَالَ : مَا يَنْبَغِي إِلا أَنْ تَكُونَ حَبْرَ الْعَرَبِ . فَسُمِّيَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْحَبْرَ " .
حُدِّثْتُ عَنِ حُدِّثْتُ عَنِ ابْنِ دَأْبٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ ذَكْوَانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَتْ : " كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ عَائِشَةَ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، فَإِنِّي لَعِنْدَهَا إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مُعَتَّمٌ ، عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ ، فَقَالَ : قُتِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهَ السَّلامُ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : فَإِنْ تَكُ نَاعِيًا فَلَقَدْ نَعَاهُ نَعِيٌّ لَيْسَ فِي فِيهِ التُّرَابُ ثُمَّ قَالَتْ : مَنْ قَتَلَهُ ؟ قَالُوا : رَجُلٌ مِنْ مُرَادٍ . قَالَتْ : رُبَّ قَتِيلِ اللَّهِ بِيَدَيْ رَجُلٍ مِنْ مُرَادٍ . قَالَتْ زَيْنَبُ : فَقُلْتُ : سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَتَقُولِينَ مثل هَذَا لَعَلِيٍّ فِي سَابِقَتِهِ وَفَضْلِهِ ؟ فَضَحِكَتْ ، وَقَالَتْ : بِسْمِ اللَّهِ إِذَا نَسَيْتُ فَذَكِّرِينِي " .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِيِ بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمٍ ، قَالَ : حَضَرَ قَوْمٌ مِنْ قُرَيشٍ مَجْلِسَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ أَمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ هَاشِمٍ ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ : احْمَدُوا اللَّهَ يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ ، إِذْ جَعَلَ وَالِيَ أُمُورِكُمْ مَنْ يُغْضِي عَلَى الْقَذَى ، وَيَتَصَامُّ عَلَى الْعَوْرَاءِ ، وَيَجُرُّ ذَيْلَهُ عَلَى الْخَدَائِعِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ : لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمَشَّيْنَا إِلَيْهِ الضَّرَّاءَ وَدَبَّيْنَا لَهُ الْخَمْرَ ، وَقَلَبْنَا لَهُ ظَهَرَ الْمِجَنِّ ، وَرَجَوْنَا أَنْ يَقُومَ بَأَمْرِنَا أَمْرٌ ، وَلا يُطْعِمُكَ مَالُ مُضَرَ ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ حَتَّى مَتَى لا تُنْصَفُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ . فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : إِنَّ عَمْرًا وَذَوِيهِ أَفْسَدُوكَ عَلَيْنَا ، وَأَفْسَدُونَا عَلَيْكَ ، مَا كَانَ عَلَيْكَ لَوْ أَغْضَيْتَ عَلَى هَذَا ؟ قَالَ : إِنَّ عَمْرًا نَاصِحٌ لِي . قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : أَطْعِمْنَا مثل مَا أَطْعَمْتَهُ ، ثُمَّ خُذْنَا بِمِثْلِ نَصِيحَتِهِ ، إِنَّا يَا مُعَاوِيَةُ رَأَيْنَاكَ تَضْرِبُ عَوامَّ قُرَيشٍ فِي خَوَاصِّهَا ، كَأَنَّكَ تَرَى كِرَامِهَا حَازُوكَ دُونَ لِئَامِهَا ، وَايْمُ اللَّهِ إِنَّكَ تُفْرِغُ مِنْ وِعَاءِ فَمٍ فِي إِنَاءٍ ضَخْمٍ ، وَلَكَأَنَّكَ بِالْحَرْبِ قَدْ حُلَّ عِقَالُهَا عَلَيْكَ ، ثُمَّ لا يُنْظُرُ لَكَ . قَالَ مُعَاوِيَةُ : يَا ابْنَ أَخِي مَا أَحْوَجَ أَهْلَكَ إِلَيْكَ ، يَقُولُ : لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ قُتِلْتُ . ثُمَّ أَنْشَدَ مُعَاوِيَةُ : أَغَرَّ رِجَالا مِنْ قُرَيشٍ تَتَابَعُوا عَلَى سَفَهٍ مِنِّي الْحَيَا وَالتَّكَرُّمُ " .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ الْجُمَحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهَمْدَانِيُّ ، قَالَ : دَخَلَ أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ الْكِنَانِيُّ عَلَى مُعَاوِيَةَ ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ : أَبَا الطُّفَيْلِ . قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَلَسْتَ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ ؟ ، قَالَ : لا ، وَلَكِنَّنِي مِمَّنْ حَضَرَهُ فَلَمْ يَنْصُرْهُ . قَالَ : وَمَا مَنَعَكَ مِنْ نَصْرِهِ ؟ قَالَ : لَمْ يِنْصُرْهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ . قَالَ مُعَاوِيَةُ : أَمَا لَقَدْ كَانَ حَقُّهُ وَاجِبًا ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْصُرُوهُ . قَالَ : فَمَا مَنَعَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نَصْرِهِ ، وَمَعَكَ أَهْلُ الشَّامِ ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : أَمَا طَلَبِي بِدَمِهِ نُصْرَةٌ لَهُ ؟ فَضَحِكَ الطُّفَيْلُ ، وَقَالَ : أَنْتَ وَعُثْمَانُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : لا أَلْفَيَنَّكَ بَعْدَ الْمَوْتِ تَنْدُبُنِي وَفِي حَيَاتِيَ مَا زَوَّدْتَنِي زَادِي فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : يَا أَبَا الطُّفَيْلِ ، مَا أَبْقَى الدَّهْرُ مِنْ ثَكْلِكَ عَليًّا ؟ قَالَ : ثَكْلُ الْعَجُوزِ الْمِقْلاتِ ، وَالشَّيْخِ الرَّقُودِ . قَالَ : كَيْفَ حُبُّكَ لَهُ ؟ قَالَ : حُبُّ أُمِّ مُوسَى لِمُوسَى ، وَإِلَى اللَّهِ أَشْكُو التَّقْصِيرَ " .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الأَثْرَمُ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى ، قَالَ : لَمَّا ادَّعَى مُعَاوِيَةُ زِيَادًا ، وَآثَرَ عَمْرَو بْنِ الْعَاصِ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَقَرَّبَهُمَا دُونَهُمْ جَزِعَ بَنُو أُمَيَّةَ مِنْ ذَلِكَ جَزَعًا شَدِيدًا ، وَاجْتَمَعُوا فِي ذَلِكَ ، فَأَتَوْا مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فِي بَيْتِهِ ، وَقَدْ كَتَبَ لَهُ مُعَاوِيَةُ عَهْدَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْبِرَ يَوْمَهُ ذَلِكَ . فَقَالَ الْقَوْمُ : يَا مَرْوَانُ ، إِنَّكَ شَيْخُنَا وَكَبِيرُنَا ، وَقَدْ تَرَى مَا رَكِبَنَا مُعَاوِيَةُ مِنْ أَمْرٍ لَيْسَ لَنَا عَلَيْهِ صَبْرٌ وَلا قَرَارٌ ، وَلا يَنَامُ عَنْ مِثْلِهِ الأَحْرَارُ ، إِدْخَالُهُ فِينَا مَنْ لَيْسَ مِنَّا ، يُرِيدُ أَنْ يُدْخِلَهُ عَلَى حُرُمِنَا وَنِسَائِنَا ، وَقَدِ اجْتَمَعَ رَأْيُنَا عَلَى أَنْ تَأْتِيَهُ فَتُعَاتِبَهُ . فَإِنْ رَجَعْ قَبِلْنَا ، وَإِنْ أَبَى اعْتَزَلْنَا . فَقَالَ مَرْوَانُ : قَدْ وَاللَّهِ كَلَّمْتُهُ فِي هَذَا الأَمْرِ غَيْرَ مَرْةٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى شَيْءٍ مِمَّا أُحِبُّ ، بَلْ يُظْهِرُ لِي التَّعَتُّبَ وَالتَّغَضُّبَ ، وَيَزْعُمُ أَنِّي فِي هَذَا الأَمِرِ أَوْحَدُ . فَقَالَ لَهُ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ : يَا مَرْوَانُ ، بَلْ وَاللَّهِ تُحَامِي عَلَى عَهْدِكَ . فَقَالَ مَرْوَانُ : وَاللَّهِ لَصَلاحُكُمْ فِي فَسَادِ عَهْدِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ فَسَادِكُمْ فِي صَلاحِ عَهْدِي . فَأْتُوهُ فِإِنَّهُ رَجُلٌ لَهُ إِرَبٌ وَنَظَرٌ ، فَكَلِّمُوهُ بِمِلْءِ أَفْوَاهِكُمْ . قَالَ : فَانْطَلَقَ الْقَوْمُ فَاسْتَأْذَنُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ ، فَأَذِنَ لَهُمْ ، فَسَلَّمُوا ، فَأَحْسَنَ الرَّدَّ ، وَكَانَ فِيمَا قَالَ : أَهَلا وَسَهْلا ، قَرَّبَ اللَّهُ الدِّيَارَ وَأَدْنَى الْمَزَارَ . أَزِيَارَةٌ فَتُحْظَى ؟ أَمْ حَاجَةٌ فَتُقْضَى ؟ أَمْ سَخْطَةٌ فَتُرْضَى ؟ فَقَالَوا : كَلا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ . قَالَ : هَاتُوا فَجَلَسَ الْقَوْمُ ، وَمَثَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ بَيْنَ يَدَيِهِ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، جَاءَتْكَ عِصَابَةٌ مِنْ رَهْطِكَ ، وَأَحْرَارٌ مِنْ أُسْرَتِكَ ، كُلُّهُمْ عَارِفٌ بِفَضْلِكَ ، رَاعٍ لِحَقِّكَ ، تَابِعٌ لأمْرِكَ ، رَافِعٌ لِذِكْرِكَ ، فِي أَمْرٍ سِتْرُهُ خَيْرٌ مِنْ نَشْرِهِ ، وَتَرْكُهُ خُيرٌ مِنْ ذِكْرِهِ ، لِعِظَمِ الْبَلِيَّةِ وَالْخَطِيئَةِ وَاللأْوَاءِ ، وَالْبَلْوَى وَالآفَاتِ وَالْعَاهَاتِ ، وَاعْلَمْ أَنَّا لَمْ نَأْتِكَ تَجَنِّيًا ، وَلا تَجَرُّمًا ، وَلا تَعتُّبًا . بَلْ جِئْنَاكَ فِي أَمْرٍ قَدْ عَجَزَتْ عَنْ حَمْلِهِ الْجُنُوبُ ، وَضَاقَتْ بِهِ الْقُلُوبُ ، وَكَرِهْنَا أنْ نَطْوِيَهُ عَنْكَ ، فَيَثْبُتَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِنَا ، مَا لا يُحْصَدُ لإِبَّانِهِ ، وَلا يَبِيدُ لِزَمَانِهِ ، فَإِنْ تَأذَنْ قَبِلْنَا ، وَإِنْ تَأْبَ صَمَتْنَا ، مَعَ أَنَّكَ إِنْ رَجَعْتَ إِلَى مَا نُحِبُّ حَمَدْنَا وَشَكَرْنَا ، وَإِنْ تَأْبَ ذَلِكَ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا . فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : هَاتِ لِلِّهِ أَبُوكَ . قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ وَلَدَ عَشْرَةً ذُكُورًا ، وَلَدَ حَرْبًا وَأَبَا حَرْبٍ ، وَسُفْيَانَ وَأَبَا سُفْيَانَ ، وَعَمْرًا وَأَبَا عَمْرٍو ، وَالْعَاصِيَ وَأَبَا الْعَاصِي ، وَالْعِيصَ وَأَبَا الْعِيصِ ، لَمْ يَلِدْ عُبَيْدًا عَبْدَ ثَقِيفٍ ، وَلا الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ ، وَقَدْ جَعَلْتَهُمَا شِعَارَكَ دُونَ دِثَارِكَ ، بَلْ سِرْبَالَكَ دُونَ إِزَارِكَ ، بَلْ نَفْسَكَ بَيْنَ جَنْبَيْكَ ، ثُمَّ لَمْ تَرْضَ لابْنِ عُبَيْدٍ حَتَّى جَعَلْتَهُ ابْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَضِيهَةً لِأَبِيكَ ، وَازْدِرَاءً بِبَنِيكَ ، وَمَعَ أَنَّ فِي ذَلِكَ السَّخْطَةَ مِنْ رَبِّكَ ، وَالْمُخَالَفَةَ لِنَبِيِّكَ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذْ قَضَى بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرَ ، فَقَضَيْتَ أَنْتَ بِالْوَلِدِ ، ثُمَّ نَسَبْتَ أَبَاكَ عَاهِرًا ، وَكَانَ غَنِيًّا عَنْ ذَلِكَ ، فَشَهَرْتَ أَمْرًا كَانَ مَسْتُورًا ، وَرَفَعْتَ أَمْرًا كَانَ حَقِيرًا ، تُرِيدُ أَنْ تُدْخِلَهُ عَلَى حُرُمِكَ ، وَتَمْنَحَ وَلَدَهْ غدًا نِسَاءَكَ . ثُمَّ قَالَ : أَتَرْضَى يَا مُعَاوِيَةُ بْنَ حَرْبٍ بَأَنْ تَحْبُو كَرَائِمُكَ الْعَبِيدَا كَأَنِّي وَالَّذِي أَصْبَحْتُ عَبْدًا لَهُ بِالْقَوْمِ قَدْ شَرَكُوا يَزِيدَا فَإِنْ تَرْجِعْ فَمَثْلُكَ زَادَ خَيْرًا وَإِنْ تَأبَ فَلَمْ تُطِعِ الرَّشِيدَا وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، فَإِنَّكَ أَلْزَمْتَ نَفْسَكَ الْحَاجَةَ إِلَيْهَ ، فَأَلْزَمَ نَفْسَهُ الْغِنَى عَنْكَ ، وَايْمُ اللَّهِ لَنَحْنُ أَنْصَعُ جُيُوبًا ، وَأَقَلُّ عُيُوبًا ، وَأَمَسُّ رَحِمًا ، وَأَوْجَبُ حَقًّا مِنْهُ ، وَمَا مَنْ أَمْرٍ يَبْلُغُ فِيهِ بِنَا عَنْهُ تَقْصِيرٌ ، غَيْرَ أَنَّكَ رَفَعْتَ الْمَرْءَ فَوْقَ قَدْرِهِ ، فَطَغَى عَلَيْنَا بِفَخْرِهِ ، وَزَخَرَ بِبَحْرِهِ ، حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ شَيْءٌ وَليسَ بِشَيْءٍ . وَإِنَّكَ وَإِيَّاهُ وَإِيَّانَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ الأَوَّلُ : مِنَ النَّاسِ مَنْ يَصْلُ الأَبْعَدِينَ وَيَشْقَى بِهِ الأَقْرَبُ الأَقْرَبُ ثُمَّ قَامَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ أَصْدَقُهُ ، وَأَشَدَّ الْقَوْلِ أَمْلَقُهُ ، وَإِنَّ الْحَقَّ الأَبْلَجَ أَقْوَمُ إِلَى طَرِيقِ النَّهْجِ ، وَإِنَّكَ قَدْ أُتِيتَ أَمْرًا عَظِيمًا نَاهِيًا مُتَبَايِنًا ، تَتَابَعْتَ فِيهِ ، وَرَكِبْتَ فِي ذَلِكَ عَقَبَةً كَئُودًا ، صَيْخَدًا صَيْخُودًا ، فِي تَنَائِفَ لا يُهْتَدَى فِيهِا بِدَلِيلٍ ، وَلا يُؤَمُّ فِيهَا قَصْدُ السَّبِيلِ ، قَصَّرْتَ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِكَ ، وَأَزْرَيْتَ بِأَبِيكَ ، فَإِنْ تَرْجِعْ قَبِلْنَا ، وَإِنْ تَأْبَ غَضِبْنَا ، فَارْجِعْ إِلَى اللَّهِ ، تَبَارَكَت أسْمَاؤُهُ ، وَانْظُرْ مَا الَّذِي أَقْدَمْتَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّكَ عَمَدْتَ إِلَى امْرِئٍ لا رَحِمَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ ، وَلا هَوَادَةَ ، وَإِنَّمَا عَهْدُكَ بِهِ بِالأمْسِ وَهُوَ عَامِلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، يَلْعَنُكَ وَيَلْعَنُ أَبَاكَ ، وَأَهْلَ بَيْتِكَ عَلى الْمِنْبَرِ ، يَتَأَوَّلُ فِينَا الْقُرْآنَ ، وَيَقُولُ الْبُهْتَانَ ، وَقَدْ كُنْتَ تَخْتَزِي مِنْ ذَلِكَ ، إِذَا عَظَّمْتَهُ أَنْ تَجْعَلَهُ وَزِيرًا وَخُلْصَانًا فَلا يُعَابُ ذَلِكَ عَلَيْكَ ، وَلا يُنْسَبُ الْخَطَأُ إِلَيْكَ ، فَلَمْ يَرْضَ حَتَّى نَسَبْتَهُ إِلَى أَبِي سُفْيانَ إِلَى نَسَبٍ . إِنْ يُقْبَلْ مِنْكَ عُيِّرْتَ بِهِ آخِرَ دَهْرِكَ ، وَإِنْ رُدَّ عَلَيْكَ أُزْرِيتَ بَهِ ، وَصَدَّقْتَ فِي ذَلِكَ قُولَ الشَّاعِرِ ، حَيْثُ يَقُولُ : أَلا أَبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ مُغَلْغَلَةً مِنَ الرَّجُلِ الْيَمَانِي أَتَغْضَبُ أَنْ يُقَالَ أَبُوَكَ عَفٌّ وَتَرْضَى أَنْ يُقَالَ أَبُوكَ زَانِ فَأَشْهَدُ أَنَّ رَحْمَكَ مِنْ زِيَادٍ كَرَحْمِ الْفِيلِ مِنْ وَلَدِ الأَتَانِ وَايْمُ اللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَقَدْ تَفَخَّذُوا نَسَاءَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ بَنَسَبِ أَبِي سُفْيَانَ ، فَهَذَا مَا وَصَلْتَ بِهِ كَرَائِمَكَ مِنْ بِعْدِكَ ، وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَإِنَّكَ آثَرْتَهُ عَلَيْنَا ، وَأَدْنَيْتَهُ دُونَنَا ، وَنَحْنُ فِي حَالٍ وَعَمْرٌو فِي أُخْرَى ، أَمَّا نَحْنُ فَنُعَامِلُ النَّاسَ بِالْوَفَاءِ وَالْحَياءِ ، وَعَمْرٌو يُعَامِلُ النَّاسَ بِالْمَكْرِ وَالْخِدَاعِ ، وَمَنْ كَانَ ذَلِكَ فَلا وَفَاءَ لَهُ ، وَقَدْ تَبَيَّنَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ غِشُّهُ إِيَّاهُ فِي بَعْضِ الْحَالاتِ ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِمَنْ غَشَّ أَوَّلا أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ آخِرًا . ثُمَّ دَخَلَ مَرْوَانُ عِنْدَ جِلُوسِ الْقَوْمِ ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : هِيهِ يَا مَرْوَانُ ، أَعَنْ رَأْيكَ صَدَرَ هَؤُلاءِ حَتَّى أَسْمَعُونِي مَا أَكْرَهُ ؟ قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، هَلْ تَدْرِي مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُكَ ؟ قَالَ : هَاتِ تَخْطِيطًا كَتَخْطِيطِ أَصْحَابِكَ . قَالَ : إِنَّ عَديَّ بْنَ زَيْدٍ الْعَبَّادِيَّ نَصَحَ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ ، وَقَدَّمَهُ عَلَى إِخْوَتِهِ ، وَأَشَارَ عَلَى كِسْرَى بِوِلايَتِهِ ، فَكَانَ جَزَاؤُهُ مِنْهُ أَنْ حَبَسَهُ فِي السِّجْنِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ وَهُوَ مَحْبُوسٌ : أَبَا مُنْذِرٍ جَازَيْتَ بِالْوِدِّ بُغْضَةً فَمَاذَا جَزَاءُ الْمُبْغَضِ الْمُتَبَغَّضِ مُجَازَاتُهُ فِي ذَا الْمِثَالِ كَرَاهَةٌ وَلَسْتُ لِشيءٍ بَعَدُ بِالْمُتَعَرِّضِ وَاعْلَمْ أَنَّا غَيْرُ مُتَعَرِّضِينَ لِشَيْءٍ مِنْ مُعَاتَبَتِكَ فِي هَذَا الأَمْرِ بَعْدَ الْيَوْمِ ، فَإِنْ تَرْجِعْ قَبِلْنَا ، وَإِنْ تَأْبَ سَخِطْنَا ، مَعَ أَنَّكَ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ قَدَرْتَ أَنْ تَتَكَثَّرَ بِالذَّبْحِ عَلَى آلِ أَبِي الْعَاصِ لَفَعَلْتَ ، تَوَحُّشًا مِنْكَ لِعَدَدِهِمْ ، وَتَكَرُّهًا مِنْكَ لِجَمْعِهِمْ ، وَتَبَرُّمًا مِنْكَ بِهِمْ . وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ جَزَاؤُهُمْ مِنْكَ . لَقَدْ آثَرُوكَ وَأَكْرَمُوكَ . فَمَا كَافَيْتَ ، وَلا جَازَيْتَ ، وَلا آسَيْتَ . ثُمَّ جَلَسَ مَرْوَانُ ، وَقَامَ مُعَاوِيَةُ فَدَخَلَ الْمَنْزِلَ ، وَأَطَالَ الْمُكْثَ ، ثُمَّ خَرَجَ قَاطِبًا مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، يَمْسَحُ عَارِضَيْهِ ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَى سَرِيرِهِ ، وَاسْتَقْبَلَ الْقَوْمَ ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ : أَمَا وَالَّذِي نَادَى مِنَ الطُّورِ عَبْدَهُ نِدَاءً سَمِيعًا فَاسْتَجَابَ وَسَلَّمَا لَقَدْ كِدْتُ لَوْلا اللَّهُ لا شَيْءَ غَيْرُهُ تَبَارَكَ رَبِّي ذُو الْعُلا أَنْ أُصَمِّمَا وَلَكِنَّنِي رُوِّيتُ فِي الْحِلْمِ وَالنُّهَى وَقَدْ قَالَ فِيهِ ذُو الْمَقَالِ فَأَحْكَمَا وَايْمُ اللَّهِ ، مَعَ ذَلِكَ لَقَدْ قَطَعْتُمْ مِنْ زِيَادٍ رَحِمًا قَرِيبَةً ، وَنَفْسًا حَبِيبَةً ، وَقُلْتُمُ الْبُهْتَانَ فِي غَيْرِ مَا تَثَبُّتٍ وَلا بَيَانٍ ، وَإِنِّي لَعَلَى يَقِينٍ مِنْ أَمْرِي ، وَلَقَدْ وَضَعَ اللَّهُ مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْبَغْيِ وَالْحَمِيَّةِ ، وَطلَبِ التِّرَاتِ ، وَذِكْرِ قَبِيحِ الأُمَّهَاتِ . فَسَفْكُ الدِّمَاءِ ، وَالشِّرْكُ بِرَبِّ السَّمَاءِ ، أَعْظَمُ مِمَّا كَانَ فِيهِ أَبُو سُفْيَانَ . وايْمُ اللَّهِ ، مَا إِيَّاهُ رَاقَبْتُمْ ، وَلا لِي نَظَرْتُمْ ، بَلْ أَدْرَكَكُمُ الْحَسَدُ الْقَدِيمُ لِبَنِي حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ . وَإِنَّ نَفْسِي لَتُؤَامِرُنِي أَنْ أُقِيمَ فِيكُمْ حَدَّ اللَّهِ ، وَمَا أَرَاهُ يَسَعُنِي غَيْرُ ذَلِكَ . وَلَئِنْ عُدْتُمْ إِلَى مَا أَرَى ، وَجَاءَنِي مِنْ وَرَاءِ مَا أَكْرَهُ ، لأَنْهَلَنَّكُمْ صَابًا ، ثُمَّ لأُعِلَنَّكُمْ عَلْقَمًا ، ثُمَّ لأُورِدَنَّكُمْ حِيَاضًا مَرِيرًا طَعْمُهَا ، ثُمَّ لا تُتْرَكُونَ بِغَيْرِ كَرْعِهَا ، وَإِنْ جَاءَكُمُ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ، حَتَّى تَعْلَمُوا مَعَ طُولِ حِلْمِي ، أَنْ قَدْ مُنِيتُمْ بِمَنْ إِنْ حَزَّ قَطَعَ ، وَإِنْ هَزَّ أَوْجَعَ ، ثُمَّ لا تُقَالُ لَكُمْ عِنْدِي الْعَثَرَاتُ ، وَلا تُعْفَا لَكُمُ السَّيِّئَاتُ ، ثُمَّ لَيُسْتَصْعَبَنَّ عَلَيْكُمْ مِنِّي مَا كَانَ سَهْلا ، وَلَتَتْرُكُنَّ مَا كَانَ هَيَّنًا . فَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ أَنِّي أَصَبْتُ السُّلْطَانَ وَالْمُلْكَ بَحَقِّكُمْ وَنِسْبَتِكُمْ ، فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ يَا آلَ الْعَاصِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، قُتِلَ وَأَنْتُمْ حُضُورٌ وَأَنَا غَائِبٌ ، فَوَاللَّهِ مَا كَانَ فِيكُمْ مَنْ مَدَّ بَاعًا ، وَلا بَسَطَ ذِرَاعًا ، بَلْ أَسْلَمْتُمُوهُ لِلْحُتُوفِ ، وَشِمْتُمْ مِنْ بَعْدِهِ السِّيُوفَ ، فَمَا نَصَرْتُمُوهُ ، وَلا آسَيْتُمُوهُ ، وَلا مَنَعْتُمُوهُ بُأَكْثَرَ مِنَ الَّكَلامِ ، فَمَا أَبْلَيْتُمْ فِي ذَلِكَ عُذْرًا ، وَلا أَلْهَبْتُمْ نَارًا . وَإِنْ جَمِيعَ مَنْ أَلَّبَ عَلَيْهِ وَأَجْلَبَ لَسَبَبِكُمْ ، وَإِيثَارِهِ إِيَّاكُمْ ، وَبِذَلِكَ قُطِعَتْ أَوْدَاجُهُ عَلَى أَثْبَاجِهِ ، وَسُفِكَ دَمُهُ ، وَاسْتُحِلَّتْ حُرْمَتُهُ ، فَمَا شَبَّبْتُمْ نَارًا ، وَلا طَلَبْتُمْ ثَارًا ، حَتَّى كُنْتُ أَنَا الطَّالِبَ بِالتِّرِاتِ ، الْمُثْكِلَ لِلأُمَّهَاتِ ، وَلَقَدْ مُنِيتُ فِي الطَّلَبِ بَدَمِهِ بِحَرْبِ امْرِئٍ لا تَخُورُ قَنَاتُهُ ، وَلا تَنْصَدِعُ صِفَاتُهُ ، مَنْ إِنْ فُزِّعْتُ لَمْ يَفْزَعْ . وَإِنْ أُطْعِمْتُ لَمْ يَطْمَعْ ، مَنْ لا يُطمَعُ فِي قَرَارِهِ ، وَلا يُنامُ مِنْ حَذَارِهِ ، بُلِيتُ وَاللَّهِ ، بِلَيْثٍ ثَابِتَةٍ أَنْيَابُهُ ، قَلِيلٍ غُلابُهُ ، مُصَمِّمٍ غَضُوبٍ شَثْنٍ مَهِيبٍ ، فَلَمْ أَزَلْ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ صَابِرًا ، حَتَّى قَضَى اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحِبُّ ، وَهُوَ الْحَاكِمُ فِي مُلْكِهِ بِمَا يَشَاءُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فَأَدْرَكْتُ بِالثَّأْرِ إِذْ لَمْ تُدْرِكُوا ، وَصَبَرْتُ إِذْ لَمْ تَصْبِرُوا ، فَأَيُّنَا أَحَقُّ بِالشُّكْرِ ، أَنَا لَكُمْ ، أَمْ أَنْتُمْ لِي ؟ وَقَدْ كَانَتْ تَبْلُغُنِي عَنْكُمْ هَنَاتٌ قَبْلَ مَخْضَةِ زُبْدَتِكُمْ ، كُلُّ ذَلِكَ أَتَعَطَّفُ عَلَيْكُمْ بِحِلْمِي ، وَأَتَحَنَّنُ عَلَيْكُمْ بِجَهْدِي . وَكُنْتُ فِي ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ أَخُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ : أَعُوذُ عَلَى ذِي الذَّنْبِ وَالْجَهْلِ مِنْكُمُ بِحِلْمِي وَلَوْ عَاقَبْتُ غَرَّقَكُمْ بَحْرِي فَمَا بَالُ مَنْ يَسْعَى لأَجْبُرَ عَظْمَهُ حِفَاظًا وَيَنْوِي مِنْ سَفَاهَتِهِ كَسْرِي وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُنِي قَطُّ إِلا وَنَفْسِي تَدْعُونِي إِلَى الْحِلْمِ قَبْلَ سَاعَتِي هَذِهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانِي شَرَّ مَا دَعَتْنِي إِلَيْهِ نَفْسِي . ثُمَّ قَالَ : أَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى أَمَا إِنِّي فِي وَعِيدِي إِيَّاكُمْ ، كَمَا قَالَ الأَوَّلُ : لَقَدْ كِدْتُمُ يَا آلَ بَكْرٍ سَفَاهَةً تُثِيرُونَ مِنِّي أَعْصَلَ النَّابِ ضَيْغَمًا هِزَبْرًا هَرِيتًا يَكْرهُ الْقِرْنُ قُرْبَهُ إِذَا صَالَ مِنْ بَعْدِ الزَّئِيرِ وَصَمَّمَا وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَهَا هُوَ حَاضِرٌ ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يُجِيبَ عَنْ نَفْسِهِ فَلْيَفْعِلْ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَدَعَ فَلْيَدَعْ ، أَمَا إِنِّي أَرْضَاهُ لِلْخَصْمِ إِذَا جَمَحَ ، وَلِلْقِرْنِ إِذَا طَمَحَ . ثُمَّ سَكَتَ . فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مَائِلا بَيْنَ يَدَيِهِ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنَا الَّذِي أَقُولُ يَوْمَ صِفِّينَ : إِذَا تَخَازَرْتُ وَمَا بِي مِنْ خَزَرْ ثُمَّ كَسَرْتُ الْعَيْنَ مِنْ غَيْرِ عَوَرْ أَلْفَيْتَنِي أَلْوِي بَعِيدَ الْمُسْتَمرْ أَحْمِلُ مَا حُمِّلْتُ مِنْ خَيرٍ وَشَرْ إِنِّي وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَنَا بِالْغِرِّ وَلا الْغُمْرِ ، وَلا الضَّرَعِ وَلا الْوَرِعِ ، وَلا الْوَانِي ، وَلا الْفَانِي ، وَإِنِّي لَأَنَا الْحَيَّةُ الصَّمَّاءُ الَّتِي لا يُبَلُّ سَلِيمُهَا ، وَلا يَنَامُ كَلِيمُهَا ، وَإِنِّي لأَنَا الْمَرْءُ ، إِنْ كَوَيْتُ أَنْضَجْتُ ، وَإِنْ هَمَزْتُ كَسَرْتُ ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُشَاوِرْ ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤَامِرْ ، مَعْ أَنَّهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ عَايَنُوا مِنْ يَوْمِ الْهَرِيرِ مَا عَايَنْتُ ، أَوْ وُلُّوا مثل مَا وُلِّيتُ ، إِذْ شَدَّ عَلَيْنَا أَبُو حَسَنٍ فِي كَتَائِبَهُ مَعَ أَهْلِ الْبَصَائِرِ ، وَأَبْطَالِ الْعَشَائِرِ ، فَهُنَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ شَخَصَتِ الأَبْصَارُ ، وَارْتَفَعَ الشَّرَارُ ، وَقَلُصَتِ الْخُصَى إِلَى مَوَاضِعِ الْكُلَى ، وَقَارَعَتِ الأُمَّهَاتُ عَنْ ثُكْلِهَا ، وَذُهِلَتْ عَنْ حَمْلِهَا ، وَاحْمَرَّ الْحِدَقُ ، وَاغْبَرَّ الأُفُقُ ، وَأَلْجَمَ الْعَرَقُ ، وَسالَ الْعَلَقُ ، وَارْتَفَعَ غُبَارُ الْقَتَامِ ، وَصَبَرَ الْكِرَامُ ، وَغَاضَ اللَّئَامُ ، وَذَهَبَ الْكَلامُ ، وَأُزْبِدَتِ الأَشْدَاقُ ، وَقَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ ، وَحَضَرَ الْفِرَاقُ ، وَكَثُرَ الْعِنَاقُ ، وَبَانَتِ الأَعْنَاقُ ، وَقَامَتِ الرِّجَالُ فِي رَكْبِهَا مِنْ بَعْدِ فَنَاءٍ مِنْ نَبْلِهَا ، وَتَقَصُّفٍ مِنْ رِمَاحِهَا ، فَلا يُسْمَعُ إِلا التَّغَمْغُمُ مِنَ الرِّجَالِ ، وَالتَّحَمْحُمُ مِنَ الْخَيْلِ ، وَوَقْعُ السُّيوفِ فِي الْهَامِ . فَدَارَ يَوْمُنَا ذَلِكَ حَتَّى طَفَقَنَا اللَّيْلُ بِغَسَقِهِ ، ثُمَّ انْجَلَى الصُّبْحُ بَفَلَقِهِ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنَ الْقِتَالِ إِلا الهَرِيرُ ، وَالزَّئِيرُ . أَمَا وَاللَّهِ لَعَلِمُوا أَنِّي أَعْظَمُ غَنَاءً ، وَأَحْسَنُ بَلاءً ، وَأَصْبَرُ عَلَى اللأْوَاءِ مِنْهُمْ ، وَأَنِّي كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَأُغْضِي عَلَى أَشْيَاءَ لَوْ شِئْتُ قُلْتُهَا وَلَوْ قُلْتُهَا لَمْ أُبْقِ لِلصُّلْحِ مَوْضِعًا فَإِنْ كَانَ عُودِي مِنْ نُضَارٍ فَإِنَّنِي لَأَكْرَهُ يَوْمًا أَنْ أُحَطِّمَ خَرْوَعًا وَلَئِنْ جَعَلَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ شِعَارَهُ دُونَ دِثَارِهِ ، أَوْ سِرْبَالَهُ دُونَ إِزَارِهِ ، أَوْ نَفْسَهَ بَيْنَ جَنْبَيْهِ ، لَقَدْ أُولِيتُ ذَلِكَ ، فَوَجَدْتُهُ شَكُورًا ذَكُورًا ، إِذْ لَمْ تَشْكُرُوهُ ، وَلَمْ تَذْكُرُوهُ ، وَلا إِيَّايَ إِذْ طَلَبْنَا بِدَمِ عُثْمَانَ ، إِذْ لَمْ تَحْسَبُوهُ ، وَبَلَغْنَا الْغَايَةَ إِذْ لَمْ تَبْلُغُوا ، وَإِذْ جَحَدْتُمْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَأَنْتُمْ لِلنُّعْمَى أَنْكَرُ وَأَكْفَرُ ، وَأَمَّا مَا زَعَمْتَ يَا سَعِيدُ بْنَ الْعَاصِ أَنِّي أُعَامِلُ النَّاسَ بِالْمَكْرِ وَالْخِدَاعِ ، فَإِنِّي أَنَالُ بِالأَدَبِ ، وَاللُّبِّ ، وَالرِّفْقِ وَالصِّدْقِ ، إِذْ خَرَقَ مَنْ لَمْ يَرْفُقْ ، وَخَابَ مَنْ لَمْ يَصْدُقْ . وَأَمَّا قَوْلُكَ أَنِّي غَشَشْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَمَا غَشَّ امْرُؤٌ كَرِيمٌ امْرَأً كَرِيمًا إِنْ دَعَا إِلَى النَّصْفِ أَنْ يَقْبَلَهُ ، وَإِنَّكَ فِي قَوْلِكَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَأَهْلٌ لِلتَّضْعِيفِ وَالتَّعْنِيفِ وَالْغَضَاضَةِ وَالْمَضَاضَةِ ، غَيْرَ أَنَّ حِلْمَهُ يَأْتِي عَلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَأَنَا أَسْأَلُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَعْفُوَ لِلْقَوْمِ مَا قَالُوا إِنْ هُمْ آلَوْا لِاسْتِتْمَامِ نِعْمَتِكَ عَلَيْهِمْ وَأَيَادِيكَ عِنْدَهُمْ ، فَلَيْسُوا رَاجِعِينَ إِلَى أَمْرٍ تَكْرَهُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ مُعَاوِيَةُ : قَدْ فَعَلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، وَدَخَلَ ، وَأَمَرَ الْقَوْمَ فَانْصَرَفُوا " .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي الْمَدَائِنِيُّ ، قَالَ : أُتِيُ عُمَرُ بِبُرُودٍ ، فَقَالَ لِلَّذِي أَتَاهُ بِهَا : أَخْرِجْ لِي خَيْرَهَا وَشَرَّهَا ، ثُمَّ قَالَ : عَلَيَّ بِالْحَسَنِ ، فَلَمَّا أَتَاهُ دَفَعَ إِلَيْهِ خَيْرَهَا ، ثُمَّ قَالَ لِشَرِّهَا : هَذَا نَصِيبُ عُمَرَ ، وَقَسَّمَ الْبُرُودَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ حَدَثَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ حَدَثٌ ، فَقَامَ عُمُرُ خَطِيبًا ، وَعَلَيْهِ حُلَّةُ بُرْدَيْنِ ، ائْتَزَرَ بَأَحَدِهِمَا ، وَارْتَدَى بِالأُخْرَى . فَقَالَ سَلْمَانُ : لا نَسْمَعُ . قَالَ عُمَرُ : لِمَ ؟ قَالَ : كَسَوْتَنَا بُرْدًا ، وَنَرَى عَلَيْكَ بُرْدَيْنِ . فَقَالَ عُمَرُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، مَرَّتَيْنِ . فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ . فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ . فَقَالَ : لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ . فَقَالَ : نَاشَدْتُكَ اللَّهَ أَمَا كَسَوْتُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ الْبُرْدَيْنِ ؟ قَالَ : بَلَى . فَقَالَ سَلْمَانُ : قُلْ مَا شِئْتَ نَسْمَعُ لَكَ وَنُطِيعُ " .
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّليُّ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ ، قَالَ : " دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ يَوْمًا ، فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ ثَلاثَ حَوَائِجَ ، قَالَ : وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : قُلْتُ : أَمَّا أُولاهُنَّ فَتُقِيمُ جُلَسَاءَكَ ، قَالَ : فَأَمَرَهُمْ فَقَامُوا ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلا تَغْضَبْ . قَالَ : وَلا أَغْضَبُ . قَالَ : وَمَا الثَالِثَةُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : إِنَّ كُلَّ مَنْ وَرَاءَ بَابِكَ مَقْتُولٌ مَقْهُورٌ . قَالَ : فَغَضِبَ . فَقُلْتُ : أَلَيْسَ قَدْ ضَمِنْتَ أَنْ لا تَغْضَبَ . قَالَ : فَلا أَغْضَبُ إِذًا . وَأَخْرَجَ خَاتَمَهُ مِنْ يَدِهِ ، فَقَالَ قَدْ رَدَدْتُ أَمْرَ الْمُسِلِمِينَ إِلَيْكَ فَدَبِّرْهُمْ بِرَأْيِكَ ، وَاتَّقِ اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ مَعَادُكَ ، فَقَدْ أَخْرَجْتُ مِنْ رَقَبَتِي ذَلِكَ . فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنْتَ ابْنُ عِمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وَابْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، أُدَبِّرُ أَنَا الْخِلافَةَ ؟ قَالَ : فَكَيْفَ أَصْنَعُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : تَرْفَعُ حُجَّابِكَ ، وَتَطْرَحُ أَبَدًا عَلَى بَابِكَ ، فَلا يَجِيءُ أَحَدٌ مُتَظَلِّمٌ مِنْ عَامِلٍ مِنْ عُمَّالِكَ إِلَى بَلَدٍ مِنَ الْبِلْدَانِ ، تَصَحُّ عِنْدَكَ ظَلامَتُهُ إِلا أَمَرْتَ ، فَجِيءَ بِهِ مَسْحُوبًا مَاشِيًا إِلَى بَابِكَ فَأَنْصَفْتَهُ مِنْهُ ، قَالَ : فَأَطْرَقَ مَلِيًّا ، ثُمَّ قَالَ : قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ ، فَمَا أَمْكَنَنَا ، وَلا أُعِنَّا عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، اجْعَلْهُ أَكْبَرَ شُغْلِكَ ، فَإِنَّكَ تُدْرِكُهُ . قَالَ : أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْمَعُونَةَ عَلَى ذَلِكَ " .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الأَثْرَمُ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، قَالَ : وَفَدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةَ : مَا نُطْعِمُكَ يَا ابْنَ حَسَّانٍ ؟ قَالَ : سَمَكًا . قَالَ : فَمَا نَسْقِيكَ ؟ قَالَ : سَوِيقًا . فَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الأَهْتَمِ ، وَكَانَ حَاضِرًا : إِنَّ السَّوِيقَ مَعَ الصَّحْنَاةِ مَضْرَطَةٌ لِلْآكِلِينَ . وَبِئْسَ الْمَطْعَمُ السَمَكُ . كَانَ نُعَيْمٌ رَجُلا جَمِيلا ، فَأَجَابَهُ ابْنُ حَسَّانٍ : قُلْ لِلَّذِي كَادَ لَوْلا خَطُّ لِحْيَتِهِ يَكُونُ أُنْثَى عَلَيْهَا الْوَدْعُ وَالْمَسَكُ أَمَّا الْفَخَامَةُ أَوْ خَلْقُ الرِّجَالِ فَقَدْ أُعْطِيتَ مِنْهُ لَوَ أَنَّ اللُّبَّ مُحْتَنِكُ هَلْ أَنْتَ إِلا فَتَاةُ الْحَيِّ مَا لَبِسُوا أَمْنًا وَأَنْتَ إِذَا مَا حَارَبُوا دُعَكُ لا تَحْسَبَنِّي كَأَقْوَامٍ غَمَزْتَهُمُ غَمْزَ الضَّعِيفِ فَمَا أَعْطَوْا وَمَا تَرَكُوا دَخَلَ الْمَذْنُوبُ الْهَمْدَانِيُّ مِنْ وَدَاعَةِ هَمْدَانَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، فَجَلَسَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانٍ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرُ : وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِعَنًّا شِرِّيرًا ، هَجَّاءً لِلنَّاسِ ، مُبْتَدِيًا لَهُمْ . فَقَالَ لِلْمَذْنُوبِ : مِمَّنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ . فَاغْتَمَزَ فِيهِ ، فَقَالَ : أَمِيزَانَانِ مِنْ شُؤْمٍ وَلُؤْمٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ عَدْلٌ قَبُوحُ فَقَالَ لَهُ الْمَذْنُوبُ : جُذَامٌ نَازِلٌ بِكَ غَيْرَ شَكٍّ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ بَرَصٌ يَلُوحُ قَالَ : أَنْتَ الْمَذْنُوبُ ؟ قَالَ : إِنَّ ذَاكَ لَيُقَالُ . قَالَ : إِنِّي عَائِذٌ بِكَ " .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي عَمِّي ، عَنِ الْهَيْثَمِ ، عَنِ ابْنِ دَأْبٍ ، قَالَ : " أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَسَّانٍ كَانَ يُشَبِّبُ بِابْنَةِ مُعَاوِيَةَ ، وَيَذْكُرُهَا فِي شِعْرِهِ ، فَقَالَ النَّاسُ لِمُعَاوِيَةَ : لَوْ جَعَلْتَهُ نَكَالا ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : لا ، وَلَكِنِّي أُدَاوِيهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ ، فَأَذِنَ لَهُ ، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ ، فَأَجْلَسَهُ عَلَى سَرِيرِهِ مَعَهُ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ فُلانَةً ، لابْنَةٍ لَهُ أخرى ، عَاتِبَةٌ عَلَيْكَ . قَالَ : وَفِي أَيِّ شَيْءٍ ؟ قَالَ : فِي مَدْحَتِكَ أُخْتِهَا وَتَرْكِهَا ، قَالَ : فَلَهَا الْعُتْبَى وَكَرَامَةٌ ، أَنَا ذَاكِرُهَا ، وَمُمْتَدِحُهَا ، فَلَمَّا فَعَلَ ، وَبَلَغَ ذَلِكَ النَّاسَ ، قَالُوا : قَدْ كُنَّا نَرَى أَنَّ تَشْبِيبَ ابْنِ حَسَّانٍ بِابْنَةِ مُعَاوِيَةَ لَشَيْءٌ ، فَإِذَا ذَلِكَ عَنْ رَأْيِ مُعَاوِيَةَ وَأَمْرِهِ " .
حَدَّثَنِي عَمِّي حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : " إِنَّ إِنْسَانًا عَمِلَ مَأْدُبَةً فِي زَمَانِ عُثْمَانَ ، فَدَعَا لَهَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، وَفِيهِمْ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ ، وَمَعَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : فَجَعَلَ حَسَّانٌ يَقُولُ لابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ : أَطَعَامُ يَدٍ أَمْ طَعَامُ يَدَيْنِ ؟ قَالَ : فَإِذَا قَالَ لَهُ : طَعَامُ يَدَيْنِ . لَمْ يَأْكُلْ ، وَهُوَ الشِّوَاءُ . قَالَ هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ : وَكَانَ فِي الْمَأْدُبَةِ قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِهِمْ ، وَجَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ يُشِيرُ إِلَيْهِمَا تُغَنِّيَاهُمْ بِشْعِرِ حَسَّانٍ ، فَغَنَّتَنَا بِقَوْلِهِ : انْظُرْ نَهَارًا بِبَابِ جِلَّقَ هَلْ تُؤْنِسُ دُونَ الْبَلْقَاءِ مِنْ أَحَدِ ؟ قَالَ : فَبَكَى حَسَّانٌ وَجَعَلَ ابْنُهُ يِشِيرُ إِلَيْهِمِا تُغَنِّيَانِ بِشِعْرِهِ أَيْضًا فَبَكَى " .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي الأَثْرَمُ ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْخَطَّابِ الأَنْصَارِيُّ ، قَالَ : " فَلَمَّا أَهْذَرَا فِي التَّهَاجِي وَأَفْحَشَا ، كَتَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، وَهُوَ الْخَلِيفَةُ يَوْمَئِذٍ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ، وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ : أَنْ يَجْلِدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ سُوطٍ ، قَالَ : وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ لَمْ يَمْدَحْ أَحَدًا قَطُّ إِلا سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ . فَكَرِهَ أَنْ يُقدَّمَ عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ ، وَكَرِهَ أَنْ يَجْلِدَ ابْنَ عَمِّهِ . فَكَفَّ عَنْهُمَا ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يُوَلِّي سَعِيدًا الْمَدِينَةَ سَنَةً وَمَرْوَانَ سَنَةً . فَلَمَّا كَانَتِ السَّنَةُ الَّتِي يَعْقُبُ فِيهَا سَعِيدٌ مَرْوَانَ . قَالَ : فَأَخَذَ مَرْوَانُ ابْنَ حَسَّانٍ فَضَرَبَهُ مِائَةَ سَوطٍ ، وَلَمْ يَضْرِبْ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ . وَكَانَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ الأَنْصَارِيِّ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ ، وَكَانَ أَثِيرًا عِنْدَهُ مَكِينًا ، فَلَمْ يِلْتَفِتْ إِلَى ابْنِ حَسَّانٍ ، وَإِلَى مَا صُنِعَ بِهِ . قَالَ : فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابنُ حَسَّانٍ يُعَاتِبُهُ : لَيْتَ شِعْرِي أَغَائِبٌ أَنْتَ بِالشَّامِ خَلِيلِي أَمْ رَاقِدٌ نَعْمَانُ أَيَّةُ مَا يَكُنْ فَقَدْ يَرْجِعُ الْغَائِبُ يَوْمًا وَيُوقَظُ الْوَسْنَانُ إِنَّ عَمْرًا وَعَامِرًا أَبَوَيْنَا وَحَرَامًا قِدَمًا عَلَى الْعَهْدِ كَانُوا أَفَهُمْ مَانِعُوكَ أَمْ قِلَّةُ الْكُتَّابِ أَمْ أَنْتَ عَاتِبٌ غَضْبَانُ جَفاءٌ أمْ أَعْوَزَتْكَ الْقَرَاطِيسُ أَمْ أَمْرِي بِهْ عَلَيْكَ هَوَانُ يَوْمَ أُنْبِئْتَ أَنَّ سَاقِيَ رُضَّتْ وَأَتَاكُمْ بِذَلِكَ الرُّكْبَانُ ثُمَّ قَالُوا إِنَّ ابْنَ عَمِّكَ فِي بَلَوى أُمُورٍ أَتَى بَهَا الْحَدَثَانُ فَتَئِطُّ الأَرْحَامُ وَالْوُدُّ وَالصُّحْبَةُ فِيمَا أَتَتْ بِهِ الأَزْمَانُ أَوَ تَرَى إِنَّمَا الْكِتَابُ بَلاغٌ لَيْسَ فِيهِ لِبَيِّعٍ أَثْمَانُ إِنَّمَا الرُّمْحُ فَاعْلَمَنَّ قَنَاة أَوْ كَبَعْضِ الْعِيدَانِ لَوْلا السِّنَانُ لا يُهِينَنِّي عَلَيْكَ بِأَنِّي ضِمْنُ النَّسَاقِ قَدْ يَصِحُّ الضَّمَانُ وَاعْلَمْ أَنِّي أَنَا أَخُوكَ وَأَنِّي لَيْسَ مِثْلِي أَزْرَى بِهِ الأَخَوَانُ وَاعْلَمْ أَنِّي بَتَلْتُ مِنِّي يَمِينًا وَقَلِيلٌ فِي ذَلِكَ الأَيْمَانُ لا تَرَى مَا حَيِيتُ مِنِّي كِتَابًا غَيْرَ هَذَا حَتَّى يَزُولَ أَبَانُ أَوْ يَزُولَ الشَّنْطِيُّ مِنْ جَبَلِ الثَّلْجِ وَيَضْحَى صَحَارِيًا لُبْنَانُ أَوْ تُرَى الْقُورُ مِنْ عَبَاثِرَ بِالشَّامِ وَيَضْحَى مَكَانَهَا حَوْرَانُ أَوْ أَرَى فِي الْكِتَابِ مِنْكَ ثَلاثًا مُدْرِجَاتٍ لِشَدِّهِنَّ قِرَانُ إِنَّمَا الْوُدُّ وَالنَّصِيحَةُ فِي الْقَلْبِ وِلَيْسَتْ بِمَا يَصُوغُ اللِّسَانُ إِنَّ شَرَّ الصَّفَاءِ مَا زَوَّقَ الْحُبُّ فَيَبْدُو وَتَحْتَهُ الشَّنَآنُ فَأَجَابَهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ : لَيْسَ فَاعْلَمْ أَخُوكَ يَغْتَرُّ بِالنَّوْمِ وَلَكِنْ مُحَرِّشٌ يَقْظَانُ إِنَّ جَدِّي الَّذِي انْتَمَيْتُ إِلَيْهِ كَانَ فِي النَّاسِ شَبَهُهُ الأَضْحَيَانُ قَمَرُ الْبَدْرِ بَازِغًا إِذَا تَجَلَّى لَيْسَ مِنْ دُونِ مُجْتَلاهُ جِنَانُ إِنَّ عَمَرًا وَعَامِرًا أَبَوَيْنَا وَرِثَ الْمَجْدُ عَنْهُمَا حَسَّانُ شَيَّدَ الْمَجْدَ بِالْفِعَالِ فَأَضْحَى وَهُوَ مِنْ دُونِ مُرْتَقَاهُ الْعَنَانُ إِنَّ وَصْفِي وَمَشْهَدِي وَمُقَامِي لَكَرِهْنٌ تَهَابُهُ الأَرْكِانُ قَالَ : ثُمَّ دَخَلَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ ، فَقَالَ : كَتَبْتَ إِلَى سَعِيدٍ أَنْ يَضْرِبَ ابْنَ الْحَكَمِ وَابْنَ حَسَّانٍ ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، فَلَمَّا قَدِمَ أَخُوهُ ضَرَبَ ابن حَسَّانً ، وَتَرَكَ أَخَاهُ . قَالَ : فَمَا تُرِيدُ ؟ قَالَ : أُرِيدُ أَنْ تَضْرِبَهُ كَمْا كَتَبْتَ ، وَكَمْا كُنْتَ أَمَرْتَ ، قَالَ : فَكَتَبَ إِلَى مَرْوَانَ بِعَزِيمَةٍ ، وَسَرَّحَ فِي ذَلِكَ رَجُلا أَنْ يَضْرِبَ ابْنَ الْحَكَمِ مِائَةً ، وَبَعَثَ إِلَى ابْنِ حَسَّانٍ بِحُلَّةٍ ، قَالَ : فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى مَرْوَانَ دَسَّ إِلَى ابْنِ حَسَّانٍ وَهُوَ فِي السِّجْنِ : إِنِّي مُخْرِجُكَ ، وَإِنَّمَا أَنَا بِمَنْزِلَةِ وَالِدِكَ ، وَإِنَّمَا كَانَ مَا كَانَ مِنِّي إِلَيْكَ أَدَبًا لَكَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ ابْنُ حَسَّانٍ : مَا بَدَا لِابْنِ الزَّرْقَاءِ فِي هَذَا ؟ وَاللَّهِ مَا هَذَا إِلا لَشَيْءٍ قَدْ جَاءَهُ . وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ . فَبَلَّغَ الرَّسُولُ مَرْوَانَ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِالْحُلَّةِ ، فَأَعَادَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ ، فَلَمْ يَقْبَلْ ، وَطَرَحَ الْحُلَّةَ فِي الْحَشِّ ، فَقِيلَ لَهُ : حُلَّةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ تَرْمِي بِهَا فِي الْحَشِّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَمَا أَصْنَعُ بِهَا ؟ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ ، فَقَالَ : قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يِفْعَلْ مَا فَعَلَ إِلا لِأَمْرٍ قَدْ حَدَثَ . فَقَالَ الرَّسُولُ لِمَرْوَانَ : مَا تَصْنَعُ بِهَذَا ؟ قَدْ أَبَى أَنْ يَعْفُوَ ، فَهَلُمَّ ابْنَ الْحَكَمِ ، فَبَعَثَ مَرْوَانُ إِلَى الأَنْصَارِ ، فَطَلَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَطْلُبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَضْرِبَهُ خَمْسِينَ . فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ ، فَلَقِيَ ابْنَ حَسَّانٍ بَعْضُ مَنْ كَانَ لا يَهْوَى مَا نزل بِهِ مِنْ ذَلِكَ . فَقَالَ لَهُ : ضَرَبَكَ مِائَةً وَتَضْرِبُهُ خَمْسِينَ . بِئْسَ مَا صَنَعْتَ إِذْ وَهَبْتَهَا لَهُ . قَالَ : إِنَّهُ عَبْدٌ ، وَإِنَّمَا ضَرَبْتُهُ مَا يُضْرَبُ الْعَبْدُ ، نِصْفُ مَا يُضْرَبُ الْحُرُّ . فَحُمِلَ هَذَا الْكَلامُ حَتَّى شَاعَ بِالْمَدِينَةِ ، وَبَلَغَ ابْنَ الْحَكَمِ ، فَشَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وَأَتَى أَخَاهُ مَرْوَانَ فَأَعْلَمَهُ ذَلِكَ ، وَقَالَ : فَضَحْتَنِي لا حَاجَةَ لِي فِيمَا تَرَكْتَ . فَبَعَثَ مَرْوَانُ إِلَى ابْنِ حَسَّانٍ : لا حَاجَةَ لَنَا فِيمَا تَرَكْتَ ، هَلُمَّ فَاقْتَصَّ ، فَضَرَبَ ابْنَ الْحَكَمِ خَمْسِينَ أُخْرَى . فَقَالَ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ يَهْجُو عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ : دعْ ذَا وَعَدِّ قَرِيضَ شِعْرِكَ فِي امْرِئٍ يَهْذِي وَيُنْشِدُ شِعْرَهُ كَالْفَاخِرِ وَاذْكُرْ لَهُ قِطَعَ الشَّرِيطِ وَشِدْخَهُ بِمُهَّنَدٍ مَاضِي الْحَدِيدَةِ بَاتِرِ قَلِقِ النِّصَالِ مِنَ الْمَغَاوِلِ مُرْهَفٍ ظَمِئٍ كَقَادِمَةِ الْعُقَابِ الْكَاسِرِ وَقَعَدْتَ تَأْكُلُ مَالَهُ وَتَرَكْتَهُ بِالشَّامِ يُنْشِدُ كُلَّ قَصِرٍ عَامِرِ وَتَرَكْتَهَا عَارًا عَلَيْكَ وَسُبَّةً مَا عِشْتَ تُذْكَرُ مثل طَوْقِ الطَّائِرِ عُثْمَانُ عَمُّكُمُ وَلَسْتُمْ مِثْلَهُ وَبَنُو أُمَيَّةَ مِنْكُمُ كَالْآمِرِ وَبَنُو أَبِيكَ سَخِيفَةٌ أَحْلامُهُمْ فُحْشُ النُّفُوسِ لَدَى الْجَلِيسِ الزَّائِرِ جُبُنُ الْقُلُوبِ لَدَى الْحُرُوبِ أَذِلَّةٌ مَا يُقْبِلُونَ عَلَى صَفِيرِ الصَّافِرِ وَسُيُوفُهُمْ فِي الْحَربِ كُلُّ مُفَلَّلِ نَابٍ مَضَارِبُهُ وَدانٍ دَائِرِ أَحَياؤُهُمْ عَارٌ عَلَى أَمْوَاتِهِمْ وَالْمَيِّتُونَ مَسَبَّةٌ لِلْغَابِرِ لَمْ تَنْظُرُونَ إِذَا هَدَرْتُ إِلَيْكُمُ نَظَرَ التُّيُوسِ إِلَى شِفَارَ الْجَازِرِ خُزْرَ الْعِيُونِ مُنَكِّسِي أَذْقَانِكُمْ نَظَرَ الذَّلِيلِ إِلَى الْعَزِيزِ الْقَاهِرِ فَقَالَ : ابْنُ الْحَكَمِ يَهْجُو الأَنْصَارَ : لَقَدْ أَبْقَى بَنُو مَرْوَانَ حُزْنًا مُبِينًا عَارُهُ لِبَنِي سَوَادِ يَطِيفُ بِهِ صَبِيحٌ فِي مَشِيدٍ وَنَادَى دَعْوَةً : يَا بْنَيْ سُعَادِ لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حيًّا وَلَكِنْ لا حَياةَ لِمَنْ تُنَادِي فَأَعْتَنَ أَبُوَ وَاسِعٍ أَحَدُ بَنِي الأَشْعَرِ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ ، دُونَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانٍ ، فَهَجَاهُ وَعَيَّرَهُ بَضَرْبِ ابْنِ الْمُعَطَّلِ أَبَاهُ حَسَّانًا عَلَى رَأْسِهِ ، وَعَيَّرَهُمْ بِأَكْلِ الْخُصَى ، فَقَالَ : وَإِنَّ ابْنَ الْمُعَطَّلِ مِنْ سُلَيْمِ أَذَلَّ قِيَادَ رَأْسِكَ بِالْخِطَامِ عَمِدتَ إِلَى الْخُصَى فَأَكَلْتَ مِنْهَا لَقَدْ أَخْطَأْتَ فَاكِهَةَ الطَّعَامِ وَمَا لِلْجَارِ حِينَ يَحِلُّ فِيكُمْ لَدَيْكُمْ يَا بَنِي النَّجَّارِ حَامِ يَظَلُّ الْجَارُ مُفْتَرِشًا يَدَيْهِ مَخَافَتَكُمْ لَدَى مَلَثِ الظَّلامِ وَيَنْظُرُ نَظْرَةً فِي مِذْرَوِيهِ وَأُخْرَى فِي اسْتِهِ وَالطَّرْفُ سَامِ قَالَ : فَلَمَّا عَمَّ بَنِي النَّجَّارِ بِالْهِجَاءِ ، وَلا ذَنْبَ لَهُمْ دَعَوْا اللَّهَ عَلَيْهِ ، فَخَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ يُرِيدُ أَهْلَهُ ، قَالَ : فَعَرَضَ لَهُ الأَسَدُ فَقَضْقَضَهُ ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانٍ : أَبْلِغْ بَنِي الأَشْعَرِ إِنْ جِئْتَهُمْ مَا بَالُ أَبْنَاءِ بَنِي وَاسِعِ وَاللَّيْثُ يَعْلُوهُ بِأَنْيَابِهِ مُعْتَفِرًا فِي دمِهِ النَّاقِعِ لا يَرْفَعُ الرَّحْمَنُ مَصْرُوعَكُمْ وَلا يُوهِّنُ قُوَّةَ الصَّارِعِ إِذْ تَرَكُوهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمُ بِالنَّسَبِ الدَّانِي وَبِالشَّاسِعِ قَالَ : فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : مَا دَعَا أَحَدٌ لِلأَسَدِ بِخَيْرٍ قَطُّ قَبْلَكَ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَلا يُوهِّنُ قُوَّةَ الصَّارِعِ " .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ صَالِحٍ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : " لَمَّا كَانَتْ فِتْنَةُ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ كَلَّمَ أَهْلُ مَكَّةَ عُثْمَانَ بْنَ شَيْبَةَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَهُمْ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى خَلِيفَةٍ فَفَعَلَ ، وَكَلَّمَ أَهْلُ الطَّائِفِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَقُومَ بِأَمْرِهِمْ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى خَلِيفَةٍ فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ ، فَجَاءَ إِذْنُهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَقَالَ : هَذَا عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بِالْبَابِ . فَقَالَ : ائْذَنْ لَهُ . فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ سَكْرَانُ ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ابْنَةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَهِيَ امْرَأَتُهُ ، فَجَعَلَ عَنْبَسَةُ يَنْظُرُ إِلَى جَلا يَعْنِي كُوَّةً فِي الْبَيْتِ وَيَثِبُ إِلَيْهِ لِمَا بِهِ مِنَ السُّكْرِ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ : مَا ابْتُلِيتُ بِذَا اللَّيْلَةِ . فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : وَاللَّهِ مَا جَنَى جِنَايَةً قَطُّ . وَهُوَ أَخُو أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، أَرَى أَنْ تَسْتُرَ عَلَيْهِ ، وَتُخَلِّيَ سَبِيلَهُ . قَالَ : لا وَاللَّهِ ، لا أُبْطِلُ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ، فَأَرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدٍ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَكَانَ بِالطَّائِفِ . فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي رَبِيعَةَ : لأَيِّ شَيْءٍ بَعَثْتَ إِلَيَّ ؟ قَالَ : بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَنْظُرَ إِلَى عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، وَتَشْهَدَ عَلَى سُكْرِهِ . فَقَالَ : لا وَصَلَتْكَ رَحِمٌ ، مَا كَانَ هَهُنَا أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَيْكَ مِنِّي . فَقَالَ : لا ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَهُنَا أَحَدٌ أَوْثَقَ فِي نَفْسِي مِنْكَ . قَالَ : أَمَا إِذَا فَعَلْتَ فَابْعَثْ إِلَى رَجُلٍ آخَرَ ، فَبَعَثَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ ، فَأَشْهَدَهُ أَيْضًا عَلَيْهِ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَلَدَهُ الْحَدَّ ، فَلمَا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ قَدِمَ عَلَيْهِ عَنْبَسَةُ أَخُوهُ ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ ، فَبَعَثْ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيدٍ ، وَإِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةِ ، وَإِلَى الثَّقَفِيِّ ، فَدَسَّ إِلَى الثَّقَفِيِّ ، وَإِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ لِيُبْطِلَ الْحَدَّ ، فَأَبَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَرَجَعَ الثَّقَفِيُّ عَنْ شَهَادَتِهِ ، فَمَكَثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ أُسَيدٍ بِبَابِ مُعَاوِيَةَ سَنَةً لا يُأْذَنُ لَهُمَا ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ أَحْرَمَ يَوْمَ جُمُعَةٍ ، وَمُعَاوِيَةُ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ ، أَنْ لا وَلا كَرَامَةَ ، وَاللَّهِ مَا اسْتَأْذَنْتَنِي ، وَلا أَذِنْتُ لَكَ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : أَلَيْسَ ذَاكَ لَكَ ، إِنَّمَا بَعَثْتَ إِلَيَّ فَسَأَلْتَنِي عَنْ أَمْرٍ ، فَأَخْبَرْتُكَ بِعِلْمِي فِيهِ ، فَأَذِنَ لَهُ ، فَانْصَرَفَ إِلَى مَكَّةَ ، وَبَقِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدٍ سَنَةً أُخْرَى ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَهُ فِي الرِّجُوعِ إِلَى مَكَّةَ حَاجًّا ، فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدٍ ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ قَطَائِعُ كَانَ أَخَذَهَا بِسَبَبِ عَنْبَسَةَ ، فَلَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدٍ خَرَجَ إِلَى الْعِرَاقِ ، وَعَلَيْهَا زِيَادُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، فَحَضَرَتْ زِيَادًا الْوَفَاةُ ، فَاسْتَخْلَفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدٍ عَلَى عَمَلِهِ ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى مُعَاوِيَةَ ، فَقَالَ : لا وَاللَّهِ ، لا نَسْتَعْمِلُهُ ، لا عَلَى صِلاتِهَا ، وَلا عَلَى خَرَاجِهَا . ثُمَّ اسْتَعْمَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ أُمِّ الْحَكَمِ الثَّقَفِيَّ ، فَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَشَخَصَ إِلَى مَكَّةَ ، حَيْثُ بَلَغَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ اسْتَعْمَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ أُمِّ الْحَكَمِ ، فَلَمَّا بَلَغَ مُعَاوِيَةُ مَا أُخِذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ . قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمْكَنَنِي مِنْهُ ، وَاللَّهِ مَا يَسُرُّنِي أَنَّهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عَنْبَسَةَ ، فَقَالَ : قَدْ أَمْكَنَكَ اللَّهُ مِنْ ثَأْرِكَ ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَبَضَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ . قَالَ : قَدْ وَلَّيْتُكَ الْحِجَازَ . فَتَهَيَّأَ عَنْبَسَةُ ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ يُوَدِّعُهُ . فَقَالَ لَهُ : مَا أَنْتَ صَانِعٌ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ؟ قَالَ : أَضْرِبُ وَاللَّهِ بِيَدِهِ وَجْهَهُ . فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : بِاسْتِكَ ، بِئْسَ وَاللَّهِ ابِنُ الْعَشِيرَةِ أَنْتَ . بعَبْدِ اللَّهِ تَصْنَعُ هَذَا ؟ وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ عَلَيْهِ حَنِيقًا مُغْتَاظًا ، وَقَدْ عَطَّفَنِي عَلَيْهِ مَا سَمِعْتُ مِنْ عُنْفِكَ بِهِ ، هِيَ لَهُ وَاللَّهِ ، وَلا كَتَبْتُ إِلَيْهِ فِي شِيءٍ مِنْهُ أَبَدًا . لَيْسَ مِثْلُكَ وَلِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ ، قَدْ عَزَلْتُكَ مِنْ عَمَلِكَ " .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرِ ، قَالَ : " بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ الْخَوْلانِيَّ ، وَكَانَ رَجُلا مِنْ عُبَّادِ أَهْلِ الشَّامِ ، قَامَ إِلَى مُعَاوِيَةَ ، فَقَالَ : يَا مُعَاوِيَةُ ، عَلَى مَا تُقَاتِلُ عَلِيًّا ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وَلَهُ مِنَ الْقَدْرِ فِي الِإِسْلامِ ، وَالسَابِقَةِ وَالْقَرَابَةِ مَا لَيْسَ لَكَ ، إِنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ طَلِيقٌ ابْنُ طَلِيقٍ ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : يَا أَبَا مُسْلِمٍ إِنِّي وَاللَّهِ مَا أُقَاتِلُهُ وَأَنَا أَدَّعِي فِي الْإِسْلامِ مثل الَّذِي يَدَّعِي ، وَلِي فِي الْإِسْلامِ مثل مَا لَهُ ، وَلَكِنِّي أُقَاتِلُهُ عَلَى دَمِ عُثْمَانَ ، إِنَّ عَلَيًّا قَتَلَ عُثْمَانَ ، فَأَنَا أَطْلُبُهُ بِدَمِّهِ . فَخَرَجَ أَبُو مُسْلِمٍ عَلَى نَاقَتِهِ يَضْرِبُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْكُوفَةِ ، فَأَنَاخَهَا بِالْكُنَاسَةِ ، ثُمَّ جَاءَ يَمْشِي حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وَالنَّاسُ عِنْدهُ ، فَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ : اللَّهُ قَتَلَهُ ، وَأَنَا مَعَهُ . فَخَرَجَ أَبُو مُسْلِمٍ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ . حَتَّى أَتَى نَاقَتَهُ فَرَكِبَهَا ، فَأَتَى الشَّامَ . وَقِيلَ لِعَلِيٍّ : إِنَّ الَّذِي كَانَ قَدْ دَخَلَ عَلَيْكَ أَبُو مُسْلِمٍ ، فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِهِ ، فَفَاتَهُ ، وَقَدِمَ أَبُو مُسْلِمٍ الشَّامَ ، فَانْتَهَى إِلَى مُعَاوِيَةَ ، وَهُوَ يَتَغَدَّى ، فَلَمَّا قِيلَ لِمُعَاوِيَةَ : قَدْ جَاءَ أَبُو مُسْلِمٍ ، وَمَعَهُ لُقْمَةٌ ، فَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَسِيغَهَا حَتَّى وَقَعَتْ . قَالَ : فَدَخَلَ أَبُو مُسْلِمٍ فَحَيَّاهُ وَقَرَّبَهُ ، وَرَحَّبَ بِهِ ، وَسَأَلَهُ عَنْ سَفَرِهِ ، وَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ يَكْرَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ أَبُو مُسْلِمٍ قَدْ جَاءَ بِشَيْءٍ مَمِا يَكْرَهُ مُعَاوِيَةُ . قَالَ : فَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ : قُمْ فَوَاللَّهِ لَنُقَاتِلَنَّ عَلِيًّا ، وَلَيُقَاتِلَنَّهُ اللَّهُ ، فَإِنَّهُ قَدْ أَقَرَّ بِقَتْلِ عُثْمَانَ . قَالَ : فَقَامَ مُعَاوِيَةُ فَرِحًا حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَامَ أَبُو مُسْلِمٍ خَطِيبًا ، فَحَرَّضَ النَّاسَ عَلَى قِتَالِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَأَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِ عُثْمَانَ ، وَجَمَعَ مُعَاوِيَةُ لِعَلِيٍّ الْجُمُوعَ ، وَقَدْ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، غَلَبَ عَلَى مِصْرَ ، فَسَارَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ إِلَى صِفِّينَ ، فَلَمْ يَزَلْ يُوَارِبُهُ حَتَّى قَالَ : اخْرُجْ إِلَيَّ فِي ثَلاثِينَ رَجُلا ، وَأَخْرُجُ إِلَيْكَ فِي ثَلاثِينَ حَتَّى نَنْظُرَ فِي أَمْرِنَا وَنَصْطَلِحَ عَلَى صُلْحٍ . فَفَعَلَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ وَمُعَاوِيَةُ . وَقَدْ أَمَرَ مُعَاوِيَةُ جُنُودَهُ أَنْ يَسِيرُوا مِنْ تَحْتِ لَيْلَتِهِمْ ، حَتَّى يُوَافُوهُمْ بِذَلِكَ الْمَكَانِ . وَهُوَ وَمُحَمَّدُ خَارِجٌ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَبَيَّتَهُمْ أَصْحَابُ مُعَاوِيَةَ ، وَأَخَذَ مُعَاوِيَةُ أُولَئِكَ الثَّلِاثِينَ ، وَكَبَّلَهُمْ فِي الْقُيودِ ، وَأَتَى بِهِمُ الشَّامَ ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذَا صَانَعُوا صَاحِبَ السِّجْنِ ، فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ ، وَلَمَّا أَصْبَحَ مُعَاوِيَةُ قِيلَ لَهُ : إِنَّ مُحَمْدًا قَدْ خَرَجَ مِنَ السِّجْنِ ، وَأَتَاهُ أَنَّ عَلَيًّا قَدْ جَمَعَ لَهُ الْجُمُوعَ بِالْعِرَاقِ لِيَسِيرُوا إِلَيْهِ ، وَخُبِّرَ أَنَّ صَاحِبَ الرُّومِ قَدْ تَهَيَّأَ لِيَسِيرَ إِلَيْهِ ، فَدَعَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، فَقَالَ لَهُ : إِنَّهُ قَدْ جَاءَنِي مُنْذُ أَصْبَحْتُ أَخْبَارٌ ثَلاثَةٌ ، مَا جَاءَتْنِي قَطُّ أَخْبَارٌ أَفْظَعُ مِنْهَا ، وَلا أَكْرَهُ إِلَيَّ ، فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ مَخْرَجٍ ؟ خُرُوجُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنَ السِّجْنِ وَأَصْحَابِهِ ، وَكِتَابُ صَاحِبِ الرُّومِ يَتَهَدَّدُنِي ، وَجَمْعُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ أَهْلَ الْعِرَاقِ حِيلَةً ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ : لا يُهَوِّلَنَّكَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، فَأَمَّا خُرُوجُ مُحَمَّدٍ ، فَابْعَثْ فِي أَثَرِهِ الْخُيُولَ الْمُضْمَرَةِ فِي كُلِّ طَرِيقٍ نَهْجٍ وَغَامِضٍ لا يُسْلَكُ تُؤْتَ بِهِ ، وَأَمَّا صَاحِبُ الرُّومِ ، فَأَرْسِلْ إِلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ يَكُفَّ عَنْكَ ، وَأَمَّا خَبَرُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَمَا جَمَعَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَهُوَ الْجَلِيلُ الْفَظِيعُ ، لَمْ يَأْتِكَ مِثْلُهُ قَطُّ ، فَاجْمَعْ لَهُ جُمُوعَكَ ثُمَّ ارْمِهِ بِهِمْ ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَيْهِمِ ، فَبَعَثَ خَلْفَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ رَجُلا مِنْ خَثْعَمٍ ، يُقَالُ لَهُ : عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، فَأَدْرَكَهُ فِي غَارٍ دُلَّ عَلَيْهِ ، فَأُتِيَ بِهِ وَبِعَلْقَمَةَ بْنِ عُدَيْسٍ الْبَلَوِيِّ ، قَاتِلِ عُثْمَانَ ، فَقَتَلَهُمَا ، وَأَهْدَى إِلَى صَاحِبِ الرُّومِ هَدِيَّةً ، فَكَفَّ عَنْهُ ، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنِ أَبِي طَالِبِ ، فَجَمَعَ لَهُ قَضَّهُ وَقَضِيضَهُ مِنْ جِمُوعِهِ وَخَرَجَ إِلَيْهِ " .
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُوصِي مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَصَدَّقَنِي بِوِلايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، مَنْ تَوَلاهُ فَقَدْ تَوَلانِي ، وَمَنْ تَوَلانِي فَقَدْ تَوَلَّى اللَّهَ ، وَمَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ فَقَدْ أَحَبَّنِي ، وَمَنْ أَحَبَّنِي فقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ " . أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْجُوْهَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الضُّبَعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الأَشْقَرُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ . وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْوَرَّاقِ ، قَالَ : وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْحَمِيمِ الْبَصْرِيُّ الصَّيْرَفِيُّ بِمَكَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْخَطَّابِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَكَرَ نَحْوَهُ . وَأَخْبَرَنَا عَلِيٌّ ، قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَكَّاءُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الأَشْقَرُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
حَدَّثَنِي عَمِّي حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْوَالِبِيِّ ، قَالَ : دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ رَأَى مِنَ النَّاسِ مَا رَأَى مِنْ خُذْلانِهِمْ ، فَقَالَ : يَا أُمَّهْ ، خَذَلَنِي النَّاسُ ، حَتَّى وَلَدِي وَأَهْلِي ، فَلَمْ يَبْقَ مَعِي إِلا الْيَسِيرُ مِمَّنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مِنَ الدَّفْعِ أَكْثَرَ مِنْ صَبْرِ سَاعَةٍ ، وَالْقَوْمُ يُعْطُونَنِي مَا أَرَدْتُ مِنَ الدُّنْيَا ، فَمَا رَأْيُكِ ؟ قَالَتْ : أَنْتَ وَاللَّهِ أَعْلَمُ بِنَفْسِكَ يَا بُنَيَّ ، إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ عَلَى حَقٍّ وَإِلَيْهِ تَدْعُو فَامْضِ لَهُ ، فَقَدْ قُتِلَ عَلَيْهِ مَنْ مَضَى مَنْ أَصْحَابِكَ ، وَلا تُمَكِّنْ مِنْ رَقَبَتِكَ يَتَلَعَّبُ بِهَا غِلْمَانُ بَنِي أُمَيَّةَ ، وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا أَرَدْتَ الدُّنْيَا ، فَبِئْسَ الْعَبْدُ أَنْتَ ، أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ ، وَأَهْلَكْتَ مَنْ قُتِلَ مَعَكَ ، وَإِنْ قُلْتَ : كُنْتُ عَلَى حَقٍّ فَلَمَّا وَهَنَ أَصْحَابِي ضَعُفَتْ نِيَّتِي ، فَكُلُّ هَذَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الأَحْرَارِ ، وَلا أَهْلِ الدِّينِ ، كَمْ خُلُودُكَ يَا بُنَيَّ فِي الدُّنْيَا ؟ الْقَتْلُ أَحْسَنُ . فَدَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَقَبَّلَ رَأْسَهَا ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا وَاللَّهِ رَأْيِي وَعَزْمِي ، وَالَّذِي هَمَمْتُ بِهِ دَاعِيًا إِلَى يَوْمِي هَذَا ، وَمَا رَكَنْتُ إِلَى الدُّنْيَا ، وَلا أَحْبَبْتُ الْحَيَاةَ فِيهَا ، وَمَا دَعَوْتُ إِلَى الْخُرُوجِ إِلا الْغَضَبُ لِلَّهِ أَنْ تُسْتَحَلَّ حُرَمُهُ ، وَلَكِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أَعْلَمَ رَأْيَكِ ، فَزِدْتِنِي قُوَّةً وَبَصِيرَةً مَعَ بَصِيرَتِي ، فَانْظُرِي يَا أُمَّهْ ، فَإِنِي مَقْتُولٌ مِنْ يَوْمِي هَذَا أَنْ لا يَشْتَدَّ جَزَعُكِ عَلَيَّ ، وَسَلِّمِي لِأَمْرِ اللَّهِ ، فَإِنَّ ابْنَكِ لَمْ يَتَعَمَّدْ إِتْيَانَ مُنْكَرٍ ، وَلا عَمِلَ بِفَاحِشَةٍ ، وَلَمْ يَجُرْ فِي حُكْمٍ ، وَلَمْ يَغْدِرْ فِي أَمَانٍ ، وَلَمْ يَتَعَمَّدْ ظُلْمَ مُسْلِمٍ ، وَلا مُعَاهِدٍ ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَحَدٍ مِنْ عُمَّالِي سُوءٌ فَرَضِيتُهُ ، بَلْ أَنْكَرْتُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ عِنْدِي آثَرَ مِنْ رِضَا رِبِّي ، اللَّهُمَّ لا أَقُولُ هَذَا تَزْكِيَةً لِنَفْسِي ، أَنْتَ أَعْلَمُ بِي ، وَلَكِنِّي أَقُولُهُ تَعْزِيَةً لأُمِّي لِتَسْلُوَ عَنِّي . فَقَالَتْ أُمُّهُ : إِنِّي لَأَرْجُو مِنَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ عَزَائِي عَنْكَ حَسَنًا ، إِنْ تَقَدَّمْتَنِي أَوْ تَقَدَّمْتُكَ ، فَفِي نَفْسِي حَرَجٌ حَتَّى أَنْظُرَ إِلامَ يَصِيرُ إِلَيْهِ أَمْرُكَ ؟ فَقَالَ : جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا يَا أُمَّهْ ، فَلا تَدَعِي الدُّعَاءَ قَبْلِي وَبَعْدِي ، فَقَالَتْ : لا أَدْعُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَبَدًا ، فَمَنْ قُتِلَ عَلَى بَاطِلٍ ، فَقَدْ قُتِلْتَ عَلَى حَقٍّ . ثُمَّ قَالَتْ : اللَّهُمَّ ارْحَمْ طُولَ ذَلِكَ الْقِيَامِ فِي اللَّيْلِ الطَّوِيلِ ، وَذَاكَ النَّحِيبَ وَالظَّمَأَ فِي هَوَاجِرِ الْمَدِينَةِ ، وَمَكَّةَ ، وَبِرَّهُ بِأَبِيهِ وَبِي ، اللَّهمَّ إِنِّي سَلَّمْتُ فِيهِ لأَمْرِكَ ، وَرَضِيتُ بِمَا قَضَيْتَ ، فَأَثَبْنِي فِي عَبْدِ اللَّهِ ثَوَابَ الشَّاكِرِينَ الصَّابِرِينَ . ثُمَّ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ عِنْدِهِا ، وَلَبِسَ دِرْعًا وَمَغْفَرًا ، فَوَقَفَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ دَنَا ، فَتَنَاوَلَ يَدَهَا وَقَبَّلَهَا ، فَقَالَتْ : هَذَا وَدَاعٌ ، فَلا تَبْعِدْ إِلا مِنَ النَّارِ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : إِنَّمَا جِئْتُ مُوَدِّعًا يَا أُمَّهْ ، إِنِّي لَأَرَى هَذَا آخِرَ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا يَمُرُّ بِي ، اعْلَمِي يَا أُمَّهْ : إِنِّي إِنْ قُتِلْتُ فَإِنَّمَا أَنَا لَحْمٌ ، مَا يَضُرُّنِي مَا صُنِعَ بِي . قَالَتْ : صَدَقْتَ . ثُمَّ قَالَتْ : يَا بُنَيَّ أَتْمِمْ عَلَى بَصِيرَتِكَ ، وَلا تُمُكِّنْ بَنِي أَبِي عَقِيلٍ مِنْكَ ، وَادْنُ مَنِّي حَتَّى أُوَدِّعُكَ ، فَدَنَا مِنْهَا فَعَانَقَهَا ، وَقَالَتْ : حَيْثُ وَجَدْتُ مَسَّ الدِّرْعِ : مَا هَذَا صَنِيعُ مِنْ يُرِيدُ مَا تُرِيدُ . فَقَالَ : مَا لَبِسْتُ هَذَا الدِّرْعَ إِلا لأَشُدَّ مِنْكِ . فَقَالَتْ : إِنَّهُ لا يَشُدُّ مَنِّي بِلْ يُخَالِفُنِي . فَخَرَجَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ عِنْدَهَا ، فَنَزَعَ دِرْعَهُ ، وَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِتَالِ ، وَهُوَ يَقُولُ : إِنِّي إِذَا أَعْرِفُ يَوْمًا أَصْبِرُ إِذَ بَعْضُهُمْ يَعْرِفُ ثُمَّ يُنْكِرُ فَفَهِمَتْ أُمُّهُ قَوْلَهُ ، فَقَالَتْ : تَصْبِرُ وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَبُوكَ أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ ، وَأُمُّكَ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ . ثُمَّ لاقَاهُمْ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ مَرَّةٍ فَهَزَمَهُمْ ، حَتَّى قُتِلَ قَالَ مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ : فَمَا مَكَثَتْ بَعْدَهُ إِلا عَشْرًا حَتَّى تُوُفِّيَتْ .
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ مَرْثَدٍ الْكَلْبِيِّ وَغَيْرِهِمَا ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ أَبِي صِالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، زَيْدٌ الْحِبُّ ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ابْنُ حَارِثَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُذْرَةَ بْنِ زَيْدِ اللاتِ بْنِ رُفَيْدَةَ بْنِ ثَوْرِ بْنِ كَلْبِ بْنِ وَبَرَةَ بْنِ تَغْلِبَ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ إِلْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ ، وَاسْمُ قُضَاعَةَ عَمْرٌو ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ قُضَاعَةَ لِأَنَّهُ انْقَضَعَ عَنْ قَوْمِهِ ، أَيِ انْقَطَعَ ، وَقُضَاعَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِمْيَرَ بْنِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ جَمَّاعُ الْيَمَنِ . وَأُمُّ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ سُعْدَى بِنْتُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ عَامِرِ بْنِ أَفْلَتَ بْنِ سِلْسِلَةَ مِنْ بَنِي مَعْنٍ مِنْ طَيِّئٍ ، فَزَارَتْ سُعْدَى أُمُّ زَيْدٍ قَوْمَهَا ، وَزَيْدٌ مَعَهَا ، فَأَغَارَتْ خَيلٌ لِبَنِي الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَمَرُّوا عَلَى أَبْيَاتِ بَنِي مَعْنٍ ، رَهْطِ أُمِّ زَيْدٍ ، فَاحْتَمَلُوا زَيْدًا ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ غُلامٌ يَفَعَةٌ ، قَدْ أَوْصَفَ فَوَافَوْا بِهِ سُوقَ عُكَاظٍ ، فَعَرَضُوهُ لِلْبَيْعِ ، فَاشْتَرَاهُ مِنْهُمْ حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ بِأَرْبَعِ مِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَلَمَّا تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَهَبَتْهُ لَهُ ، فَقَبَضَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ كَانَ أَبُوهُ حَارِثَةُ بْنُ شَرَاحِيلَ فَقَدَهُ ، فَقَالَ : بَكَيْتُ عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ أَدْرِ مَا فَعَلْ أَحَيٌّ فَيُرجَى أَمْ أَتَى دُونَهُ الأَجَلْ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَإِنْ كُنْتُ سَائِلا أَغَالَكَ سَهْلُ الأَرْضِ أَمْ غَالَكَ الْجَبَلْ تُذَكِّرُنِيهِ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا وَتَعْرِضُ ذِكْرَاهُ إِذَا قَارِبَ الطَّفَلْ وَإِنْ هَبَّتِ الَأَرْوَاحُ هَيَّجْنَ ذِكْرَهُ فَيَا طُولَ مَا حُزْنِي عَلَيْهِ وَمَا وَجَلْ سَأَعْمَلُ نَصَّ الْعَيْشِ فِي الأَرْضِ جَاهِدًا وَلا أَسْأَمُ التَّطْوَافَ أَوْ تَسْأَمُ الْإِبِلْ حَيَاتِيَ أَوْ تَأْتِي عَلَيَّ مَنِيَّتِي وَكُلُّ امْرِئٍ فَانٍ وَإِنْ غَرَّهُ الأَمَلْ سَأُوصِي بِهِ قَيْسًا وَعَمْرًا كِلَيْهِمَا وَأُوصِي يَزِيدًا ثُمَّ بَعْدَهُمُ جَبَلْ يَعْنِي : جَبَلَةَ بْنَ حَارِثَةَ أَخَا زَيْدٍ ، وَكَانَ أَكْبَرَ مِنْ زَيْدٍ ، وَيَعْنِي بِيَزِيدَ أَخَا زِيدٍ لأُمِّهِ ، وَهُوَ يِزِيدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ شَرَاحِيلَ ، فَحَجَّ أُنَاسٌ مِنْ كَلْبِ فَرَأَوْا زَيْدًا ، فَعَرَفَهُمْ وَعَرَفُوهُ ، فَقَالَ : أَبْلِغُوا أَهْلِي هَذِهِ الأَبْيَاتَ ، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُمْ قَدْ جَزِعُوا عَلَيَّ ، فَقَالَ : أَحِنُّ إِلَى قَوْمِي وَإِنْ كُنْتُ نَائِيًا فَإِنِّي قَطِينُ الْبَيْتِ عِنْدَ الْمَشَاعِرِ فَكُفُّوا مِنَ الْوَجْدِ الَّذِي قَدْ شَجَاكُمُ وَلا تَعْمَلُوا فِي الأَرْضِ نَصَّ الأَبَاعِرِ فَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ فِي خَيْرِ أُسْرَةٍ كِرَامِ مَعَدٍّ كَابَرًا بَعْدَ كَابِرِ فَانْطَلَقَ الْكَلْبِيُّونَ فَأَعْلَمُوا أَبَاهُ . فَقَالَ : ابْنِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ . وَوَصَفُوا لَهُ مَوْضِعَهُ ، وَعِنْدَ مَنْ هُوَ ، فَخَرَجَ حَارِثَةُ وَكَعْبُ ابْنَا شَرَاحِيلَ لِفِدَائِهِ وَقَدِمِا مَكَّةَ ، فَسَألا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، فَقِيلَ : هُوَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَدَخَلا عَلَيْهِ ، فَقَالا : يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، يَا ابْنَ هَاشِمٍ ، يَا ابْنَ سَيَّدِ قَوْمِهِ ، أَنْتُمْ أَهْلُ حَرَمِ اللَّهِ ، وَجِيرَانُهُ ، وَعِنْدَ بَيْتِهِ تَفُكُّونَ الْعَانِيَ ، وَتُطْعِمُونَ الأَسِيرَ ، جِئْنَاكَ فِي ابْنِنَا عِنْدَكَ ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا ، وَأَحْسِنْ إِلَيْنَا فِي فِدَائِهِ ، فَإِنَّا سَنَرْفَعُ لَكَ فِي الْفِدَاءِ . قَالَ : " مَنْ هُوَ " ؟ ، قَالُوا : زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : " فَهَلا غَيْرُ ذَلِكَ ؟ " قَالُوا : مَا هُوَ ؟ ، قَالَ : " أَدْعُوهُ فَأُخَيِّرُهُ فَإِنِ اخْتَارَكُمْ فَهُوَ لَكُمْ بِغَيْرِ فِدَاءٍ ، وَإِنِ اخْتَارِنِي فَوَاللَّهِ مَا أَنَا بِالَّذِي أَخْتَارُ عَلَى مَنِ اخْتَارَنِي أَحَدًا " . قَالا : قَدْ زِدْتَنَا النَّصَفَ ، وَأَحْسَنْتَ . قَالَ : فَدَعَاهُ ، فَقَالَ : " هَلْ تَعْرِفُ هَؤُلاءِ " ؟ ، قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : " مَنْ هَذَا " ؟ قَالَ : أَبِي ، وَهَذَا عَمِّي . قَالَ : " فَأَنَا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ وَرَأَيْتَ صُحْبَتِي لَكَ ، فَاخْتَرْنِي أَوِ اخْتَرْهُمَا " . قَالَ زَيْدٌ : مَا أَنَا بِالَّذِي أَخْتَارُ عَلَيْكَ أَحَدًا ، أَنْتَ مِنِّي بِمَكَانِ الأَبِ وَالْعَمِّ . فَقَالا : وَيْحَكَ يَا زَيْدُ ، أَتَخْتَارُ الْعُبُودِيَّةَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ ، عَلَى أَبِيكَ وَعَمِّكَ وَأَهْلِ بَيْتِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَدْ رَأَيْتُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ شَيْئًا ، مَا أَنَا بِالَّذِي أَخْتَارُ عَلَيْهِ أَحَدًا أَبَدًا . فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ إِلَى الْحِجْرِ ، فَقَالَ : " يَا مَنْ حَضَرَ اشْهَدُوا أَنَّ زَيْدًا ابْنِي ، يَرِثُنِي وَأَرِثُهُ " . فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُوهُ وَعَمُّهُ طَابَتْ أَنْفُسُهُمَا فَانْصَرَفَا ، فَدُعِيَ : زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِالإِسْلامِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْحَدِيثِ : " فَزَوَّجَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ الأَسَدِيَّةَ ، وَأُمُّهَا أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلَبِ بْنِ هَاشِمِ ، فَطَلَّقَهَا زَيْدٌ ، فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ " ، فَتَكَلَّمَ الْمُنَافِقُونَ فِي ذَلِكَ ، وَطَعَنُوا فِيهِ ، وَقَالُوا : مُحَمَّدٌ يُحَرِّمُ نِسَاءَ الْوَلَدِ ، وَقَدْ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ ابْنِهِ زَيْدٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ سورة الأحزاب آية 40 ، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ سورة الأحزاب آية 5 ، فَدُعِيَ يَوْمَئِذٍ : " زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ " ، وَدُعِيَ الأَدْعِيَاءُ إِلَى آبَائِهِمْ ، فَدُعِيَ الْمِقْدَادُ إِلَى عَمْرٍو ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ : الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ ، وَكَانَ الأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيُّ قَدْ تَبَنَّاهُ .
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّليُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : صَلَّى عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ بِأَصْحَابِهِ صَلاةً أَوْجَزَ فِيهَا ، فَقِيلَ لَهُ : يَا أَبَا الْيَقْظَانِ خَفَّفْتَ ، قَالَ : أَمَّا عَلَى ذَلِكَ قَدْ دَعَوْتُ بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ مَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، قَالَ : فَقَامَ رَجُلٌ فَاتَّبَعَهُ ، فَسَأَلَهُ عَنِ الدُّعَاءِ ، فَقَالَ : " اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ ، وَبِقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي ، وَتَوَفَّنِي مَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي ، اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحُكْمِ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى ، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لا يَبِيدُ ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لا تَنْقَطِعُ ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ نَظَرٍ إِلَى وَجْهِكَ ، وَأَسْأَلُكَ الشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ ، وَلا فَتْنَةٍ مُضِلَّةٍ ، اللَّهُمَّ زَيَّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ " .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : لَمَّا اسْتَوَى الصَّفَّانِ بِالنَّهْرَوَانِ ، تَقَدَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ ثُمَّ قَالَ : " أَمَّا بَعْدُ ، أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ الَّتِي أَخْرَجَتْهَا عَادَةُ الْمِرَاءِ وَالضَّلالَةِ ، وَصَدَفَ بِهَا عَنِ الْحَقِّ الْهَوى وَالزَّيْغُ ، إِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ أَنْ تُصْبِحُوا غَدًا صَرْعَى بِأَكْنَافِ هَذَا النَّهْرِ أَوْ بِمِلْطَاطٍ مِنَ الْغَائِطِ ، بِلا بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ، وَلا سُلْطَانٍ مُبِينٍ . أَلَمْ أَنْهَكُمْ عَنْ هَذِهِ الْحُكُومَةِ وَأُحَذِّرْكُمُوهَا ، وَأُعْلِمْكُمْ أَنَّ طَلَبَ الْقَوْمِ لَهَا دَهَنٌ مِنْهُمْ وَمَكِيدَةُ ، فَخَالَفْتُمْ أَمْرِي ، وَجَانَبْتُمُ الْحَزْمَ ، فَعَصَيْتُمُونِي حَتَّى أَقْرَرْتُ بِأَنْ حَكَّمْتُ ، وَأَخَذْتُ عَلَى الْحَكَمَيْنِ ، فَاسْتَوْثَقْتُ ، وَأَمَرْتُهُمَا أَنْ يُحْيِيَا مَا أَحْيَا الْقُرْآنَ ، وَيُمِيتَا مَا أَمَاتَ الْقُرْآنَ ، فَخَالَفَا أَمْرِي ، وَعَمِلا بِالْهَوَى ، وَنَحْنُ عَلَى الأَمْرِ الأَوِّلِ ، فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ، وَأَنَّى يُتَاهُ بِكُمْ " ؟ فَقَالَ خَطِيبُهُمْ : أَمَّا بَعْدُ ، يَا عَلِيُّ فَإِنَّا حِينَ حَكَّمْنَا كَانَ ذَلِكَ كُفْرًا مِنَّا ، فَإِنْ تُبْتَ كَمَا تُبْنَا ، فَنَحْنُ مَعَكَ وَمِنْكَ ، وَإِنْ أَبَيْتَ فَنَحْنُ مُنَابِذُوكَ عَلَى سَوَاءٍ ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ . فَقَالَ عَلِيٌّ : " أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ ، وَلا بَقِيَ مِنْكُمْ وَابِرٌ ، أَبَعْدَ إِيمَانِي بِاللَّهِ ، وَجِهَادِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَهَجْرَتِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُقِرُّ بِالْكُفْرِ ؟ ! لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ . وَلَكِنْ مُنِيتُ بِمَعْشَرٍ أَخِفَّاءَ الْهَامِ ، سُفَهَاءَ الأَحْلامِ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ " ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ وَهَزَمَهُمْ " .
حُدِّثْتُ عَنْ حُدِّثْتُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جَدْعَانَ ، " أَنَّ أَنَسًا لَمَّا دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا خِبْثَةُ ، شَيْخًا جَوَّالا فِي الْفِتَنِ ، مَعَ أَبِي تُرَابٍ مَرَّةً ، وَمَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ أُخْرَى ، وَمَعَ ابْنِ الأَشْعَثِ مَرَّةً ، وَمَعَ ابْنِ الْجَارُودِ أُخْرَى ، أَمَا وَاللَّهِ لَأُجَرِّدَنَّكَ جَرْدَ الضَّبِّ وَلَأَقْلَعَنَّكَ قَلَعَ الصَّمْغَةِ ، وَلَأَحْزِمَنَّكَ حَزْمَ السَّلَمَةِ ، الْعَجَبُ مِنْ هَؤُلاءِ الأَشْرَارِ ، أَهْلُ الْبُخْلِ وَالنِّفَاقِ . قَالَ عَلَيُّ بْنُ زَيْدٍ : فَقَالَ أَنَسٌ لَمَّا خَرَجَ : وَاللَّهِ لَوْلا وَلَدَيَّ لَأَجَبْتُهُ ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِمَا كَانَ مِنَ الْحَجَّاجِ إِلَيْهِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ كِتَابًا مَعَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ ، مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ ، فَقَدِمَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَبَدَأَ بِأَنَسٍ ، فَقَالَ : إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَكْبَرَ مَا كَانَ مِنَ الْحَجَّاجِ إِلَيْكَ ، وَأَعْظَمَ ذَلِكَ ، وَأَنَا لَكَ نَاصِحٌ ، إِنَّ الْحَجَّاجَ لا يَعْدِلُهُ أَحَدٌ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ , وَقَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ أنْ يَأْتِيَكَ ، وَأَنَا أَرَى لَكَ أَنْ تَأْتِيَهُ فَيَعْتَذِرُ إِلَيْكَ ، فَتَخْرُجَ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ لَكَ مُعَظِّمٌ وَبِحَقِّكَ عَارِفٌ . قَالَ : نَعَمْ ، ثُمَّ أَتَى الْحَجَّاجَ ، فَأَعْطَاهُ كِتَابَ عَبْدِ الْمَلِكِ ، فَجَعَلَ يَقْرَؤُهُ ، وَوَجْهُهُ يَتَغَيَّرُ ، فَأَقْبَلَ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ وَجْهِهِ ، وَيَقُولُ : غَفَرَ اللَّهُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، مَا كُنْتُ أَرَاهُ يَبْلُغُ مِنِّي هَذَا . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : ثُمَّ رَمَى الْكِتَابُ إِلَيَّ ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنِّي قَدْ قَرَأْتُ مَا فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ : قُمْ بِنَا إِلَى أَنَسٍ . فَقُلْتُ : بَلْ يَأْتِيكَ . فَأَتَيْتُ أَنَسًا ، فَقُلْتُ : اذْهَبْ بِنَا إِلَيْهِ ، فَأَتَاهُ ، فَرَحَّبَ بِهِ ، ثُمَّ قَالَ : عَجِلْتَ بِاللائِمَةِ يَا أَبَا حَمْزَةَ ، إِنَّ الَّذِي كَانَ مِنِّي إِلَيْكَ عَلَى غَيْرِ تَأنِيَةٍ ، وَلَكِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ لا يُحِسُّونَ للَّهَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا يُقِيمُ حُجَّتَهُ ، وَمَعَ هَذَا إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ يَعْلَمَ مُنَافِقُوا أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَفُسَّاقُهُمْ أَنِّي مَتَى أَقْدَمْتُ عَلَيْكَ ، فَهُمْ عَلَيَّ أَهْوَنُ ، وَأَنَا إِلَيْهِمْ أَسْرَعُ ، وَلَكَ الْعُتْبَى وَالْكَرَامَةُ ، فَقَالَ أَنَسٌ : مَا عَجِلْتُ بِاللائِمَةِ حَتَّى تَنَاوَلَنَا الْعَامَّةُ دُونَ الْخَاصَّةِ ، وَحَتَّى سَمَّيْتَنَا الأَشْرَارَ ، وَقَدْ سَمَّانَا اللَّهُ الأَنْصَارَ ، وَزَعَمْتَ أَنَّا أَهْلُ بُخْلٍ ، وَنَحْنُ الْمُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَزَعَمْتَ أَنَّا أَهْلُ النِّفَاقِ وَنَحْنُ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ . وَزَعَمْتَ أَنَّكَ اتَّخَذْتَنِي ذَرِيعَةً لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ، بِاسْتِحْلالِكَ مِنِّي مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ حَكَمٌ هُوَ أَرْضَى لِلرِّضَا وَأَسْخَطُ لِلسَّخَطِ ، وَإِلَيْهِ ثَوَابُ الْعِبَادِ ، وَجَزَاءُ أَعْمَالِهِمْ : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى سورة النجم آية 31 فَوَاللَّهِ إِنَّ النَّصَارَى عَلَى شِرْكِهِمْ ، لَوْ رَأَوْا رَجُلا قَدْ خَدَمَ عِيسَى يَوْمًا وَاحِدًا ، لَأَكْرَمُوهُ وَأَعْظَمُوهُ ، فَكَيْفَ لَمْ تَحْفَظْ لِي خِدْمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ ! فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكَ إِحْسَانٌ شَكَرْنَا ذَلِكَ ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ صَبَرْنَا إِلَى أَنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِالْفَرَجِ " قَالَ : وَكَانَ كِتَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّكَ عَبْدٌ قَدْ طَمَّتْ بِهِ الأُمُورُ حَتَّى عَدَوْتَ طَوْرَكَ ، وايْمُ اللَّهِ ، يَا ابْنَ الْمُسْتَفْرَمَةِ بَعَجَمِ الزَّبِيبِ ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَضْغَمَكَ ضَغْمَةً كَبَعْضِ ضَغَمَاتِ اللُّيُوثِ الثَّعَالِبِ ، وَأَخْبِطَكَ خَبْطَةً تَودُّ أَنَّكَ زَاحَمْتَ مَخْرَجَكَ مِنْ بَطْنِ أُمِّكَ ، قَدْ بَلَغَنِي مَا كَانَ مِنْكَ إِلَى أَنَسٍ ، وَأَظُنُّكَ أرَدْتَ أنْ تُخْبِرَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ غَيْرُهُ ، وِإِلا مَضَيْتَ قُدُمًا ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ ، أَخْفَشَ الْعَيْنَيْنِ ، مَمْسُوحَ الْجَاعِرَتَيْنِ ، حَمْسَ السَّاقَيْنِ ، كَأَنَّكَ نَسِيتَ مَكَاسِبَ آبَائِكَ بِالطَّائِفِ ، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الدَّنَاءَاتِ وَاللُّؤْمِ إِذْ يَحْفُرُونَ الْآبَارَ فِي الْمَنَاهِلِ بِأَيْدِيهِمْ وَيَنْقُلُونَ الْحِجَارَةَ عَلَى ظُهُورِهِمْ ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي فَالْقَ أَنَسًا فِي مَنْزِلِهِ ، وَاعْتَذِرِ إِلَيْهِ ، وَلَوْلا أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَظُنُّ أَنَّ الْوَلَدَ وَالْكُتُبَ كَثَّرُوا عَلَى الشَّيْخِ لَقَدْ بَعَثَ إِلَيْهِ مَنْ يَسْحَبُكَ ظَهْرًا لِبَطْنٍ ، حَتَّى يَأْتِيَ بِكَ أَنَسًا فَيَحْكُمَ فِيكَ ، وَلَنْ يَخْفَى عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ نَبَؤُكَ وَ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ سورة الأنعام آية 67 ، فَلا تُخَالِفْ كِتَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَكْرِمْ أَنَسًا وَوَلَدَهُ ، وَإِلا بَعَثْتُ إِلَيْكَ مَنْ يَهْتِكَ سِتْرَكَ وَيُشْمِتُ بِكَ عَدُوَّكَ ، وَالسَّلامُ .
حَدَّثَنِي عَمِّي حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ ، قَالَ : " بَلَغَنِي أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : إِنَّ النَّاسَ قَدْ رَفَعَوا أَعْيُنَهُمْ وَمَدُّوا أَعْنَاقَهُمِ إِلَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَلَوْ نَظَرْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فِيهِ لُوْثَةٌ فَاسْتَمَلْنَاهُ ، فَقَالَ عَمْرٌو : عِنْدَكَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ . فَلَمَّا أَصْبَحَ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ ، دَخَلَ عَلَيْهِ عَقِيلٌ ، فَقَالَ لَهُ : يَا أَبَا يَزِيدَ أَنَا خَيْرٌ لَكَ أَمْ عَلِيٌّ ؟ قَالَ : أَنْتَ خَيْرٌ لَنَا مِنْ عَلِيٍّ ، وَعَلِيٌّ خَيْرٌ لِنَفْسِهِ مِنْكَ . فَضَحِكَ مُعَاوِيَةُ ، فَضَحِكَ عَقِيلٌ . فَقَالَ لَهُ : مَا يُضْحِكُكَ يَا أَبَا يَزِيدَ ؟ قَالَ : أَضْحَكُ أَنِّي كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى أَصْحَابِ عَلِيٍّ يَوْمَ أَتَيْتُهُ ، فَلَمْ أَرَ مَعَهُ إِلا الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَهُمْ ، وَالْتَفَتُّ السَّاعَةَ فَلَمْ أَرَ إِلا أَبْنَاءَ الطُّلَقَاءِ ، وَبَقَايَا الأَحْزَابِ . فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : يَا أَهْلَ الشَّامِ ، هَلْ تَدْرُونَ مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : لا ، قَالَ : أَسَمِعْتُمْ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ سورة المسد آية 1 ، قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَإِنَّهُ وَاللَّهِ عَمُّ هَذَا . قَالَ عَقِيلٌ : صَدَقَ وَاللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ . فَهَلْ قَرَأْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى : وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ سورة المسد آية 4 ، فَهِيَ وَاللَّهِ عَمَّةُ مُعَاوِيَة ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ : الْحَقْ بِأَهْلِكَ ، حَسْبُنَا مَا لَقِينَا مِنْ أَخِيكَ . قَالَ لَهُ عَقِيلٌ : أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتُ مَعَ عَلِيٍّ الدِّينَ وَالسَّابِقَةَ ، وَأَقْبَلْتُ إِلَى دُنْيَاكَ ، فَمَا أَصَبْتُ دِينَهُ ، وَلا نِلْتُ مِنْ دُنْيَاكَ طَائِلا . فَأَعْطَاهُ وَأَكْثَرَ لَهُ . قَالَ : فَدَعَا مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، فَقَالَ : وَيْحَكَ يَا عَمْرُو ، هَذَا الَّذِي زَعَمْتَ أَنَّهُ أَهْوَجُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟ ! . قَالَ : مَا ذَنْبِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ إِلا مَا تَعْلَمُ . فَقَالَ مُعَاوِيَةُ فِي ذَلِكَ : أَلا يَا عَمْرُو عَمْرُو قَبِيلِ سَهْمٍ لَقَدْ أَخْطَأْتَ رَأْيَكَ فِي عَقِيلِ بُلِيتُ بِحَيَّةٍ صَمَّاءَ بَانَتْ تَلَفَّتُ أَيْنَ مُلْتَمَسُ الْقَبِيلِ بِعَينٍ تُنْفِذُ الْبَيْدَاءَ لَحْظًا وَنَابٍ غَيْرِ مَوْصُولٍ كَلِيلِ وَقَدْ كَانَتْ تُرَجِّمُهُ قُرَيْشٌ عَلَى عَمْيَاءَ مِنْ قَالٍ وَقِيِلِ أَلا لِلَّهِ دَرُّ أَبِي يَزِيدَ لَهَرَجِ الأَمْرِ وَالْخَطْبِ الَجَلِيلِ فَمَا خَاصَمْتُ مِثْلَكَ مِنْ خَصِيمٍ وَلا حَاوَلْتُ مِثْلَكَ مِنْ حَوِيلِ أَتَانِي زَائِرًا وَرَأَى عَلِيًّا قَلِيلَ المَالِ مُنْقَطِعَ الْخَلِيلِ فَقِيلَ لَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَرْبٍ فَمَالَ أَبُو يَزِيدَ إِلَى مُمِيلِ فَأَجْزَلْتُ الْعَطَاءَ لَهُ وَدَبَّتْ عَقَارِبُهُ لِسَالِفَةِ الدُّخُولِ فَلَمْ يَرْضَ الْكَثِيرَ وَقَدْ أَرَاهُ سَخُوطًا لِلْكَثِيرِ وَلِلْقَلِيلِ فَرَجَعَ عَقِيلٌ إِلَى عَلِيٍّ فَأَخبَرَهُ الْخَبَرَ ، فَقَالَ : " كَانَ فِي نَفْسِ مُعَاوِيَةَ شَيْءٌ ، فَمَا أَحَبَّ أَنَّكَ لَمْ تَأْتِهِ ، فَقَدِ انْقَطَعَ ظَهْرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ " .
حَدَّثَنِي عَمِّي ، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ ، قَالَ : " اجْتَمَعَ شَرِيكٌ وَ الْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَهْدِيِّ ، فَقَالَ لَهُمَا : مَا تَقُولانِ فِي رَجُلٍ رَمَى رَجُلا بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ ؟ فَقَالَ شَرِيكٌ : يُقْتَلُ كَمَا قَتَلَ . فَقَالَ الْقَاسِمُ : لَيْسَ كَمَا تَقُولُ . فَقَالَ شَرِيكٌ : أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ سورة النحل آية 126 ، فَقَالَ : بَلَى . فَقَالَ : لِمَ تَمُوقُ إِذًا ؟ قَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، لَوْ جَارَيْنَاكَ لَسَبَقْتَنَا سَبْقًا بَعِيدًا . ثُمَّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : " لا قَوَدَ إِلا بِالسَّيْفِ " ، وَنَهَى عَنِ الْمُثْلَةِ . ثُمَّ قَالَ لِشَرِيكٍ : أَرَأَيْتَ لَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ فَلَمْ يَقْتُلْهُ ثُمَّ ثَنَّى فَلَمْ يَقْتُلْهُ ، ثُمَّ ثَلَّثَ ، أَلَيْسَ كَانَتْ تَكُونُ مُثْلَةً ؟ فَصَمَتَ شَرِيكٌ .
حُدِّثْتُ عَنْ حُدِّثْتُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسِّيبِ ، قَالَ : " " اشْتَرَكَ ثَلاثَةٌ فِي ظَهْرِ امْرَأَةٍ ، فَوَلَدَتْ ، فَجَاءَتْ بِغُلامٍ ، فَتَنَازَعَهُ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ يَدَّعِيهِ ، فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ثَلاثَةً مِنَ الْقَافَةِ ، وَكَانَ عُمَرُ قَائِفًا ، فَأَمَرَ الصَّبِيَّ فَوَضِعَ قُدَّمَهُ عَلَى صَعِيدٍ أَوْ رَمَادٍ ، وَوَطِئَ الْقَوْمُ ذَلِكَ الصَّعِيدَ ، ثُمَّ قَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَافَةِ : انْظُرْ . فَيَنْظُرْ فَيَقُولُ : قَدْ أَخَذَ الشَّبَهُ مِنْهُمْ جَمِيعًا فَمَا أَدْرِي لِأَيِّهِمْ هُوَ ، فَنَظَرَ عُمَرُ ، فَقَالَ مثل مَقَالَتِهِمْ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ ذَلِكَ سِرًّا مِنْ صَاحِبِهِ ، فَقَالَ عُمَرُ : قَدْ كَانَتِ الْكَلْبَةُ يَنْزُو عَلَيْهَا الأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ وَالأَبْلَقُ وَالأَنْمَرُ ، فَتُؤَدِّي إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُشَابَهَةً ، وَلَمْ أَدْرِ أَنْ هَذَا الأَمْرَ فِي النَّاسِ ، فَجَعَلَهُ عُمَرُ لَهُمْ ، يَرِثُهُمْ وَيَرِثُونَهُ ، وَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمْ " " .
حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبِ ، قَالَ : " دَخَلَ ابْنُ السَّمَّاكِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونَ الرَّشِيدِ ، حِينَ وَلِيَ الْخِلافَةَ ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ غَيْرَ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيِّ ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : يَا ابْنَ السَّمَّاكِ ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَزَلْ يَذْكُرُكُ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ وَلِيُّ عَهْدِ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، أَحَبَّ أَنْ تَكُونَ مِنْهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ قَرِيبًا ، لِمَا بَلَغَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ صَلاحِكَ فِي نَفْسِكَ ، وَحُسْنِ ذِكْرِكَ . فَقَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ : أَمَّا مَا ذَكَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ صَلاحِنَا فِي أَنْفُسِنِا ، فَذَلِكَ سِتْرُ اللَّهِ ، وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَوْ يَطَّلِعُ النَّاسُ مِنَّا عَلَى ذَنْبٍ وَاحِدٍ ، مَا ثَبَتَ لَنَا قَلْبٌ عَلَى مَوَدَّةٍ ، وَلا لِسَانٌ عَلَى مَدْحَةِ ، وَقَدْ خِفْتُ مِنَ السَّتْرِ الْفِتْنَةَ ، وَمِنَ الْمَدْحِ الْغِرَّةَ ، فَأَنَا خَائِفٌ أَنْ أَهْلَكَ بَيْنَهُمَا ، وَأَنْ أَعْطَبَ مَنْ قِلَّةِ الشُّكْرِ عَلَيْهِمَا ، ثُمَّ سَكَتَ ابْنُ السَّمَّاكِ . فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : تَكَلَّمْ يَا ابْنَ السَّمَّاكِ . قَالَ : وَقَدْ هَيَّأْتُ لَهُ كَلامًا كَانَ عِنْدِي مَصُونًا ، فَذَهَبَ وَاللَّهِ عَلَيَّ ، فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَرْضَ لِخِلافَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ ، غَيْرَكَ فَلا تَرْضَ لِلَّهِ إِلا بِطَاعَتِكه ، وَبِمَا يُرْضِيهِ عَنْكَ ، فَإِنَّكَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وَأَحَقُ النَّاسِ بِذَلِكَ . يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَنْ عَمِلَ فِي فِكَاكِ رَقَبَتِهِ فِي أَيَّامِ مَهْلِهِ مِنْ قَبْلِ حُضُورِ أَجَلِهِ كَانَ خَلِيقًا أَنْ يُعْتِقَ نَفْسَهُ . يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَنْ أَذَاقَتْهُ الدُّنْيَا حَلاوَتَهَا بِرُكُونٍ مِنْهُ إِلَيْهَا ، أَذَاقَتْهُ الْآخِرَةُ مَرَارَتَهَا بِتَجَافِيهِ عَنْهَا ، وَمَا اسْتَوَى الطَّعْمَانِ فِي عُذُوبَتِهِمَا ، وَمَرَارَتِهِمَا . يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنِّي أُنْشِدُكَ اللَّهَ ، أَنْ تُقْدِمَ غدًا عَلَى جَنَّةٍ ، عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ ، لَيْسَ لَكَ فِيهَا نَصِيبٌ . إِنَّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، قَدْ دُعِيتَ إِلَى الْجَنَّةِ ، وَنُدِبْتَ إِلَيْهَا فَلا تُقَصِّرَنَّ بِنَفْسِكَ فِي الطَّلَبِ ، فَإِنَّ الْحُجَّةَ لَكَ أَلْزَمُ وَهِيَ عَلَيْكَ أَعْظَمُ . يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، تَوَاضَعْ لِلَّهِ ، فَإِنِهُ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، خَرَجَ وَهُوَ يُرِيدُ قُبَاءً فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِهَا مَعَهُ إِنَاءٌ فِيهِ لَبَنٌ قَدْ خَاضَ فِيهِ عَسَلا فَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ ، فَلَمَّا تَذَوَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " طَعْامَانِ وَشَرَابَانِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ ، لا حَاجَةَ لِي بِهِ ، وَإِنْ كُنْتُ لا أُحُرِّمُهُ ، وَلَكِنْ أُحِبُّ أَنْ يَرَانِي اللَّهُ مُتَوَاضِعًا ، فَإِنَّ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ " . يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَاللَّهِ لَوْ لَبِسْتَ الْغَلِيظَ لَكَانَ أَحْسَنَ عَلَيْكَ مِنَ الدَّقِيقِ ، دَعْ مَوَالِيَكَ فَلْيَجُرُّوا الْخُزُوزَ وَالْبُزُوزَ ، وَكُنْ عَلَى التَّوَاضُعِ مِنَ اللَّهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضَيِّعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا . وَاللَّهِ إِنَّ أَكْبَادًا بَاتَتْ تَخْفِقُ جُوعًا أَشْبَعْتَهَا وَأَرْوَيْتَهَا ، إِنَّ ذَلِكَ لَسَرِيعٌ فِي الْخَبَرِ ، هُمْ رَعِيَّتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ ، فَأَلِنْ عِطْفَكَ ، وَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ ، وَاكْسُ الْعُرَاةَ ، وَأَشْبِعِ الْبُطُونَ ، فَإِنَّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا تَمُوتُ وَحْدَكَ ، وَتُقْبَرُ وَحْدَكَ ، وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ ، وَتُحَاسَبُ وَحْدَكَ ، وَاذْكُرِ الْمَقَامَ بَيْنَ يَدَيِ الْجَبَّارِ ، وَالْوُقُوفَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، فَإِنَّكَ لا تُقْدِمُ إِلا عَلَى نَادِمٍ مَشْغُولٍ ، وَلا تُخَلِّفُ إِلا جَاهِلا مَغْرُورًا ، وَإِنَّا وَإِيَّاكَ فِي دَارِ سَفَرٍ ، وَحِيرَانِ ظَعْنٍ ، وَقَدْ أُبْلِغَ الرِّيقُ وَأُرْخِيَ الْخِنَاقُ ، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ فِيمَا مَضَى مِنْ أَجَلِهِ ، فَلْيَسْتَدْرِكْ فِي قَلِيلِ مَا بَقِيَ مِنْ رَمَقِهِ ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ : أَنَّ ثَلاثةً مِنَ الْعُبَّادِ اجْتَمَعُوا ، قَدْ أَنْحَلَتْهُمُ الْعَبَادَةِ ، وَيَبَّسَتْ جُلُودَهُمْ عَلَى أَعْظُمِهِمْ مِنْ حَرِّ الصَّوْمِ ، فَقِيلَ لِأَحَدِهِمْ : فِيمَ عَبَادَتُكَ ، رَحِمَكَ اللَّهُ ؟ فَقَالَ : شَوْقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، قَدْ أَهْلَكَنِي الشَّوْقُ إِلَيْهَا لا أَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ حَتَّى أَعْلَمَ أَنِّي قَدْ وَصَلْتُ إِلَيْهَا . وَقِيلَ لِلآخَرِ : فِيمَ عِبَادَتُكَ ؟ قَالَ : فَرَقًا مِنَ النَّارِ ، قَدْ أَهْلَكَنِي الْفَرَقُ مِنْهَا ، لا أَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى أَعْلَمَ أَنِّي قَدْ نَجَوْتُ مِنْهَا . وَقِيلَ لِلْثَالِثِ : فِيمَ عِبَادَتكَ ؟ قَالَ : اسْتَحْيَاءً مِنَ اللَّهِ ، وَمِنَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، لِمَا عِنْدِي مِنَ الذَّنُوبِ وَالْعُيُوبِ ، لا أَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ حَتَّى أَعْلَمَ أَنِّي قَدْ نَجَوْتُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْقِفِ . يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ الْمَوْتَ أَضَرَّ بِالدُّنْيَا ، وَفَضْحَ أَهْلهَا ، فَبَيْنَمَا الْمَرْءُ مَهِيبٌ عَزِيزٌ إِذَ صَارَ فِي التُّرَابِ مَهِينًا ذَلِيلا ، بَيْنَمَا هُوَ ذُو الْجَمْعِ وَالتَّبَعِ ، إِذَ تَفَرَّقَ عَنْهُ ذَلِكَ أَجْمَعُ ، إِنَّمَا هُوَ دَبِيبٌ مِنْ سَقَمٍ حَتَّى يَؤْخَذَ بِالْكَظْمِ وَتَزِلَّ الْقَدَمُ ، وَيَقَعَ النَّدَمُ ، فَلا تَوْبَةٌ تُنَالُ ، وَلا عَثْرَةٌ تُقَالُ ، وَلا يُقْبَلُ فِدَاءٌ بِمَالٍ ، إِنَّمَا هِيَ لَحْظَةٌ حَتَّى يُخْرَسَ اللِّسَانُ ، وَيُصَمَّ السَّمْعُ ، وَيُعْمَى الْبَصَرُ ، وَيُذْهَلُ الْعَقْلُ ، فَكَمْ مِنْ مُعَايِنٍ لِرُسُلِ رَبِّهِ ، قَدْ صَغُرَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ جَنْبَ الَّذِي نزل بِهِ ، نَدِمَ الْمِسْكِينُ ، فَلَمْ يَنْفَعَهُ نَدَمُهُ ، فِي مِنْهَاجِهِ ، فَقَالَ : فِي كِتَابِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ سورة المؤمنون آية 99 ، مَا يَصْنَعُ بِالرَّجْعَةِ الْمِسْكِينُ ؟ ، أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى دَارِهِ فَيُبَدِّدَ مَا جَمَعَ مِنْ مَالِهِ ، فَأَبَى عَلَيْهِ ذَلِكَ . يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّهُمْ نَدِمُوا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ : نَدِمُوا عِنْدَ الْمَوْتِ ، وَنَدِمُوا وَهُمْ فِي النُّشُورِ ، وَنَدِمُوا وَهُمْ فِي النِّيرَانِ ، فَقَالَ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ : حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ { 99 } لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا سورة المؤمنون آية 99-100 فَأَخْبَرَكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الصَّلاحِ . وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ سورة المنافقون آية 10 ، هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ . وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَهُمْ فِي النُّشُورِ : وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ سورة السجدة آية 12 . وَقَالُوا : وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ سورة فاطر آية 37 فَنَظَرَ امْرُؤٌ لِنَفْسِهِ ، وَبَادَرَ امْرُؤٌ بِعَمَلِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذُ بِالْكَظْمِ ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَ مَنْ مَاتَ وَأُدْخِلَ النَّارُ ، وَعَايَنَ بَلايَاهَا ثُمَّ سَأَلَ الرَّجْعَةَ ، وَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ ، وَرَجَعَ إِلَى دُنْيَاهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَلْيَفْعَلْ . قَالَ : فَبَكَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بُكَاءً شَدِيدًا ، فَقَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ : إِنَّا بَعْدُ لَمْ نَخْرُجْ مِنَ الدُّورِ ، وَإِنَّا بَعْدُ لَمْ نَصِرْ إِلَى الْقُبُورِ ، وَإِنَّا بَعْدُ لَمْ نَخْتَبِرْ عَظَائِمَ تِلْكَ الأُمُورِ ، وَرَسُولُ رَبِّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَيْنَا سَرِيعٌ ، وَكُلُّنَا بِسُرْعَتِهِ جَاهِلٌ مَغْرُورٌ . قَالَ : فَقَالَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ ، قُمْ يَا ابْنَ السَّمَّاكِ ، فَقَدْ شَقَقْتَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ : فَنَهَضْتُ وَأَنَا أَسْمَعُ شَهِيقَهُ وَبُكَاءَهُ ، حَتَّى خَرَجْتُ وَاتَّبَعَنِي يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ ، فَقَالَ : يَا ابْنَ السَّمَّاكِ ، أَنْتَ مُتَكَلِّمُ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَلَوْ قُلْتُ : إِنَّكَ مُتَكَلِّمُ أَهْلِ الدُّنْيَا لَصَدَقْتُ ، دَخَلْتَ عَلَى مَلِكٍ حَدَثِ السِّنِّ لَمْ يَحْزَنْ قَطُّ ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيَمُوتُ لَهُ الْوَلَدُ النَّفِيسُ فَيُرَى مُبْتَهِجًا ، وَلا يُظْهِرُ حُزْنًا ، فَدَخَلْتَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ فَذَكَّرْتَهُ الْحِسَابَ وَالْمَوْتَ وَالْبَعْثَ وَالْمِيزَانَ ، فَكَلَّمْتَ قَلْبَهُ ، فَإِنْ رَجَعْتَ إِلَيْهِ فَارْفُقْ بِهِ . قَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ : فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَلِيٍّ ، إِنَّكَ قَدْ أَصْبَحْتَ فِي مَوْضِعٍ قَدْ كَانَ فِيهِ قَبْلَكَ ، وَهُوَ كَائِنٌ فِيهِ قَوْمٌ بَعْدَكَ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْمُ بِالْمَدَائِحِ وَالْمَعَائِبِ ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ إِذْ صِرْتَ بِالْمَنْصِبِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ أَنْ تَعْمَلَ عَمَلا يَكْرُمُ مُدَّخَرُهُ ، وَيَحْسُنُ مُنْتَشِرُهُ ، فَافْعَلْ . قَالَ : ثُمَّ انْصَرَفْتُ .
حَدَّثَنِي أَبُو غَزِيَّةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ، قَالَ : لَقَدْ غَدَوْتُ فِي غَدَاةٍ شَاتِيَةٍ جَائِعًا خَصِيرًا ، وايْمُ اللَّهِ لَوْ كَانَ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، طَعَامٌ لَأُطْعِمْتُ مِنْهُ ، وَقَدْ أَخَذْتُ إِهَابًا مَطْعُونًا فَجِئْتُ وَسَطَهُ ، ثُمَّ شَدَدْتُهُ عَلَيَّ بِخُوصٍ لِيُدَّفِينِي أَلْتَمِسُ كَسْبًا لَعَلِي أَجِدُ شَيْئًا آكُلُهُ ، فَمَرَرْتُ بِيَهُودِيٍّ ، وَهُوَ فِي حَائِطٍ لَهُ ، يَنْزِعُ مِنْهُ بِيَدِهِ يَسْقِيهِ ، فَاطَّلَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ ثَلْمَةٍ فِي الْحَائِطِ . قَالَ : يَا أَعْرَابِيُّ مَا لَكَ ؟ هَلْ لَكَ فِي كُلِّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمِ افْتَحِ الْبَابَ . فَفَتَحَهُ لِي ، فَدَخَلْتُ ، فَأَعْطَانِي دَلْوًا ، فَجَعَلْتُ كُلَّمَا نَزَعْتُ دَلْوًا أَعْطَانِي تَمْرَةً ، حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ كَفِّي طَرَحْتُ إِلَيْهِ دَلْوَهُ ، وَقُلْتُ : حَسْبِي ثُمَّ أَكَلْتُهُنَّ ، وَحَمِدْتُ اللَّهَ ، وَشَرِبْتُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي نَزَعْتُ بِكَفْيِ حَتَّى رُوِيتُ ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدْتُهُ فِي الْمَسْجِدِ جَالِسًا مَعَ النَّاسِ ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ ، فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ فِي بُرْدَةٍ لَهُ خَلِقٍ مَرْقُوعَةٍ بِفَرْوٍ . قَالَ : فَجَاءَ وَهُوَ مُسْتَحٍ يَتَقَصَّى النَّاسَ ، حَتَّى جَلَسَ فِي أَدْنَاهُمْ ، وَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ ، وَذَكَرَ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْجَهْدِ فِي الْإِسْلامِ . قَالَ : فَذَرَفَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : " تُوشِكُونَ أَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فِي حُلَّةٍ ، وَيَرُوحُ فِي أُخْرَى ، وَأَنْ يُغْدَا عَلَى أَحَدِكُمْ بِجَفْنَةِ ، وَيُرَاحُ عَلَيْهِ بِأُخْرَى ، وَيَسْتُرَ بَيْتَهُ كَمَا يَسْتُرَ الْكَعْبَةَ ، أَفَأَنَّكُمْ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ ، أَمْ أَنْتُمُ الْيَوْمَ " ؟ قَالَ : قُلْنَا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مِنَّا الْيَوْمَ ، كُفِينَا الْمَئُونَةُ ، فَتَفَرَّغْنَا لِلْعِبَادَةِ . قَالَ : " بَلْ أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ " .
حَدَّثَنِي أَبُو غَزِيَّةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ أَبِي الْحَجَّاجِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَتْ لِي مَوْلاةٌ لَنَا : مَا يَمْنَعُكَ مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّهَا تُخْطَبُ إِلَيْهِ ؟ . قَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ : فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ بِي حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْإِجْلالِ مَا لَيْسَ لِأَحَدٍ ، فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَأُفْحِمْتُ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى الْكَلامِ ، فَقَالَ لِي : " مَا لَكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ ؟ هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ " ؟ فَسَكَتُّ ، حَتَّى أَعَادَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ قَالَ : " فَلَعَلَّكَ تُرِيدُ فَاطِمَةَ " ؟ قَالَ : فَقُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : " مَا فَعَلَتْ دِرعٌ كُنْتُ سَلْحَتَكَهَا " ؟ ، فَقُلْتُ : عِنْدِي . قَالَ : " فَاذْهَبْ بِهَا إِلَيْهَا فَاسْتَحِلَّهَا بِهَا " .
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ : لَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ فَاطِمَةَ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِصَرًّا مِنْ ذَهَبٍ ، فَقَالَ : ابْتَعْ بِهَذَا طَعَامًا لِوَلِيمَتِكَ . قَالَ : فَخَرَجْتُ إِلَى مَحَافِلِ الأَنْصَارِ ، فَجِئْتُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي جَرِينٍ لَهُ ، قَدْ فُرِّغَ مِنْ طَعَامِهِ ، فَقُلْتُ لَهُ : بِعْنِي بِهَذَا الْمِصَرِّ طَعَامًا ، فَأَعْطَانِي ، حَتَّى إِذْا جَعَلْتُ طَعَامِي ، قَالَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قُلْتُ : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ . فَقَالَ : ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : وَمَا تَصْنَعُ بِهَذَا الطَّعَامِ ؟ قُلْتُ : أُعَرِّسُ . فَقَالَ : وَبِمَنْ ؟ فَقُلْتُ : بِابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ . قَالَ : فَهَذَا الطَّعَامُ ، وَهَذَا الْمِصَرُّ الذَّهَبُ ، فَخُذْهُ ، فَهُمَا لَكَ . فَأَخَذْتُهُ وَرَجَعْتُ ، فَجَمَعْتُ أَهْلِي إِلَيَّ ، وَكَانَ بَيْتُ فَاطِمَةَ لِحَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ، فَسَأَلَتْ فَاطِمَةُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، أَنْ يُحَوِّلَهُ . فَقَالَ لَهَا : " لَقَدِ اسْتَحَيْيتُ مِنْ حَارِثَةَ مِمَّا يَتَحَوَّلُ لَنَا عَنْ بُيُوتِهِ " . فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ حَارِثَةُ انْتَقَلَ مِنْهُ ، وَأَسْكَنَهُ فَاطِمَةَ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ " يَأْتِي الأَنْصَارَ فِي دُورِهِمْ فَيَدْعُو لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ ، فَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ ، فَيُذَكِّرُهُمْ وَيُحَذِّرُهُمْ وَيُنْذِرُهُمْ ، وَيَأْتُونَهُ بِصِبْيَانِهِمْ " .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، قَالَ : " اجْتَمَعَ عْنَدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ جمَاعَةٌ ، فَتَذَاكَرُوا الْجُودَ والسَّخَاءَ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : أَجْوَدُ النَّاسِ حَيًّا وَمَيَّتًا حَاتِمٌ . قَالَ مُعَاوِيَةُ : فَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ قُرَيْشٍ لَيُعْطِي فِي مَجْلِسٍ واحِدٍ مَا لَمْ يَكُنْ حَاتِمٌ يَمْلِكَ مِثْلَهُ وَلا قَوْمُهُ . فَقَالَ الرَّجُلُ : أُخْبِرُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِجُودِ حَاتِمٍ ، أَمَّا حيًّا فَقَدْ بَلَغَكَ وَأمَّا مَيَّتًا ، فَإِنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي أَسَدٍ مَرُّوا بِقَبْرِ حَاتِمٍ مُسَافِرَيْنِ وَرَئِيسُهُمْ رَجُلٌ يُكْنَى أَبَا الْخَيْبَرِيِّ ، فَنَزَلُوا بِقَبْرِهِ مُعَرِّسِينَ ، وَقَالُوا : وَاللَّهِ لَنُبْخِلَنَّهُ ، وَلَنُخْبِرَنَّ الْعَرَبَ أَنَّا نَزَلْنَا بِحَاتِمٍ فَسَأَلْنَا الْقِرَى فَلَمْ يَقْرِنَا ، وَأَرَادُوا عَيْبَهُ وَتَهْجِينَهُ ، فَجَعَلُوا يُنَادُونَهُ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ : أَيَا حَاتِمُ أَلا تَقْرِي أَضْيَافَكَ ، فَإِذَا هُمْ بِصَوْتِ مُنَادٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ : أَبَا خَيْبَرِيٍّ وَأَنْتَ امْرُؤٌ ظَلُومُ الْعَشِيرَةِ لَوَّامُهَا فَمَاذَا أَرَدْتَ إِلَى رِمَّةٍ بَدِاوِيَّةٍ صَخِبٍ هَامُهَا وَتَبْغِي أَذَاهَا وَتْغَتَابُهَا وَحَوْلَكَ غَوْثٌ وَأَنْعَامُهَا وَإِنَّا لَنُطْعِمُ أَضْيَافَنَا مِنَ الْكُومِ بِالسَّيْفِ يَعْتَامُهَا فَهَبَّوا مِنَ اللَّيْلِ يَنْظُرُونَ ، فَوَجَدُوا نَاقَةَ أَحَدِهِمْ تَكُوسُ عَقِيرًا ، فَعَجِبَ مُعَاوِيَةُ مِنْ حَدِيثِهِ ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ " .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الأَثْرَمُ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى ، قَالَ : " اجْتَمَعَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَوْمٌ فَتَذَاكَرُوا مُلُوكَ الْعَرَبِ حَتَّى ذَكَرُوا الزَّبَّاءَ بْنَتَ عَفْزَرَ ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ حَدِيثَ حَاتَمِ طَيِّئٍ وَمَاوِيَّةَ بِنْتِ عَفْزَرَ ، وَكَانَتْ تُلَقَّبُ بِالزَّبَّاءِ ، وَكَانَ اسْمُهَا مَاوِيَّةَ . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : أَفَلا أُحَدِّثُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : بَلَى . قَالَ : فَإِنَّ مَاوِيَّةَ بِنْتَ عَفْزَرَ كَانَتْ مَلِكَةً ، وَكَانَتْ تَتَزَوَّجُ مَنْ أَرَادَتْ ، وَأَنَّهَا بَعَثَتْ غِلْمَانًا لَهَا ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يَأْتُوهَا بِأَوْسَمِ مَنْ يَجِدُونَهُ بِالْحِيرَةِ ، فَجَاءُوهَا بِحَاتِمٍ ، فَقَالَتْ لَهُ : اسْتَقْدِمْ إِلَى الْفِرَاشِ ، فَقَالَ : حَتَّى أُنْبِئَكِ بِحَالِي . فَقَعَدَ عَلَى الْبَابِ ، فَقَالَ : إِنِّي أَنْتَظِرُ صَاحِبَيْنِ لِي . فَقَالَتْ : دُوْنَكَ فَاسْتَدْخِلِ الْمِجْمَرَ . فَقَالَ حَاتِمُ : اسْتِي لَمْ تُعَوَّدِ الْمِجْمَرَ ، فَأَرْسَلَهَا مثلا وَارْتَابَتْ بِهِ ، وَسَقَتْهُ خَمْرًا ، فَجَعَلَ يُهْرِيقُهُ تَحْتَ الْبَابِ وَلا تَرَاهُ ، تَحْتَ اللَّيْلِ . ثُمَّ قَالَ : مَا أَنَا بِقَارٍ وَلا ذَائِقٍ خَمْرًا حَتَّى أَنْظُرَ مَا فَعَلَ صَاحِبَايَ . فَقَالَتْ : إِنَّا سَنُرْسِلُ إِلَيْهُمَا بِقِرًى . فَقَالَ : لَيْسَ بِنَافِعِي شَيْئًا حَتَّى آتِيَهُمَا ، فَأَتَاهُمَا ، فَقَالَ : أَفَتَكُونَانِ عَبْدَيْنِ لِابْنَةِ عَفْزَرَ يَرْعَيَانِ عَلَيْهَا أَحَبُّ إِلَيْكُمَا أَمْ تَقْتُلُكُمَا ؟ فَقَالا : كُلُّ هَذَا نَقُصُّهُ ، أَيْ نَتَّبِعُ أَثَرَهُ ، وَلَبَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضٍ . فَقَالَ حَاتِمٌ : فَشَأْنُكُمَا وَالرَّحِيلُ وَالنَّجَاءُ فِي الْبِلادِ عَنْهَا هَرَبًا ، فَأَنْشَأَ حَاتِمٌ يَقُولُ فِي ذَلِكَ يَذْكُرُهَا فِي شِعْرِهِ وَمَا حَبَسَ نَفْسَهُ عَنِ الرِّيبَةِ ، وَأَنَّهُ عَفِيفٌ لَيْسَ مِمَّنْ يَأْتِي الرِّيَبَ . وَابْنَةُ عَفْزَرَ كَانَتْ بِالْحِيرَةِ ، وَكَانَ النُّعْمَانُ مَنْ يِأْتِيهِ يُرِيدُ كَرَامَتَهُ أَنْزَلَهُ عَلَيْهَا فَقَالَ : حنَّتْ إِلَى الأَجْبَالِ أَجْبَالُ طَيٍّ وَجُنَّتْ جُنُونًا أَنْ رَأَتْ سَوْطَ أَحْمَرَا أَحْمَرُ : قَالَ عَمِّي : رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ كَانَ يَسُوقُ لِحَاتِمٍ إِذَا وَفَدَ إِلَى الْمُلُوكِ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى : أَحْمَرُ : اسْمُ رَجُلٍ كَانَ يَعْمَلُ السِّيَاطِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . فَقُلْتُ لَهَا إِنَّ الطَّرِيقَ أَمَامَنَا وَإِنَّا لَمُحْيُو أَرْضِنَا إِنْ تَيَسَّرَا فَيَا أَخَوَيْنَا مِنْ جَدِيلَةَ إِنَّمَا تُسَامَانِ ضَيْمًا مُسْتَبِينًا فَتَنْظُرَا فَمَا نَكَرَاهُ غَيْرَ أَنَّ ابْنَ مِلْقَطٍ أَرَاهُ وَقَدْ أُعْطَى الْمَقَادَةُ أَوْجَرَا وَإِنِّي لَمِزْجَاءُ الْمَطِيِّ عَلَى الْوَجَا وَمَا أَنَا مِنْ خِلانِكِ ابْنَةَ عَفْزَرَا وَمَا زِلْتُ أَسْعَى بَيْنَ نَابٍ وَدَارَةٍ بِلَحْيَانَ حَتَّى خِفْتُ أَنْ أَتَنَصَّرَا وَحَتَّى حَسِبْتُ اللَّيْلَ وَالصُّبْحَ إِذْ بَدَا حِصَانَيْنِ مُشْتَالَيْنِ جَوْنًا وَأَشْقَرَا وَإِنِّي لَوَهَّابٌ قَطُوعِي وَنَاقَتِي إِذَا مَا انْتَشَيْتُ وَالْكُمَيْتَ الْمُصَدَّرَا لَشِعْبٌ مِنَ الرَّيَّانِ أَمْلِكُ بَابَهُ أُنَادِي بِهِ أَهْلَ الْكَبِيرِ وَجَعْفَرَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ خَطِيبٍ لَقِيتُهُ إِذَا قُلْتُ مَعْرُوفًا لَهُ قَالَ مُنْكَرَا تُنَادِي إِلَى جَارَاتِهَا : إِنَّ حَاتِمًا أَرَاهُ لِعَمْرِي بَعْدَنَا قَدْ تَغَيَّرَا تَغَيَّرْتُ إِنِّي غَيْرُ آتٍ دَنِيَّةً وَلا قَائَلٍ يَوْمًا لِذِي الْعُرْفِ مُنْكَرَا رَأَتْنِي كَأَشْلاءِ اللِّجَامِ وَلَنْ تَرَى أَخَا الْحَرْبِ إِلا سَاهِمَ الْوَجْهِ أَغْبَرَا أَخَا الْحَرْبِ إِنْ عَضَّتْ بِهِ الْحَرْبُ عَضَّهَا وَإِنْ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا الْحَرْبُ شَمَّرَا مَتَى تَبْغِ وُدًّا مِنْ جَدِيلَةَ تَلْقَهُ مَعَ الشَّنِّ مِنْهُ بَاقِيًا مُتَأَثِّرَا فَإِلا يُعَاودْنَا جَهَارًا نُلاقِهِمْ لأَعْدَائِنَا رِدْءًا دَلِيلا وَمُنْذِرَا فَلا تَسْأَلِينِي وَاسْأَلِي أَيَّ فَارِسٍ إِذَا الْخَيْلُ جَالَتْ فِي قَنًا قَدْ تَكَسَّرَا وَلا تَسْأَلِينِي وَاسْأَلِي بِيَ صُحْبَتِي إِذَا مَا الْمَطِيُّ بِالْفَلاةِ تَضَوَّرَا وَلا تَسْأَلِينِي وَاسْأَلِي أَيَّ يَاسِرٍ إِذَا وَرَقُ الطَّلْحِ الطِّوَالِ تَحَسَّرَا فَلا هِيَ مَا تَرْعَى جَمِيعًا عِشَارَهَا وَيُصْبِحُ ضَيْفِي سَاهِمَ الْوَجْهِ أَغْبَرَا مَتَى تَرَنِي أَمْشِي بِسَيْفِيَ وَسْطَهَا تَخَفْنِي وتُضْمِرْ بَيْنَهَا أَنْ تُجَزَّرَا أَيْ لا تَخْتَرِطُ مِنَ الْفَرَقِ . إِذَا حَالَ دُونِي مِنْ سُلامَانَ رَمْلَةٌ وَجَدْتُ تَوَالِي الْوَصْلِ عِنْدِيَ أْبَتَرا " .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدِ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا ، وَعِنْدَهَا بَعْضُ نِسَائِهِ ، فَقَالَ : " يَا عَائِشَةُ ، أَنَا لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ " . قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا حَدِيثُ أَبِي زَرْعٍ وَأُمِّ زَرْعٍ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ قَرْيَةً مِنَ قُرَى الْيَمَنِ كَانَ بِهَا بَطْنٌ مِنْ بُطُونِ أَهْلِ الْيَمَنِ ، فَكَانَ مِنْهُمْ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً ، وَإِنَّهُنَّ خَرَجْنَ إِلَى مَجْلِسٍ لَهُنَّ ، فَقَالَ بَعْضُهُنَّ لِبَعْضٍ : تَعَالَيْنَ فَلْنَذْكُرْ بُعُولَتَنَا بِمَا فِيهِمْ ، وَلا نَكْذِبْ ، فَتَبَايَعْنَ عَلَى ذَلِكَ ، فَقِيلَ لِلأُولَى : تَكَلَّمِي بَنَعْتِ زَوْجِكِ . فَقَالَتْ : اللَّيْلُ لَيْلُ تِهَامَةَ ، وَالْغَيْثُ غَيْثُ عَمَامَةٍ ، لا حَرٌّ وَلا وَخَّامَةٌ . وَقِيلَ لِلثَّانِيَةِ : تَكَلَّمِي ، وَهِيَ عَمْرَةُ ابْنَةُ عَمْرٍو ، فَقَالَتْ : الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ ، وَالرَّيُحُ رِيحُ زَرْنَبٍ ، أَغْلِبُهُ وَالنَّاسُ يَغْلِبُ ، وَقِيلَ لِلثَّالِثَةِ : تَكَلَّمِي ، وَهِيَ حُيَيُّ بِنْتُ كَعْبٍ ، فَقَالَتْ : مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ ، ذُو إِبِلٍ كَثِيرَاتِ الْمَبَارِكِ ، قَرِيبَاتِ المَسارِحِ ، إِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ ، أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ ، وَقِيلَ لِلرَّابِعَةِ : تَكَلَّمِي : وَهِيَ مَهْرَدُ ابْنَةُ أَبِي هَزُومَةَ ، فَقَالَتْ : زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ ، عَلَى جَبَلٍ وَعْرٍ ، لا سَهْلٌ فَيُرْتَقَى ، وَلا سَمِينٌ فَيُنْتَقَى ، وَقِيلَ لِلْخَامِسَةِ : تَكَلَّمِي ، وَهِيَ كَبْشَةُ ، قَالَتْ : زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ ، عَظِيمُ الرَّمَادِ ، قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِي ، وَقِيلَ لِلسَّادِسَةِ : تَكَلَّمِي ، وَهِيَ هِنْدٌ ، فَقَالَتْ : زَوْجِي كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَوَاءٌ ، إِنْ حَدَّثْتُهُ مَسَكَ ، وَإِنْ مَازَحْتُهُ فَلَكَ ، وَالأَجْمَعَ كُلا لَكِ ، وَقِيلَ لِلسَّابِعَةِ : تَكَلَّمِي ، وَهِيَ بِنْتُ أَوْسِ بْنِ عَبْدٍ ، فَقَالَتْ : زَوْجِي إِذَا أَكَلَ لَفَّ ، وَإِذَا شَرِبَ اشْتَفَّ ، وَإِذَا رَقَدَ الْتَفَّ ، وَلا يُدْخِلُ الْكَفَّ فَيْعَرِفُ الْبَثَّ ، وَقِيلَ لِلثَّامِنَةِ : تَكَلَّمِي ، وَهِيَ حُيَيُّ بِنْتُ عَلْقَمَةَ ، فَقَالَتْ : زَوْجِي إِذَا خَرَجَ أَسِدَ وَإِذَا دَخَلَ فَهِدَ ، وَلا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ ، وَلا يَرْفَعُ الْيَوْمَ لِغَدٍ . وَقِيلَ لِلتَّاسِعَةِ : تَكَلَّمِي ، فَقَالَتْ : زَوْجِي لا أَذْكُرُهُ ، وَلا أَبُثُّ خَبَرَهُ ، أَخَافُ أنْ لا أَذَرَهُ . إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَهُ ، وَبُجَرَهُ . وَقِيلَ لِلْعَاشِرَةِ : تَكَلَّمِي ، وَهِيَ كَبْشَةُ ابْنَةُ الأَرْقَمِ ، فَقَالَتْ : نَكَحْتُ الْعَشَنَّقَ ، إِنْ سَكَتُّ عَلَّقَ ، وَإِنْ تَكَلَّمْتُ طَلَّقَ . قِيلَ لِأُمِّ زَرْعٍ وَهِيَ أُمُّ زَرْعٍ بِنْتُ أُكَيْمِلِ بْنِ سَاعِدٍ : تَكَلَّمِي ، فَقَالَتْ : أَبُو زَرْعٍ وَمَا أَبُو زَرْعٍ ، وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ فَنَقَلَنِي إِلَى أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ ، مَلأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيْهِ ، وَأَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيْهِ ، وَبَجَّحَ نَفْسِي فَتَبَجَّحْتُ إِلَيْهِ ، وَأَنَا أَنَامُ وَأَتَصَبَّحُ ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَمَّحُ ، وَأَقُولُ وَلا أُقَبَّحُ ، بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ ، وَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ ، مِلْءُ إِزَارِهَا ، وَصُفْرُ رِدَائِهَا ، وَزَيْنُ أُمَّهَاتِهَا وَنِسَائِهَا ، خَرَجَ مِنْ عِنْدِي أَبُو زَرْعٍ ، وَالأَوْطَابُ تُمْخَضُ ، فَإِذَا هُوَ بِأُمِّ غُلامَيْنِ كَالْفَهْدَيْنِ ، تَرْمِي مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِالرُّمَّانَتَيْنِ ، فَتَزَوَّجَهَا وَطَلَّقَنِي ، فَاسْتَبْدَلْتُ بَعْدَهُ ، وَكُلُّ بَدَلٍ أَعْوَرُ ، فَتَزَوَّجْتُ شَابًّا سَرِيًّا ، رَكِبَ أَعْوَجِيًّا ، وَأَخَذَ خَطِّيًا ، وَأَرَاحَ نَعِمًا ثَرِيًّا . وَقَالَ : كُلِّي أُمَّ زَرْعٍ وَمِيرِي أَهْلَكِ ، فَجَمَعَتُ أَوْعِيتَهُ ، فَمَا تَعْدِلُ وِعَاءً وَاحِدًا مِنْ أَوْعِيَةِ أَبِي زَرْعٍ " .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّليُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، قَالَ : دَخَلَ عَمْرُو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ الزُّبَيْدِيُّ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعِنْدَهُ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادِ ، وَشَرِيكُ بْنُ الأَعْوَرِ الَحَارِثَيَّانِ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَأَبْرَامٌ بَنُو مَخْزُومٍ ؟ قَالَ : " وَمَا ذَاكَ يَا أَبَا ثَوْرٍ " ؟ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى خَالِكَ أَبِي سُلَيْمَانَ يَعْنِي خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ، فَأَتَانِي بِثَوْرٍ وَقَوْسٍ وَكَعْبٍ ، فَأَطْعَمَنِيهِ . فَقَالَ عُمَرُ : " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَسَعَةً " . فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَكَ أَوْ لِي ، قَالَ : " بَلِ لِي وَلَكَ " . قَالَ : كَلا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي آكُلُ الْجَدْعَةَ حَتَّى أُنِقَّهَا عَظْمًا عَظْمًا ، وَأَشْرَبُ التِّبْنَ مِنَ اللَّبَنِ ، رَثِيئَةً وَصَرِيفًا . قَالَ : فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ كَالْمُتَعَجِّبِ مِنْ قَوْلِهِ . فَقَالَ الرَّبِيعُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ لَكَذَاكَ ، وَإِنَّ الْخَيْلَ لَتَتَّقِي ذُرَاهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَانْتَعَلَتِ الْخَيْلُ الدِّمَاءَ ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ نَقَصَ إِلَّنَا ، وَقَطَعَ أَوَاصِرَنَا ، فَقَالَ عَمْرٌو : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، جَاوَرْتُ هَذَا الْحَيَّ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ عِشْرِينَ سَنَةً فَمَشَوْا إِلَيَّ بِالضَّرَّاءِ ، وَدَبُّوا إِلَيَّ الْخَمْرَ ، فَلَمَّا بَدَتْ لِي ضَبَابُ صُدُورِهِمْ ، وَحَسَكُ قُلُوبِهِمْ ، أَوْجَرْتُهُمْ أَمَرَّ مِنْ نَقِيعِ الْحَنْظَلِ ، فَقَالَ شَرَيكُ بْنُ الأَعْوَرِ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ هَذَا أَعْجَزَنَا لَمَّا أَخَذَتْهُ أَنْيَابُنَا ، وَكَلَّمَتْهُ أَظَافِرُنَا . فَقَالَ عَمْرٌو : إِلَيْكَ يَابْنَ الأَعْوَرِ ، فَإِنِّي لا أَجْلِسُ عَلَى الدُّبُرِ ، وَلا أُغْمَزُ غَمْزَ التِّينِ ، وَلا يُقَعْقَعُ لِي بِالشِّنَانِ . قَالَ : فَلَمَّا خَشِيَ عُمَرُ أنْ يَتَفَاقَمَ الأَمْرُ بَيْنَهُمْ ، وَيَخْرُجُوا إِلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا . قَالَ : " إِيهًا عَنْكُمُ الْآنَ . فَأَقْبَلَ عَلَى عَمْرٍو ، فَقَالَ : يَا أَبَا ثَوْرٍ ، لَقَدْ حَدَّثْتَ عَنْ نَفْسِكَ بِمَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ ، وَلَقَدْ لَقِيتَ النَّاسَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلامِ ، فَأَخْبِرْنِي : هَلْ صَدَفْتَ عَنْ فَارِسٍ قَطُّ " ؟ قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، قَدْ كُنْتُ أَكْرَهُ الْكَذِبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا مُشْرِكٌ ، فَكَيْفَ إِذْ هَدَانِي اللَّهُ لِلْإِسْلامِ ؟ وَلَقَدْ قُلْتُ ذَاتَ يَوْمٍ لِخَيْلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ : هَلْ لَكُمْ فِي الْغَارَةِ ؟ قَالُوا : عَلَى مَنْ ؟ قُلْتُ : عَلَى بَنِي الْبَكَّاءِ . قَالُوا : مَغَارٌ بَعِيدٌ ، عَلَى شِدَّةِ كَلَبٍ وَقِلَّةِ سَلَبٍ . قُلْتُ : فَعَلَى مَنْ ؟ قَالُوا : عَلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ كِنَانَةَ ، فَإِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ رِجَالَهُمْ خُلُوفٌ . فَخَرَجْتُ فِي خَيْلٍ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى وَادٍ مِنْ أَوْدِيَتِهِمْ ، فَدُفِعْتُ إِلَى قَوْمٍ سُرَاةٍ . فَقَالَ عُمَرُ : " وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهُمْ سُرَاةٌ " ؟ قَالَ : انْتَهَيْتُ إِلَى قُبَابٍ عَظِيمَةٍ مِنْ أَدَمٍ ، وَقُدُورٍ مُثْفَأَةٍ ، وَإِبِلٍ وَغَنَمٍ . فَقَالَ عُمَرُ : " هَذَا لَعَمْرِي عَلامَةُ الْيُسْرِ " . وَقَالَ عَمْرٌو : فَانْتَهَيْتُ إِلَى أَعْظَمِهَا قُبَّةً . فَأَكْشِفُهَا عَنْ جَارِيَةٍ مثل الْمَهَاةِ ، فَلَمَّا رَأَتْنِي ضَرَبَتْ يَدَهَا عَلَى صَدْرِهَا ، وَبَكَتْ . فَقُلْتُ : مَا يُبْكِيكِ ؟ قَالَتْ : مَا أَبْكِي لِنَفْسِي وَلا عَلَى الْمَالِ . فَقُلْتُ : عَلامَ تَبْكِينَ ؟ قَالَتْ : عَلَى جَوارٍ أَتْرَابٍ لِي ، قَدْ أَلِفْتُهُنَّ ، وَهُنَّ فِي هَذَا الْوَادِي . قَالَ : فَهَبَطْتُ الْوَادِيَ عَلَى فَرَسِي ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ قَاعِدٍ يَخْصِفُ نَعْلا لَهُ ، وَإِلَى جَانِبِهِ سَيْفٌ مَوْضُوعٌ ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ عَلِمْتُ أَنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ خَدَعَتْنِي ، وَمَاكَرَتْنِي . فَلَمَّا رَآنِي الرَّجُلُ قَامَ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ ، ثُمَّ عَلا رَابِيَةً ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى قُبَابِ قَوْمِهِ مُطَّرِحَةً ، حَمَلَ عَلَيَّ وَهُوَ يَقُولُ : قَدْ عَلِمْتُ إِذْ مَنَحْتَنِي فَاهَا وَلَحِقَتْنِي بُكْرَةً رَدَاهَا أَنِّي سَأَحْمِي الْيَوْمَ مِنْ حِمَاهَا يَا لَيْتَ شِعْرِي مَا الَّذِي دَهَاهَا قَالَ : فَقُلْتُ مُجِيبًا لَهُ : عَمْرٌو عَلَى طُولِ السَّرَى دَهَاهَا بِالْخَيْلِ يُزْجِيهَا عَلَى وِجَاهَا حَتَّى إِذَا حَلَّ بِهَا احْتَوَاهَا ثُمَّ حَمَلْتُ عَلَيْهِ وَأَنَا أَقُولُ : أَنَا ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَحْمُودُ الشِّيَمْ مُؤْتَمَنُ الْغَيْبِ وَفِيٌّ بِالذِّمَمْ مِنْ خَيْرِ مَنْ يَمْشِي بِسَاقٍ وَقَدَمْ فَحَمَلَ عَلَيَّ وَهُوَ يَقُولُ : أَنَا ابْنُ ذِي الأَقْيَالِ أَقْيَالِ الْبُهَمْ مَنْ يَلْقَنِي يُودِ كَمَا أَوْدَتْ إِرَمْ أَتْرُكُهُ لَحْمًا عَلَى ظَهْرٍ وَضَمْ قَالَ : فَاخْتَلَفْنَا ضَرْبَتَيْنِ ، فَأَضْرِبُهُ أَحْذَرَ مِنَ الْعَقْعَقِ ، وَيَضْرِبُنِي أَثْقَفَ مِنَ الْهِرِّ ، فَوَقَعَ سَيْفُهُ فِي قَرَبُوسِ سِرْجِي فَقَطَعَ الْقَرَبُوسَ ، وَعَضَّ بِكَاثِبَةِ الْفَرَسِ ، فَوَثَبْتُ عَلَى رِجْلِيَّ قَائِمًا ، وَقُلْتُ : يَا هَذَا ، مَا كَانَ لِيَلْقَانِي مِنَ الْعَرَبِ إِلا ثَلاثَةٌ : الْحَارِثُ بْنُ ظَالِمٍ لِلْسِنِّ وَالتَّجْرِبَةِ ، وَعَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ لِلشَّرَفِ وَالنَّجْدَةِ ، وَرَبِيعَةُ بْنُ مكدِّمٍ لِلْحَيَاءِ وَالْبَأْسِ ، فَمَنَ أَنْتَ ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ؟ قَالَ : بَلْ مَنْ أَنْتَ ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ؟ قُلْتُ : أَنَا عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ ، قَالَ : وَأَنَا رَبِيعَةُ بْنُ مُكَدَّمِ . قُلْتُ : فَاخْتَرْ مَنِّي إِحْدَى ثَلاثِ خِصَالٍ : إِمَّا أَنْ نَضْطَرِبَ بَسَيْفَيْنَا حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا ، وَإِمَّا أَنْ نَصْطَرِعَ ، فَأَيُّنَا صَرَعَ صَاحِبَهُ قَتَلَهُ ، وَإِمَّا الْمُسَالَمَةُ . قَالَ : ذَاكَ إِلَيْكَ . فَاخْتَرْ . قُلْتُ : إِنَّ بِقَوْمِكَ إِلَيْكَ حَاجَةً ، وَبِقَوْمِي إِلَيَّ حَاجَةً ، وَالْمُسَالَمَةُ خَيْرٌ لِي وَلَكَ . ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي ، وَقُلْتُ لَهُمْ : خَلُّوا مَا بِأَيْدِيكُمْ ، فَلَوا رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَخَلَّيْتُمْ وَزِدْتُمْ . سَلُونِي عَنْ فَرَسِي مَا فَعَلَ . قَالَ : فَتَرَكْنَا مَا بِأَيْدِينَا وَانْصَرَفْنَا رَاجِعِينَ " .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْحِزَامِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ أَخِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ، عَمَّا تَكَلَّمَ بِهِ جَدُّهُ زَيْدُ بْنُ خَارِجَةَ بَعْدَمَا مَاتَ وَعْظًا , قَالَ : قَالَ : " أَيُّهَا النَّاسُ ، أَنْصِتُوا . ثُمَّ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، أَحْمَدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، فِي الْكِتَابِ الأَوَّلِ ، صَدَقَ صَدَقَ ، ثُمَّ قَالَ : جِيفَتَانِ قَدْ أَصَلَّتَا ، وَهُمَا يَرْجُوَانِ رَحْمَةَ اللَّهِ ، أَبُو بَكْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، الضَّعِيفُ جِسْمهُ ، الْقَوِيُّ فِي نَفْسِهِ ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَقْوَى الرِّجَالِ ، الْقَوِيُّ الأَمِينُ ، الَّذِي لا يُبَالِي فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ عُثْمَانَ ، ثُمَّ قَالَ : أَمِيرُكُمُ الْيَوْمَ ، لَهُ عَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ ، اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا أَيُّهَا النَّاسُ ، أَقْبِلُوا عَلَى أَمِيرِكُمْ ، ثُمَّ أَعَادَ ذِكْرَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، أَمِيرُكُمْ ، لَهُ عَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ ، أَنْتُمْ عَلَى مِنْهَاجِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، اسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا ، اللَّيِّنُ يُعَافِي النَّاسَ ، ويُنْفِقُ الَمْالَ ، فَمَنْ تَوَلَّى فَلا يَعْهَدَنَّ . ثُمَّ قَالَ : بِئْرُ أَرِيسٍ وَمَا بِئْرُ أَرِيسٍ . ثُمَّ ذَكَرَ الصَّحِيفَةَ الَّتِي كَتَبَ بِهَا عَمْرُو بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ إِلَى عُثْمَانَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ خَبَرُهُ عَنْ فَتْحٍ فَتَحَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَنَصْرِهِ إِيَّاهُمْ . ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ سَوَاءً ، وَلَكِنَّمَا يُفَضَّلُ بَيْنَ النَّاسِ أَعْمَالُهُمْ . وَقَالَ : جِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ ، يُرَى مَعْ كُلِّ نَبِيٍّ أُمَّتُهُ جِثِيًّا . وَقَالَ : هَذِهِ الْجَنَّةُ وَهَذِهِ النَّارُ . ثُمَّ قَرَأَ مِنَ الْقُرْآنِ آيَاتٍ : كَلَّا إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى سورة المعارج آية 15 - 17 وَقَالَ : جَاءَتِ الْفِتْنَةُ ثُمَّ ذَكَرَ الشُّهَدَاءَ ، ثُمَّ كَبَّرَ : فَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ ، وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، وَخَلادُ بْنُ سُوَيْدٍ ، وَثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ، وَعُبَادَةُ بْنُ قَيْسٍ ، وَقَالَ : خَلَتِ اثْنَتَانِ ، وَبَقِيَتْ أَرْبَعٌ ، انْفَضَّ النَّاسُ فَلا نِظَامَ لَهُمْ وَأَكَلَ قَوِيُّهُمْ ضَعِيفَهُمْ ، وَقَالَ النَّاسُ : هَذَا أَمْرُ اللَّهِ ، وَقَامَتِ السَّاعَةُ " .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ مَوْلَى مَنْبُوذٍ ، قَالَ : " عَزَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَنْ مِصْرَ ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ ، فَدَخَلَ عَمْرٌو الْمَدِينَةَ ، فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ : كَيْفَ تَرَكْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ ؟ قَالَ : تَرَكْتُهُ أَمِيرًا عَلَى عَمَلِهِ ، جَاهِلا بِنَفْسِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَرِّ عُمَّالِكَ ، قَالَ : شَتَمْتَنَا يَا عَمْرُ ، قَالَ : إِنَّ الْمَعْزُولَ غَضْبَانُ وَلا أَحْسَبُنِي فَعَلْتُ ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ كَثُرُوا عَلَيَّ فَاخْرُجْ حَتَّى تَعْذُرَنِي عِنْدَهُمْ . فَخَرَجَ عَمْرٌو ، فَصَلَّى مَعَ النَّاسِ الْعَصْرَ ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ إِلَى الْمِحْرَابِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ، يَا مَعَاشِرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ سَبَقَنِي فَرَأَى قَبْلِي ، وَرَأَيْتُ بَعْدَهُ ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ خَصَاصَةً إِلا أَلْصَقَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ ، وَلا رَأَيْتُ خَيْرًا قَطُّ إِلا عَمَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ ، أَوَ كَذَاكَ ذَاكَ ، وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ؟ قَالُوا : اللَّهُمَّ نَعَمْ ، فَجَزَاهُ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ خَيْرًا . قَالَ : ثُمَّ وَلِيَكُمْ أَبُو بَكْرٍ ، فَسَارَ بِسِيرَتِهِ ، وَحَذَا حَذْوَهُ ، وَسَلَكَ سَبيِلَهُ ، وَشَمَّرَ فِي أَمْرِ اللَّهِ ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ، فِي خَلْقٍ ثَوِيبٍ ، مَا لَهُ رِدَاءٌ ، أَفَكَذَاكَ ذَاكَ ، وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ؟ قَالُوا : اللَّهُمَّ نَعَمْ ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ ، وَجَزَاهُ عَنِ الأُمَّةِ خَيْرًا . قَالَ : ثُمَّ وَلِيَكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ابْنُ حَنْتَمَةَ ، عُمَرُ بْنِ الْخَطَّابِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَبَعَجَتْ لَهُ الأَرْضُ أَمْعَاءَهَا ، وَفَلَذَتْ لَهُ كَبِدَهَا ، وَنَكَتَتْ لَهُ مُخَّتَهَا ، وَأَبْرَزَتْ لَهُ شَحْمَتَهَا ، وَتَزَيَّنَتْ لَهُ بِزُخْرُفِهَا ، وَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِ جُودًا ، وَوَلَدَتْ لَهُ تَمَامًا ، فَدَرَّتْ لَهُ غَزْرًا ، فَقَبَضَ مِنْهَا قَبْضًا ، وَمَصَّ ثَدْيَهَا مَصًّا ، وَمَشَى فِي ضَحْضَاحِهَا ، وَتَنَكَّبَ غَمْرَتَهَا مُشَمِّرًا إِزَارَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا ، وَمَا ابْتَلَّتْ قَدَمَاهُ ، أَوَ كَذَاكَ ذَاكَ . وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ؟ قَالُوا : اللَّهُمَّ نَعَمْ ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ ، وَجَزَاهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ خَيْرًا . قَالَ : ثُمَّ وَلِيَكُمْ مِنْ بَعْدِهِ عُثْمَانُ ، فَعَرَفْتُمْ وَأَنْكَرْتُمْ ، وَقَالَ وَقُلْتُمْ ، تَلُومُونَهُ وَيَعْذِرُ نَفْسَهُ . قَالُوا : فَمَهْ ؟ قَالَ : فَارْفِقُوا بِهِ ، فَإِنَّ الْكَسِيرَ يُجْبَرُ ، وَإِنَّ الْحَسِيرَ يَبْلُغُ ، وَإِنَّ الْهَزِيلَ يَسْمِنُ . أَقُولُ قُوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ . قَالَ : فِقِيلَ لِعُثْمَانَ : مَا بَلَغَ مِنْكَ أَحَدٌ مَا بَلَغَ عَمْرٌو . فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ ، قَالَ : يَا عَمْرُو ، قَمِلَتْ فَرْوَتُكَ مُنْذُ عَزَلْنَاكَ عَنْ مِصَرَ . قَالَ : إِنَّكَ إِمَامٌ ، وَلا يجمُلُ بِي شَتْمُكَ ، وَلَقَدْ قُلْتُ بِأَحْسَنَ مَا حَضَرَنِي ، وَلَوْ حَضَرَنِي غَيْرُ ذَلِكَ لَفَعَلْتُ " .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي الْعُتْبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ هِشَامِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَعْدِ الْقَصْرِ ، قَالَ : " دَخَلَ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنِّي هَزَزْتُ ذَوَائِبَ الرِّجَالِ إِلَيْكَ ، إِذْ لَمْ أَجَدْ مُعَوَّلا إِلا عَلَيْكَ ، وَمَا زِلْتُ أَسْتَدِلُّ الْمَعْرُوفَ عَلَيْكَ ، وَأَجْعَلُ النَّهَارَ إِلَيْكَ مَطِيَّتِي فَإِذَا أَلْوَى بي اللَّيْلُ ، فَقُبِضَ الْبَصَرُ ، وَعَفَا الأَثَرُ ، أَقَامَ بَدَنِي وَسَافَرَ أَمَلِي ، يَقُودُنِي نَحْوَكَ رَجَاءٌ ، وَيَسُوقُنِي إِلَيْكَ بَلْوَى ، فَالنَّفْسُ مُسْتَبْطِئَةٌ ، وَالِاجْتِهَادُ عَاذِرٌ ، وَإِذَا بَلَغْتُكَ فَقَطْ . فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : احْطُطْ عَنْ رَاحِلَتِكَ رَحْلَهَا . ثُمَّ قَالَ : يَا كَعْبُ ، أَعْطِهِ ثَلاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، فَلَمَّا وَلَّى شَوَّالٌ ، وَلِيَوْمِ الْحَمْلِ ثَلاثِينَ أَلْفًا أُخْرَى ، ثُمَّ قَالَ : الْحَقَ بِصِهْرِكَ عُتْبَةَ . وَكَانَ عُتْبَةُ مُتَزَوِّجًا بِابْنَةَ يَعْلَى . قَالَ : فَخَرَجَ إِلَى مِصْرَ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى عُتْبَةَ ، قَالَ لَهُ : أَصْلَحَكَ اللَّهُ إِنِّي سِرْتُ إِلَيْكَ شَهْرَيْنِ أَخُوضُ فِيهِمَا الْمَتَالِفَ ، أَلْبَسُ أَرْدِيَةَ اللَّيْلِ مَرَّةً ، وَأَسِيرُ فِي لُجَجِ السَّوَادِ أُخْرَى ، مُوقِرًا مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِكَ ، هَارِبًا مِنْ دَيْنٍ قَدْ آدَنِي بَعْدَ غِنَاءٍ ، جَدَعْنَا بِهِ أُنُوفَ الْحَاسِدِينَ ، فَلَمْ أَجِدْ إِلا إِلَيْكَ مَهْرَبًا وَإِلا عَلَيْكَ مُعَوَّلا . فَقَالَ : مَرْحَبًا وَأَهْلا ، إِنَّ الدَّهْرَ أَعَارَكُمْ غِنًى ، وَخَلَطَكُمْ بِنَا ، ثُمَّ اسْتَرَدَّ مَا أَمْكَنَهُ أَخْذَهُ ، وَقَدْ أَبْقَى لَكُمْ مِنَّا مَا لا ضَيْعَةَ عَلَيْكُمْ بَعْدَ مَا بَقِيَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْنَا ، وَأَنَا رَافِعٌ يَدَيَ وَيَدَكَ بِيَدِ اللَّهِ . ثُمَّ قَالَ لَهُ : كَمْ أَعْطَاكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : سِتِّينَ أَلْفًا ، فَأَمَرَ لَهُ بِمِثْلِهَا " .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي جَدِّي ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوةَ ، قَالَ : " صَلَّى بِنَا يَوْمًا مِنَ الأَيْامِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَوَجِمَ بَعْدَ الصَّلاةِ سَاعَةً . فَقَالَ النَّاسُ : لَقَدْ حَدَّثَ نَفْسَهُ . ثُمَّ الْتَفْتَ إِلَيْنَا ، فَقَالَ : " لا يَبْعُدَنَّ ابْنُ هِنْدٍ إِنْ كَانَتْ فِيهِ لَمَخَارِجُ لا تَجِدُهَا فِي أَحَدٍ بَعْدَهُ ، وَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَنُفَرِّقُهُ فَيَتَفَارَقُ لَنَا ، وَمَا اللَّيْثُ الْحَرُبُ عَلَى بَرَاثِنِهِ ، بِأَجْرَأَ مِنْهُ ، وَإِنْ كُنَّا لَنَخْدَعُهُ وَمَا ابْنُ لَيْلَةَ مِنْ أَهْلِ الأَرْضٍ بِأَدْهَى مِنْهُ ، فَيَتَخَادَعَ لَنَا ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّا مُتِّعْنَا بِهِ مَا دَامَ فِي هَذَا الْجَبَلِ حَجَرٌ ، وَأَشَارَ إِلَى أَبِي قُبَيْسٍ ، لا يَتَخَوَّنُ لَهُ عَقْلٌ ، وَلا تَنْقُصُ لَهُ مَرَّةٌ ، فَقُلْنَا أَوْحَشَ وَاللَّهِ الرَّجُلُ " .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْمَدَائِنِيِّ ، عَنْ عَوَانَةَ بْنِ الْحَكَمِ ، وَالشَّرْقِيِّ بْنِ الْقَطَامِيِّ ، عَنْ أَبِي جَيَّانَ الْكَلْبِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، قَالَ : " لَمَّا أُتِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بِقَتْلِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَضْرَبَ عَنْ ذِكْرِهِ أَيَّامًا ، حَتَّى تَحَدَّثَ بِهِ إِمَاءُ مَكَّةَ فِي الطُّرُقِ ، ثُمَّ صَعَدَ الْمِنْبَرَ ، فَجَلَسَ مَلِيًّا لا يَتَكَلَّمُ ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ ، فَإِذَا بُدُوُّ الْكَآبَةِ عَلَى وَجْهِهِ ، وَإِذَا جَبِينُهُ يَرْشَحُ عَرَقًا . فَقُلْتُ لِآخَرَ إِلَى جَنْبِي : مَا لهُ ، أَتُرَاهُ يَهَابُ الْمَنْطِقَ ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّهُ خَطِيبٌ أَرِيبٌ ، وَإِنُّهُ لتَهُونُ عَلَيْهِ دُهَاةُ الرِّجَالِ عِنْدَ الْجِدَالِ وَالنِّزَالِ فَمَا يَهَابُ ؟ قَالَ : أَرَاهُ يُرِيدُ ذِكْرَ مَقْتِلِ سَيِّدِ الْعَربِ الْمُصْعَبِ ، فَهُوَ يُقْطَعُ بِذِكْرِهِ ، وَغَيْرُ مَلُومٍ . فَقَامَ فَقَالَ : " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ الْخَلْقُ وِالأَمْرُ ، وَمُلْكُ الدُّنْيَا وَالَآخِرَةِ ، يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يُشَاءُ ، وَيَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ ، وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ ، وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ . أَلا وَإِنَّهُ يُذْلِلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ كَانَ الْحَقُّ مَعَهُ ، وَإِنْ كَانَ فَرْدًا لا نَاصِرَ لَهُ ، وَلَمْ يُعْزِزِ اللَّهُ مَنْ كَانَ أَوْلَيَاءُ الشَّيْطَانِ مَعَهُ ، وإِنْ كَانَ فِي الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ وَالْكَثْرَةِ . وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ : وَإِنْ كَانَ الأَنَامُ طُرًّا مَعَهُ . إِنَّهُ أَتَانَا خَبَرٌ مِنَ الْعِرَاقِ ، أَهْلِ الْغدرِ والشِّقاقِ ، سَرَّنَا وَسَاءَنَا ، أَتَانَا أَنَّ مُصْعَبًا قُتِلَ رَحَمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَمَغْفِرُتُهِ ، فَأَمَّا الَّذِي أَحْزَنَنَا مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّ لِفِرَاقِ الْحَمِيمِ لَذْعَةً ، يَجِدُهَا حَمِيمُهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ ، ثُمَّ يَرْعَوِي مِنْ بَعْدُ ذُو الرَّأْيِ وَالدِّينِ إِلَى جَمِيلِ الصَّبْرِ ، وَأَمَّا الَّذِي سَرَّنَا مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّا قَدْ عِلِمْنَا أَنْ قَتْلَهُ شَهَادَةٌ ، وَأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَاعِلٌ لَنَا وَلَهُ ذَلِكَ خَيْرَةً ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، إِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ أَسْلَمُوهُ وَبَاعُوهُ بِأَقَلِّ ثَمَنٍ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْهُ ، وَأَخْبَثِهِ ، أَسْلَمُوهُ إِسْلامَ النَّعَامِ الْمُخَطَّمِ فَقُتِلَ ، وَلَئِنْ قُتِلَ لَقَدْ قُتِلَ أَبُوهُ وَعَمُّهُ وَأَخُوهُ ، وَكَانُوا الْخِيَارَ الصَّالِحِينَ ، إِنَّا وَاللَّهِ مَا نَمُوتُ حَبْجًا ، وَمَا نَمُوتُ إِلا قَتْلا قَتْلا ، قَعْصًا قَعْصًا بَيْنَ قَصْدِ الرِّمَاحِ ، وَتَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ ، لَيْسَ كَمَا يَمُوتُ بَنُو مَرْوَانَ ، وَاللَّهِ مَا قُتِلَ مِنْهُمْ رَجُلٌ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلا إِسْلامٍ قَطُّ . إِنَّمَا الدُّنْيَا عَارِيَةٌ مِنَ الْمَلِكِ الْقَهَّارِ ، الَّذِي لا يَزُولُ سُلْطَانُهُ وَلا يَبِيدُ مُلْكُهُ ، فَإِنْ تُقْبِلِ الدُّنْيَا عَلَيَّ لا آخُذْهَا أَخْذَ الأَشِرِ الْبَطِرِ ، وَإِنْ تُدْبِرْ عَنِّي لا أَبْكِ عَلَيْهَا بُكَاءَ الْخَرِفِ الْمُهْتِرِ " . فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ عَدْوَانَ ، مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، يِأْمُرهُ بِالصَّبْرِ وَالْجِدِّ فِي مُنَاهَضَةِ عَدُوِّهِ : لَئِنْ مُصْعَبٌ خَلَّى عَلَيْكَ مَكَانَهُ لَقَدْ عَاشَ عِنْدَ النَّاسِ غَيْرَ مُلِيمِ وَإِنْ مُصْعبٌ خَلاكَ وَالْحَرْبَ بَعْدَهُ فَأَنْتَ لَدَى الْهَيْجَاءِ غَيْرُ سَئُومِ فَشَمِّرْ إِلَى الأَعْدَاءِ وَانْهَضْ بِقُوَّةٍ فَإِنَّكَ عِنْدَ الْبَأْسِ غَيْرُ ذَمِيمُ وَثِقْ بِوَلِيِّ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّمَا يُحَامِي عَلَى الأَحْسَابِ كُلُّ كَرِيمِ .
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ الْمَعْرُوفُ بَابْنِ مَخْرَمَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ ، قَالَ : " لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ وَاسْتَقَرَّ أَمْرُهُ ، نَدِمَ قَوْمٌ كَثِيرٌ مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى بَيْعَتِهِ ، وَلامَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَذَكَرُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَهَتَفُوا بِاسْمِهِ ، وَإِنَّهُ فِي دَارِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمِ ، وَجَزَعَ لِذَلِكَ الْمُهَاجِرُونَ ، وَكَثُرَ فِي ذَلِكَ الْكَلامُ ، وَكَانَ أَشَدَّ قُرَيْشٍ عَلَى الأَنْصَارِ نَفَرٌ فِيهِمْ ، وَهُمْ : سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ ، وَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ الْمَخْزُومِيَّانِ ، وَهَؤُلاءِ أَشْرَافُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ حَارَبُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، ثُمَّ دَخَلُوا فِي الإِسْلامِ ، وَكُلُّهُمْ مَوْتُورٌ قَدْ وَتَرَهُ الأَنْصَارُ . أَمَّا سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَأَسَرَهُ مَالِكُ بْنُ الدَّخْشَمِ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَأَمَّا الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ فَضَرَبَهُ عُرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو فَجَرَحَهُ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَهُوَ فَارٌّ عَنْ أَخِيهِ ، وَأَمَّا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فَقَتَلَ أَبَاهُ ابْنَا عَفْرَاءَ ، وَسَلَبَهُ دِرْعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ ، وَفِي أَنْفُسِهِمْ ذَلِكَ . فَلَمَّا اعْتَزَلَتِ الأَنْصَارُ تَجَمَّعَ هَؤُلاءِ فَقَامَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إِنَّ هَؤُلاءِ الْقَوْمَ قَدْ سَمَّاهُمُ اللَّهُ الأَنْصَارَ ، َأَثْنَى عَلَيْهِمْ فِي الْقُرْآنِ فَلَهُمْ بِذَلِكَ حَظٌّ عَظِيمٌ وَشَأْنٌ غَالِبٌ ، وَقَدْ دَعَوْا إِلَى أَنْفُسِهِمْ وَإِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَلِيٌّ فِي بَيْتِهِ لَوْ شَاءَ لَرَدَّهُمْ ، فَادْعُوهُمْ إِلَى صَاحِبِكُمْ وَإِلَى تَجْدِيدِ بَيْعَتِهِ ، فَإِنْ أَجَابُوكُمْ وَإِلا قَاتِلُوهُمْ ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَجْوُ اللَّهَ أَنْ يَنْصُرَكُمْ عَلَيْهِمْ كَمَا نُصِرْتُمْ بِهِ . ثُمَّ قَامَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ ، فَقَالَ : إِنْ يَكُنِ الأَنْصَارُ تَبَوَّأَتِ الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلُ ، وَنَقَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى دُورِهِمْ مِنْ دُورِنَا ، فَآوَوْا وَنَصَرُوا ، ثُمَّ مَا رَضُوا حَتَّى قَاسَمُونَا الأَمْوَالَ ، وَكَفَوْنَا الْعَمْلَ ، فَإِنَّهُمْ قَدْ لَهِجُوا بِأَمْرٍ ، إِنْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِمَّا وُسِمُوا بِهِ ، وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مُعَاتَبَةٌ إِلا السَّيْفَ ، وَإِنْ نَزَعُوا عَنْهُ فَقَدْ فَعَلُوا الأَوْلَى بِهِمْ ، وَالْمَظْنُونَ مَعَهُمْ . ثُمَّ قَامَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَوْلا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ " ، مَا أَنَكْرَنْا إِمْرَةَ الأَنْصَارِ ، وَلَكَانُوا لَهَا أَهْلا ، وَلَكِنَّهُ قَوْلٌ لا شَكَّ فِيهِ وَلا خيَارَ ، وَقَدْ عَجَلَتِ الأَنْصَارُ عَلَيْنَا ، وَاللَّهِ مَا قَبَضْنَا عَلَيْهِمُ الأَمْرَ وَلا أَخْرَجْنَاهُمْ مِنَ الشُّورَى ، وَإِنَّ الَّذِي هُمْ فِيهِ مِنْ فَلَتَاتِ الأُمُورِ وَنَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ ، وَمَا لا يَبْلُغُهُ الْمُنَى وَلا يَحْمِلُهُ الأَمَلُ ، أَعْذِرُوا إِلَى الْقَوْمِ فَإِنْ أَبَوْا قَاتِلُوهُمْ ، فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ قُرَيْشٍ كُلِّهَا إِلا رَجُلٌ وَاحِدٌ لَصَيَّرَ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ فِيهِ . قَالَ : وَحَضَرَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إِنَّهُ لَيْسَ لِلأَنْصَارِ أَنْ يَتَفَضَّلُوا عَلَى النَّاسِ حَتَّى يُقِرُّوا بِفَضْلِنَا عَلَيْهِمْ ، فَإِنْ تَفَضَّلُوا ، فَحَسْبُنَا حَيْثُ انْتَهَى بِهَا ، وَإِلا فَحَسْبُهُمْ حَيْثُ انْتَهَى بِهِمْ ، وايْمُ اللَّهِ لَئِنْ بَطِرُوا الْمَعِيشَةَ وَكَفَرُوا النِّعْمَةَ ، لَنَضْرِبَنَّهُمْ عَلَى الإِسْلامِ كَمَا ضَرَبُوا عَلَيْهِ ، فَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَأَهْلٌ وَاللَّهِ أَنْ يَسُودَ عَلَى قُرَيْشٍ وَتُطِيعَهُ الأَنْصَارُ . فَلَمَّا بَلَغَ الأَنْصَارَ قَوْلُ هَؤُلاءِ الرَّهْطِ ، قَامَ خَطِيبُهُمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ ، إِنَّمَا يِكْبُرُ عَلَيْكُمْ هَذَا الْقَوْلُ لَوْ قَالَهُ أَهْلُ الدِّينِ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لا سِيَّمَا مِنْ أَقْوَامٍ كُلُّهُمْ مَوْتُورٌ فَلا يَكْبُرَنَّ عَلَيْهِمْ ، إِنَّمَا الرَّأْيُ وَالْقَوْلُ مَعَ الأَخْيَارِ الْمُهَاجِرِينَ ، فَإِنْ تَكَلَّمَتْ رِجَالُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الآخِرَةِ مثل كَلامِ هَؤُلاءِ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قُولُوا مَا أَحْبَبْتُمْ وَإِلا فَأَمْسِكُوَا . وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَذْكُرُ ذَلِكَ : تَنَادَى سُهَيْلٌ وَابْنُ حَرْبٍ وَحَارثٌ وَعِكْرِمَةُ الشَّانِي لَنَا ابْنُ أَبِي جَهْلِ قَتَلَنْا أَبَاهُ وَانْتَزَعْنَا سِلاحَهُ فَأَصْبَحَ بِالْبَطْحَاءِ أَذَلَّ مِنَ النَّعْلِ فَأَمَّا سُهَيْلٌ فَاحْتَوَاهُ ابُنْ دَخْشَمٍ أَسِيرًا ذَلِيلا لا يُمِرُّ وَلا يُحْلِي وَصَخْرُ بْنُ حَرْبٍ قَدْ قَلَتْنَا رِجَالَهُ غَدَاةَ لِوَا بَدْرٍ فَمِرْجَلُهُ يَغْلِي وَرَاكَضَنَا تَحْتَ الْعَجَاجَةِ حَارِثٌ عَلَى ظَهْرِ جَرْدَاءٍ كَبَاسِقَةِ النَّخْلِ يُقَبِّلُهَا طَوْرًا وَطَوْرًا يَحُثُّهَا وَيَعْدِلُهَا بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَالأَهْلِ أُولِئكَ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ تَبَايَعُوا عَلَى خِطَّةٍ لَيْسَتْ مِنَ الْخُطَطِ الفُضْلِ وَأَعْجَبَ مِنْهُمْ قَابَلُوا ذَاكَ مِنْهُمُ كَأَنَّا اشْتَمَلْنَا مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى ذَحْلِ وَكُلُّهُمُ ثَانٍ عَنِ الْحَقِّ عِطْفَهُ يَقُولُ اقْتُلُوا الأَنْصَارَ بِئْسَ مِنْ فِعْلِ نَصَرْنَا وَآوَيْنَا النَّبِيَّ وَلَمْ نَخَفْ صُرُوفَ اللَّيَالِي وَالْبَلاءَ عَلَى رَجْلِ بَذَلْنَا لَهُمْ أَنْصَافَ مَالِ أَكُفِّنَا كَقِسْمَةِ أَيْسَارِ الْجَذُورِ مِنَ الْفَضْلِ وَمِنْ بَعْدِ ذَاكَ الْمَالِ أَنْصَافَ دُورِنَا وَكُنَّا أُنَاسًا لا نُعَيَّرُ بِالْبُخْلِ وَنَحْمِي ذِمَارَ الْحَيِّ فَهْرِ بْنِ مَالِكٍ وَنُوقِدُ نَارَ الْحَرْبِ بِالْحَطَبِ الْجَزْلِ فَكَانَ جَزْاءُ الْفَضْلِ مِنَّا عَلَيْهِمُ جَهَالَتَهُمْ حُمْقًا وَمَا ذَاكَ بِالْعَدْلِ فَبَلَغَ شِعْرُ حَسَّانٍ قُرَيْشًا ، وَأَمَرُوا ابْنَ أَبِي عَزَّةَ شَاعِرَهُمْ أَنْ يُجِيبَهُمْ ، فَقَالَ : مَعْشَرَ الأَنْصَارِ خَافُوا رَبَّكُمْ وَاسْتَجِيرُوا اللَّهَ مِنْ شَرِّ الْفِتَنْ إِنَّنِي أَرْهَبُ حَرْبًا لاقِحًا يَشْرَقُ الْمُرْضَعُ فِيهَا بِاللَّبَنْ جَرَّهَا سَعْدٌ وَسَعْدٌ فِتْنَةٌ لَيْتَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ لَمْ يَكُنْ خَلْفَ بُرْهُوتٍ خَفِيًّا شَخْصُهُ بَيْنَ بُصْرَى ذِي رُعَيْنٍ وَجَدَنْ لَيْسَ مَا قَدَّرَ سَعْدٌ كَائِنًا مَا جَرَى الْبَحْرُ وَمَا دَامَ حَضَنْ لَيْسَ بِالْقَاطِعِ مِنَّا شَعْرَةً كَيْفَ يُرْجَى خَيْرُ أَمْرٍ لَمْ يَحِنْ لَيْسَ بِالْمُدْرِكِ مِنْهَا أَبَدًا غَيْرَ أَضْغَاثِ أَمَانِيِّ الْوَسَنْ .
عَنْ عَنْ عَمِّهِ ، عَنْ عِيسَى بْنِ دَاوُدَ ، عَنْ رِجَالِهِ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : " لَمَّا بَنَى عُثْمَانُ دَارَهُ بِالْمَدِينَةِ ، أَكْثَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، فَبَلَغَهُ ، فَخَطَبَنَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، ثُمَّ صَلَّى بِنَا ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ ، فَحَمِدَ اللَّهِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَصَلَّى عَلَى رَسُولِهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ النِّعْمَةَ إِذَا حَدَثَتْ حَدَثَ لَهَا حُسَّادٌ حَسْبُهَا وَأَعْدَاءٌ قَدْرُهَا ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحْدِثْ لَنَا نِعَمًا لِيُحْدِثَ لَهَا حُسَّادٌ عَلَيْهَا ، وَمُنَافِسُونَ فِيهَا ، وَلَكِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ بِنَاءِ مَنْزِلِنَا هَذَا ، مَا كَانَ إِرَادَةُ جَمْعِ الْمَالِ فِيهِ ، وَضَمِّ الْقَاصِيَةِ ، فَأَتَانَا عَنْ أُنَاسٍ مِنْكُمْ يَقُولُونَ : أَخَذَ فَيْئَنَا وَأَنْفَقَ شَيْئَنَا ، وَاسْتَأْثَرَ بِأَمْوَالِنَا ، يَمْشُونَ خَمَرًا ، وَيَنْطِقُونَ سِرًّا كَأَنَّا غَيْبٌ عَنْهُمْ ، وَكَأَنَّهُمْ يَهَابُونَ مُواجَهَتَنَا مَعْرِفَةً مِنْهُمْ بِدُحُوضِ حُجَّتِهِمْ ، فَإِذَا غَابُوا عَنَّا يَرُوحُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ يَذْكُرُنَا . وَقَدْ وَجَدُوا عَلَى ذَلِكَ أَعْوَانًا مِنْ نُظَرَائِهِمْ وَمُؤَازِرِينَ مِنْ شُبَهَائِهِمْ ، فَبُعْدًا بُعْدًا وَرُغْمًا رُغْمًا ! ثُمَّ أَنْشَدَ بَيْتَيْنِ كَأَنَّهُ يُوْمِئُ فِيهِمَا إِلَى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ : تَوَقَّدْ بِنَارٍ أَيْنَمَا كُنْتَ وَاشْتَعِلْ فَلَسْتَ تَرَى مِمَّا تُعَالِجُ شَافِيًا تَشُطُّ فَيَقْضِي الأَمْرَ دُونَكَ أَهْلُهُ وَشِيكًا وَلا تُدْعَى إِذَا كُنْتَ نَائِيًا مَالِي وَلِفِيئِكُمْ وَأَخْذِ مَالِكُمْ ! أَلَسْتُ مِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالا ، وَأَظْهَرِهُمْ مَنَ اللَّهِ نِعْمَةً ! أَلَمْ أَكُنْ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ الإِسْلامِ ، وَبَعْدَهُ ! وَهَبُونِي بَنَيْتُ مَنْزِلا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، أَلَيْسَ هُوَ لِي وَلَكُمْ ! ، أَلَمْ أُقِمْ أُمُورَكُمْ وَإِنِّي مِنْ وَرَاءِ حَاجَاتِكُمْ ؟ فَمَا تَفْقِدُونَ مِنْ حُقُوقِكُمْ شَيْئًا ، فَلِمَ لا أَصْنَعُ فِي الْفَضْلِ مَا أَحْبَبْتُ ؟ فَلِمَ كُنْتُ إِمَامًا إِذًا ؟ أَلا وَإِنَّ مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ ، أَنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكُمْ أَنَّكُمْ تَقُولُونَ : لَنَفْعَلَنَّ بِهِ وَلَنَفْعَلَنَّ . فَبِمَنْ تَفْعَلُونَ ؟ لِلَّهِ آبَاؤُكُمْ ! أَبِنَقَدِ الْبِقَاعِ أَمْ بِفَقْعِ الْقَاعِ ؟ أَلَسْتُ أَحْرَاكُمْ إِنْ دَعَا أَنْ يُجَابَ ؟ وَأَقْمَنَكُمْ إِنْ أَمَرَ أنْ يُطَاعَ ؟ لَهْفِي عَلَى بَقَائِي فِيكُمْ بَعْدَ أَصْحَابِي ، وَحَيَاتِي فِيكُمْ بَعْدَ أَتْرَابِي ، يَا لَيْتَنِي تَقَدَّمْتُ قَبْلَ هَذَا ، لَكِنِّي لا أُحِبُّ خِلافَ مَا أَحَبَّهُ اللَّهُ لِي عَزَّ وَجَلَّ . إِذَا شِئْتُمْ فَإِنَّ الصَّادِقَ الْمُصَدَّقَ ، مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَدْ حَدَّثَنِي بِمَا هُوَ كَائِنٌ مِنْ أَمْرِي وَأَمْرِكُمْ ، وَهَذَا بَدْءُ ذَلِكَ وَأَوَّلُهُ ، فَكَيْفَ الْهَرَبُ مِمَّا حُتِّمَ وَقُدِّرَ ! ، أَمَا إِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ بَشَّرَنِي فِي آخِرَ حَدِيثِهِ بِالْجَنَّةِ دُونَكُمْ ، إِذَا شِئْتُمْ فَلا أَفْلَحَ مَنْ نَدِمَ . قَالَ : ثُمَّ هُمَّ بِالنُّزُولِ فَبَصُرَ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ، وَمَعَهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَنَاسٌ مِنْ أَهْلِ هَوَاهُ يَتَنَاجَوْنَ ، فَقَالَ : إِيهًا إِيهًا ! أَسِرِارًا لا جِهَارًا ! أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَحْنِقُ عَلَى جِرَّةٍ وَلا أُوتِيَ مِنْ ضَعْفِ مِرَّةٍ ، وَلَوْلا النَّظَرُ لِي وَلَكُمْ ، وَالرِّفْقُ بِي وَبِكُمْ لَعَاجَلْتُكُمْ فَقَدِ اغْتَرَرْتُمْ وَأَقَلْتُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ . ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ قَدْ تَعْلَمُ حُبِّي لِلْعَافِيَةِ فَأَلْبِسْنِيهَا ، وَإِيثَارِي لِلسَّلامَةِ فَآتِينِهَا . قَالَ : فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ ، وَقَامَ عَدِيُّ بْنُ الْخِيَارِ ، فَقَالَ : أَتَمَّ اللَّهُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ النِّعْمَةَ ، وَزَادَكَ فِي الْكَرَامَةِ ، وَاللَّهِ لأَنْ تُحْسَدَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ تَحْسُدَ ، وَلأَنْ تُنَافَسَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ تُنَافِسَ ، أَنْتَ وَاللَّهِ فِي حَسْبِنَا الصَّمِيمِ وَمَنْصبِنَا الْكَرِيمِ ، إِنْ دَعَوْتَ أُجِبْتَ ، وَإِنْ أَمَرْتَ أُطِعْتَ ، فَقَلْ نَفْعَلْ ، وَادْعُ تُجَبْ ، جُعِلْتَ الْخَيَرَةَ وَالشُّورَى إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِيَخْتَارُوا لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ ، وَإِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ مَكَانَكَ ، وَيَعْرِفُونَ غَيْرَكَ ، فَاخْتَارُوكَ مُنِيبِينَ طَائِعِينَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ وَلا مُجْبَرِينَ ، مَا غَيَّرْتَ ، وَلا فَارَقْتَ وَلا بَدَّلْتَ ، وَلا خَالَفْتَ ، فَعَلامَ يُقَدِّمُونَ عَلَيْكَ وَهَذَا رَأْيُهُمْ فِيكَ ! أَنْتَ وَاللَّهِ كَمَا قَالَ الأَوَّلُ : اذْهَبْ إِلَيْكَ فَمَا لِلْحَسُودِ إِلا طِلابَكَ تَحْتَ الْعِشَارِ حَكَمْتَ فَمَا جُرْتَ فِي خَلَّةٍ فَحُكْمُكَ بِالْحَقِّ بَادِي الْمَنَارِ فَإِنْ يَسْبَعُوكَ فَسِرًّا وَقَدْ جَهَرْتَ بِسَيْفِكَ كُلَّ الْجِهَارِ قَالَ : وَنَزَلَ عُثْمَانُ فَأَتَى مَنْزِلَهُ ، وَأَتَاهُ النَّاسُ ، وَفِيهِمُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَلَمَّا أَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ ، أَقْبَلَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : مَا لِي وَلَكُمْ يَابْنَ عَبَّاسٍ ! مَا أَغْرَاكُمْ بِي ، وَأَوْلَعَكُمْ بِتَعَقُّبِ أَمْرِي ! أَتَنْقِمُونَ عَلَيَّ أَمْرَ الْعَامَّةِ ؟ أَتَيْتُ مِنْ وَرَاءِ حُقُوقِهِمْ ، أَمْ أَمْركُمْ ، فَقَدْ جَعَلْتُهُمْ يَتَمَنَّوْنَ مَنْزِلَتَكُمْ ، ! لا وَاللَّهِ لَكِنَّ الْحَسَدَ وَالْبَغْيَ وَتَثْوِيرَ الشَّرِّ وَإِحْيَاءَ الْفِتَنِ ، وَاللَّهِ لَقَدْ أَلْقَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيَّ ذَلِكَ وَأَخْبَرَنِي بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَاحِدًا وَاحِدًا ! وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلا أَنَا بِمَكْذُوبٍ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : عَلَى رِسْلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَوَاللَّهِ مَا عَهِدْتُكَ جَهِرًا بِسِرِّكَ ، وَلا مُظْهِرًا مَا فِي نَفْسِكَ ، فَمَا الَّذِي هَيَّجَكَ وَثَوَّرَكَ ؟ إِنَّا لَمْ يُولِعْنَا بِكَ أَمْرٌ ، وَلَمْ نَتَعَقَّبْ أَمْرَكَ بِشَيْءٍ ، أُتِيتَ بِالْكَذِبِ ، وَتُسُوِّقَ عَلَيْكَ بِالْبَاطِلِ . وَاللَّهِ مَا نَقِمْنَا عَلَيْكَ لَنَا وَلا لِلْعَامَّةِ ، قَدْ أُوتِيتَ مِنْ وَرَاءِ حُقُوقِنَا وُحُقُوقَهُمْ ، وَقَضَيْتَ مَا يَلْزَمُكَ لَنَا وَلَهُمْ ، فَأَمَّا الْحَسَدُ وَالْبَغْيُ وَتَثْوِيرُ الْفِتَنِ وَإِحْيَاءُ الشَّرِّ فَمَتَى رَضِيَتْ بِهِ عِتْرَةُ النَّبِيِّ وَأَهْلُ بَيْتِهِ ؟ وَكَيْفَ وَهُمْ مِنْهُ وَإِلَيْهِ ، عَلَى دِينِ اللَّهِ ، يَثُورُونَ الشَّرَّ ، أَمْ عَلَى اللَّهِ يُحْيُونَ الْفِتَنَ ؟ كَلا لَيْسَ الْبَغْيُ وَلا الْحَسَدُ مِنْ طِبَاعِهِمْ . فَاتَّئِدْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَبْصِرْ أَمْرَكَ ، وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ ، فَإِنَّ حَالَتَكَ الأُولَى خَيْرٌ مِنْ حَالَتِكَ الأُخْرَى . لَعَمْرِي إِنْ كُنْتَ لأَثِيرًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وَإِنْ كَانَ لَيُفْضِي إِلَيْكَ بِسِرِّهِ مَا يَطْوِيهِ عَنْ غَيْرِكَ ، وَلا كَذَبْتَ وَلا أَنْتَ بِمَكْذُوبٍ ، اخْسَ الشَّيْطَانَ عَنْكَ لا يَرْكَبُكَ ، وَاغْلِبْ غَضَبَكَ وَلا يَغْلِبْكَ ، فَمَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا الأَمْرِ الَّذِي كَانَ مِنْكَ ؟ قَالَ : دَعَانِي إِلَيْهِ ابْنُ عَمِّكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَعَسَى أَنْ يَكْذِبَ مُبَلِّغُكَ . قَالَ عُثْمَانُ : إِنَّهُ ثِقَةٌ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّهُ لَيْسَ بِثِقَةٍ مَنْ بَلَّغَ وَأَغْرَى . قَالَ عُثْمَانُ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، آللَّهَ إِنَّكَ مَا تَعْلَمُ مِنْ عَلِيٍّ مَا شَكَوْتُ مِنْهُ ؟ قَالَ : اللَّهُمَّ لا إِلا أَنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ النَّاسُ ، وَيَنْقِمُ كَمَا يَنْقِمُونَ ، فَمَنْ أَغْرَاكَ بِهِ ، وَأَوْلَعَكَ بِذِكْرِهِ دُونَهُمْ ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ : إِنَّمَا آفَتِي مِنْ أَعْظَمِ الدَّاءِ الَّذِي يُنَصِّبُّ نَفْسَهُ لِرَأْسِ الأَمْرِ وَهُوَ عَلِيٌّ ابْنُ عَمِّكَ ، وَهَذَا وَاللَّهِ كُلُّهُ مِنْ نَكَدِهِ ، وَشُؤْمِهِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَهْلا اسْتَثْنِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، قُلْ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَقَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ثُمَّ قَالَ : إِنِّي أَنْشُدُكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ الإِسْلامَ وَالرَّحِمَ ، فَقَدْ وَاللَّهِ غُلِبْتُ وَابْتُلِيتُ بِكُمْ ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ كَانَ صَارَ إِلَيْكُمْ دُونِي ، فَحَمَلْتُمُوهُ عِنِّي ، وَكُنْتُ أَحَدَ أَعْوَانِكُمْ عَلَيْهِ إِذًا ، وَاللَّهِ لَوَجَدْتُمُونِي لَكُمْ خَيْرًا مِمَّا وَجَدْتُكُمْ لِي ، وَلَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الأَمْرَ لَكُمْ ، وَلَكِنَّ قَوْمَكُمْ دَفَعُوكَمْ عَنْهُ وَاخْتَزَلُوهُ دُونَكُمْ ، فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَدَفَعُوهُ عَنْكُمْ أَمْ دَفَعُوكُمْ عَنْهُ ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَهْلا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَإِنَّا نَنْشُدُكَ اللَّهَ وَالإِسْلامَ وَالرَّحِمَ ، مثل مَا نَشَدْتَنَا ، أَنْ تُطْمِعَ فِينَا وَفِيكَ عَدُوًّا ، وَتُشَمِتَ بِنَا وَبِكَ حَسُودًا . إِنَّ أَمْرَكَ إِلَيْكَ مَا كَانَ قَوْلا ، فَإِذَا صَارَ فِعْلا فَلَيْسَ إِلَيْكَ وَلا فِي يَدَيْكَ ، وَإِنَّا وَاللَّهِ لَنُخَالِفَنَّ إِنْ خُولِفْنَا ، وَلَنُنَازِعَنَّ إِنْ نُوزِعْنَا ، وَمَا تَمَنِّيكَ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ صَارِ إِلَيْنَا دُونَكَ ، إِلا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ مِنَّا مَا يَقُولُهُ النَّاسُ ، وَيَعِيبُ كَمَا عَابُوا ! فَأَمَّا صَرْفُ قَوْمِنَا عَنَّا الأَمْرَ فَعَنْ حَسَدٍ قَدْ وَاللَّهِ عَرَفْتُهُ ، وَبَغْيٍ قَدْ وَاللَّهِ عَلِمْتُهُ ، فَاللَّهَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا ! وَأَمَّا قَوْلُكَ : إِنَّكَ لا تَدَرِي أَدَفَعُوهُ عَنَّا ، أَمْ دَفَعُونَا عَنْهُ ؟ فَلَعَمْرِي إِنَّكَ لَتَعْرِفُ أَنَّهُ لَوْ صَارَ إِلَيْنَا هَذَا الأَمْرُ مَا زِدْنَا بِهِ فَضْلا إِلَى فَضْلِنَا ، وَلا قَدْرًا إِلَى قَدْرِنَا ، وَإِنَّا لأَهْلُ الْفَضْلِ وَأَهْلُ الْقَدْرِ ، وَمَا فَضَلَ فَاضِلٌ إِلا بِفَضْلِنَا ، وَلا سَبَقَ سَابِقٌ إِلا بِسَيْفِنَا ، وَلَوْلا هَدْيُنَا مَا اهْتَدَى أَحَدٌ ، وَلا أَبْصَرُوا مِنَ عَمًى ، وَلا قَصَدُوا مِنْ جَوْرٍ . فَقَالَ عُثْمَانُ : حَتَّى مَتَى يَا ابْنَ عَبَّاسٍ يَأْتِينِي عَنْكُمْ مَا يَأْتِينِي ؟ هَبُونِي كُنْتُ بَعِيدًا أَمَا كَانَ لِي مِنَ الْحَقِّ عَلَيْكُمْ أَنْ أُرَاقِبَ وَأَنْ أُنَاظِرَ ، بَلَى وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ، وَلَكِنَّ الْفُرْقَةَ سَهَّلَتْ لَكُمُ الْقَوْلَ فِيَّ وَتَقَدَّمَتْ بِكُمْ إِلَى الإِسْرَاعِ إِليَّ ، وَاللَّهُ الُمُسْتَعَانُ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَهْلا حَتَّى أَلْقَى عَلِيًّا ، ثُمَّ أَحْمِلَ إِلَيْكَ عَلَى قَدْرِ مَا رَأَى . قَالَ عُثْمَانُ : افْعَلْ مَا قَدْ فَعَلْتَ ، وَطَالَمَا طَلَبْتُ فَلا أَطْلَبَ ، وَلا أَجَابَ وَلا أَعْتَبَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَخَرَجْتُ فَلَقَيْتُ عَلِيًّا ، وَإِذَا بِهِ مِنَ الْغَضَبِ وَالتَّلَظِّي أَضْعَافُ مَا بِعُثْمَانَ ، فَأَرَدْتُ تَسْكِينَهُ فَامْتَنَعَ ، فَأَتَيْتُ مَنْزِلِي ، وَأَغْلَقْتُ بَابِي وَاعْتَزَلْتُهُمَا . فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ ، فَأَتَيْتُهُ وَقَدْ هَدَأَ غَضَبُهُ ، فَنَظَرَ إِلَيَّ ثُمَّ ضَحِكَ ، وَقَالَ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، مَا أَبْطَأَ بِكَ عَنَّا ؟ إِنَّ تَرْكَكَ الْعَوْدَ إِلَيْنَا لَدَلِيلٌ عَلَى مَا رَأَيْتَ عِنْدَ صَاحِبِكَ ، وَعَرَفْتَ مِنْ حَالِهِ ، فَاللَّهَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ ، خُذْ بِنَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَكَانَ عُثْمَانُ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ عَنْ عَلِيٍّ شَيْءٌ فَأَرَدْتُ التَكْذِيبَ عَنْهُ ، يَقُولُ : وَلا يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ أَبْطَأْتَ عَنَّا وَتَرَكْتَ الْعَوْدَ إِلَيْنَا ؟ فَلا أَدْرِي كَيْفَ أَرُدُّ عَلَيْهِ " .
عَنِ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : لَمَّا أُتِي عُمَرُ بَجَوْهَرِ كِسْرَى ، وُضِعَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَطَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَصَارَ كَالْجَمْرِ ، فَقَالَ لِخَازَنِ بَيْتِ الْمَالِ : " وَيْحَكَ ! أَرِحْنِي مِنْ هَذَا ، وَقَسِّمْهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أَنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذَا بَلاءٌ وَفِتْنَةٌ بَيْنَ النَّاسِ " ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنْ قَسَّمْتَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَسَعَهُمْ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَشْتَرِيهِ لأَنَّ ثَمَنَهُ عَظِيمٌ ، وَلَكِنْ نَدَعَهُ إِلَى قَابِلٍ ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَيَشْتَرِيَهُ مِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِيهِ . قَالَ : " ارْفَعْهُ فَأَدْخِلْهُ بَيْتَ الْمَالِ " ، وُقُتِلَ عُمَرُ وَهُوَ بِحَالِهِ ، " فَأَخَذَهُ عُثْمَانُ لَمَّا وُلِّيَ الْخِلافَةَ فَحَلَّى بِهِ بَنَاتِهِ " . فَقَالَ الزُّهْرِيُّ : كُلٌّ قَدْ أَحْسَنَ ، عُمَرُ حَيْنَ حَرَمَ نَفْسَهُ ، وَأَقَارِبَهُ ، وَعُثْمَانُ حِينَ وَصَلَ أَقَارِبَهُ .
عَنِ عَنِ الْمَدَائِنِيِّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ تَاجِرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَعَ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى فِلَسْطِينَ قِيلَ لَهُمْ : إِنَّ زِنْبَاعَ بْنَ رَوْحِ بْنِ سَلامَةَ الْجُذَامِيَّ يَعْشُرُ مَنْ يَمُرُّ بِهِ لِلْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ ، قَالَ : فَعَمَدْنَا إِلَى مَا مَعَنَا مِنَ الذَّهَبِ ، فَأَلْقَمْنَاهُ نَاقَةً لَنَا ، حَتَّى إِذَا مَضَيْنَا نَحَرْنَاهَا وَسَلِمَ لَنَا ذَهَبُنَا ، فَلَمَّا مَرَرْنَا عَلَى زِنْبَاعٍ ، قَالَ : فَتِّشُوهُمْ ، فَفَتَّشُونَا ، فَلَمْ يَجِدُوا مَعَنَا إِلا شَيْئًا يَسِيرًا ، فَقَالَ : اعْرِضُوا عَلَيَّ إِبِلَهُمْ ، فَمَرَّتْ بِهِ النَّاقَةُ بِعَيْنِهَا ، فَقَالَ : انْحَرُوهَا . فَقُلْتُ : لأَيِّ شَيْءٍ ؟ قَالَ : إِنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا ذَهَبٌ وَإِلا فَلَكَ نَاقَةٌ غَيْرُهَا وَكُلْهَا . قَالَ : فَشَقُّوا بَطْنَهَا فَسَالَ الذَّهَبُ ، قَالَ : فَأَغْلَظَ عَلَيْنَا فِي الْعُشْرِ ، وَنَالَ مِنْ عُمَرَ . فَقَالَ عُمَرُ فِي ذَلِكَ : مَتَى أَلْقَ زِنْبَاعَ بْنَ رَوْحٍ بِبَلْدَةٍ لِي النِّصْفُ مِنْهُ يَقْرَعُ السِّنَّ مِنْ نَدَمْ وَيَعْلَمُ أَنَّ الْحَيَّ حَيُّ ابْنِ غَالِبٍ مُطَاعِينَ فِي الْهَيْجَا مَضَارِيبَ فِي الْهَيَمْ " .
أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ , وَالْبَغَوِيُّ ، وَالْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَابْنُ مَنْدَهْ ، مِنْ طَرِيقِ شَرْقِيِّ بْنِ قَطَامِيٍّ ، عَنِ أبي طَلِيقٍ الْغَامِدِيِّ ، عَنْ شَرَاحِيلَ بْنِ الْقَعْقَاعِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ، قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتَنَا مِنْ قَرِيبٍ وَنَحْنُ إِذَا حَجَجْنَا ، قُلْنَا : لَبَّيْكَ تَعْظِيمًا إِلَيْكَ عُذْرًا هَذِي زُبَيْدٌ قَدْ أَتَتْكَ قَسْرَا يَقْطَعْنَ خِبْتًا وَجِبَالا وَعْرًا الْحَدِيثَ . وَفِيهِ : كُنَّا نَمْنَعُ النَّاسَ أَنْ يَقِفُوا بِعَرَفَةَ ، وَنَقِفُ بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ يُمْنَةَ عَرَفَةَ فِرَقًا مِنْ أَنَّ يَتَخَطَّفُنَا الْجِنُّ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : " أَجِيزُوا بَطْنَ عَرَفَةَ ، فَإِنَّمَا هُمْ إِذْ أَسْلَمُوا إِخْوَانُكُمْ " . قَالَ : " فَعَلَّمَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّلْبِيَةَ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ " . إِلَى آخِرِهَا .
حَدَّثَنِي حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، قَالَ : دَخَلَ فُرَاتُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَكَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ ، وَكَانَ يَبْخَلُ ، وَكَانَ مِنْ أَلِبَّاءِ الْعَرَبِ ، وَذَوِي الْعِلْمِ وَالرَّأَيْ ، فَوَجَدَ عُمَرَ يُعْطِي الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ ، فَقَالَ لَهُ : فُرَاتُ ، مَنِ الَّذِي يَقُولُ : " الْفَقْرُ يُزْرِي بِالْفَتَى فِي قَوْمِهِ وَالْعَيْنُ يُغْضِيهَا الْكَرِيمُ عَلَى الْقَذَى وَالْمَالُ يَبْسُطُ لِلَّئِيمِ لِسَانَهُ حَتَّى يَصِيرَ كَأَنَّهُ شَيْءٌ يَرَى وَالْمَالُ جُدْ بِفُضُولِهِ وَلْتَعْلَمَنْ أَنَّ الْبَخِيلَ يَصِيرُ يَوْمًا لِلثَّرَى قَالَ : لا أَدْرِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، غَيْرَ أَنِّي عَرَفْتُ أَنَّ أَخَا بَنِي ضُبَيْعَةَ أَشْعَرُ النَّاسِ حَيْثُ ، يَقُولُ : وَإِصْلاحُ الْقَلِيلِ يَزِيدُ فِيهِ وَلا يَبْقَى الْكَثِيرُ مَعَ الْفَسَادِ فَقَالَ عُمَرُ : " قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ سورة الحشر آية 9 أَفْضَلُ " . قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ سورة الإسراء آية 27 ، قَالَ عُمَرُ : فَبَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ، يَا فُرَاتُ ، اتَّقِ اللَّهَ ، وَإِنَّمَا لَكَ مِنْ مَالِكِ مَا أَنْفَقْتَ . يَا فُرَاتُ ، أَطْعِمِ السَّائِلَ ، وَكُنْ سَرِيعًا إِلَى دَاعِي اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ وَأَهْلَهُ ، وَإِنَّ الْبُخْلَ بِئْسَ شِعَارُ الْمُسْلِمِ . يَا فُرَاتُ ، أَتَدْرِي مَنِ الَّذِي يَقُولُ : سَأَبْذِلُ مَالِي لِلْعُفَاةِ فَإِنَّنِي رَأَيْتُ الْغِنَى وَالْفَقْرَ سِيَّانِ فِي الْقَبْرِ يَمُوتُ أَخُو الْفَقْرِ الْقَلِيلُ مَتَاعُهُ وَلا تَتْرُكُ الأَيَّامُ مَنْ كَانَ ذَا وَفْرِ وَلَيْسَ الَّذِي جَمَّعْتُ عِنْدِي بِنَافِعٍ إِذَا حَلَّ بِي يَوْمًا جَلِيلٌ مِنَ الأَمْرِ قَالَ : لا أَدْرِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ . قَالَ : هَذَا شِعْرُ أَخِيكَ قَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ . قَالَ : مَا عَلِمْتُهُ . قَالَ : " بَلَى هُوَ أَنْشَدَنِيهِ ، وَعَنْهُ أَخَذْتُهُ ، وَإِنَّ لَكَ فِيهِ لَعِبْرَةً قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَفَّقَكَ اللَّهُ وَسَدَّدَكَ ، أَمَرْتَ بِخَيْرٍ وَحَضَضْتَ عَلَيْهِ ، وَتَرَكَ فُرَاتٌ كَثِيرًا مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ " .
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : مَا سَمِعْتُ بِأَحَدٍ أَجْرَأَ وَلا أَسْرَعَ شِعْرًا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ، يَوْمَ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قُلْ شِعْرًا تَقْتَضِيهِ السَّاعَةُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْكَ " . ثُمَّ أَبَدَّهُ بَصَرُهُ ، فَانْبَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، يَقُولُ : إِنِّي تَفَرَّسْتُ فِيكَ الْخَيْرَ أَعْرِفُهُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا إِنْ خَانَنِي بَصَرُ أَنْتَ النَّبِيُّ وَمَنْ يُحْرَمَ شَفَاعَتَهُ يَوْمَ الْحِسَابِ فَقَدْ أَزْرَى بِهِ الْقَدَرُ فَثَبَّتَ اللَّهُ مَا أَتَاكَ مِنْ حَسَنٍ كَالْمُرْسَلِينِ وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَأَنْتَ فَثَبَّتَكَ اللَّهُ " . قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ : فَثَبَّتَهُ اللَّهُ أَحْسَنَ ثَبَاتٍ ، فَقُتِلَ شَهِيدًا ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَدَخَلَهَا .
عَنْ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ ، قَالَ : أَتَتِ امْرَأَةٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَتْ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ زَوْجِي يَصُومُ النَّهَارَ ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَشْكُوَهُ إِلَيْكَ وَهُوَ يَقُومُ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . فَقَالَ لَهَا : " جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا مِنْ مُثْنِيَةٍ عَلَى زَوْجِهَا " . فَجَعَلَتْ تُكَرِّرُ عَلَيْهِ الْقَوْلَ وَهُوَ يُكَرِّرُ عَلَيْهَا الْجَوَابَ ، وَكَانَ كَعْبُ بْنُ سُورٍ الأَزْدِيُّ حَاضِرًا ، فَقَالَ : اقْضِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا . قَالَ : " وَهَلْ فِيمَا ذَكَرَتْ قَضَاءٌ " ؟ ! فَقَالَ : إِنَّهَا تَشْكُو مُبَاعَدَةَ زَوْجِهَا عَنْ فِرَاشِهِ وَتَطْلُبُ حَقَّهَا فِي ذَلِكَ . فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : " أَمَا إِنْ فَهِمْتَ ذَلِكَ فَاقْضِ بَيْنَهُمَا " . فَقَالَ كَعْبٌ : عَلَيَّ بِزَوْجِهَا . فَأُحْضِرَ ، فَقَالَ : إِنَّ امْرَأَتَكَ هَذِهِ تَشْكُوكَ . فَقَالَ : هَلْ قَصَّرْتُ فِي شَيْءٍ مِنْ نَفَقَتِهَا ؟ قَالَ : لا . فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ : يَا أَيها الْقَاضِي الْحَكِيمُ رُشْدُهُ أَلْهَى خَلِيلِي عَنْ فِرَاشِي مَسْجِدُهْ نَهَارَهُ وَلَيْلَهُ مَا يَرْقُدُهْ فَلَسْتُ فِي حُكْمِ النِّسَاءِ أَحْمَدُهُ زَهَّدَهُ فِي مَضْجَعِي تَعَبُّدُهُ فَاقْضَ الْقَضَا يَا كَعْبُ لا تُرَدِّدُهْ قَالَ : فَقَالَ زَوْجُهَا : زَهَّدَنِي فِي فَرْشِهَا وَفِي الْحَجَلِ أَنِّي امْرُؤٌ أَذْهَلَنِي مَا قَدْ نزل فِي سُوْرَةِ النَّمْلِ وَفِي السَّبْعِ الطِّوَلْ وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَخْوِيفٌ جَلَلْ فَقَالَ كَعْبٌ : إِنَّ لَهَا حَقًا عَلَيْكَ يَا رَجُلْ تُصِيبُهَا فِي أَرْبَعٍ لِمَنْ عَقِلْ قَضِيَّةٌ مِنْ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلْ فَأَعْطِهَا ذَاكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعِلَلْ إِنَّ خَيْرَ الْقَاضِي مَنْ عَدَلَ وَقَضَى بِالْحَقِّ جَهْرًا وَفَصَلْ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَبَاحَ لَكَ مِنَ النِّسَاءِ أَرْبَعًا فَلَكَ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا تَعْبُدُ فِيهَا رَبَّكَ وَلَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ . فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : " وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مِنْ أَيِّ أَمْرَيْكَ أَعْجَبُ ؟ أَمِنْ فَهْمِكَ أَمْرَهُمَا أَمْ مِنْ حُكْمِكَ بَيْنَهُمَا ؟ اذْهَبْ فَقَدْ وَلَّيْتُكَ قَضَاءَ الْبَصْرَة " .

Statistiques du graphe

Sortant3
Entrant76
Total79

Traductions

🇸🇦 Arabic
الأخبار الموفقيات للزبير بن بكار