Entités

بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخيار للكلاباذي

BE871296Livre

Déclarations

3 sortant
=licencepublic-domainBS3546909
=sourceSanadset 650K — Mendeley Data, CC BY 4.0 (doi:10.17632/5xth87zwb5.5)BS3546910

Référencé par

100 entrant
حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عُقَيْلٍ ، قَالَ . ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ . ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ، قَالَ . ح خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ، عَنْ عِلْبَاءَ بْنِ أَحْمَدَ ، أَنَّ عَلِيًّا تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ عَلَى أَرْبَعِ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنْ يَجْعَلَ ثُلُثَهَا فِي الطِّيبِ " ، فَهَذَا حَظُّ الرَّوْحَانِيِّينَ مِنَ الْخَلْقِ ، وَبَلَغَ النِّهَايَةَ فِيهِ مِنْ حُبِّهِ لَهُ ، فَكَأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يُوَفِّرَ عَلَيْهِمْ حُظُوظَهُمْ إِذْ لَيْسَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا غَيْرِ الطِّيبِ حَظٌّ ، ثُمَّ عِشْرَةُ النِّسَاءِ وَمُعَامَلَتُهُنَّ أَصْعَبُ وَأَعْسَرُ ، لأَنَّهُنَّ أَضْعَفُ تَرْكِيبًا ، وَأَقَلُّ عَقْلا ، وَأَرَقُّ دِينًا ، وَأَغْلَبُ عَلَى أَلْبَابِ الرِّجَالِ فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حُبِّبْنَ إِلَيْهِ ، فَحُبِّبَ إِلَيْهِ مُعَامَلَتُهُنَّ وَعِشْرَتُهُنَّ مَعَ ضِيقِ أَخْلاقِهِنَّ ، فَعَامَلَهُنَّ أَحْسَنَ مُعَامَلَةٍ ، حَتَّى جَمَعَ بَيْنَ الضَّرَايِرِ ، وَهُوَ سَبَبُ الْمَشَاقَّةِ وَالتَّشَاجِّ وَتَغَيُّرِ الأَخْلاقِ ، حَتَّى بَلَغَ مِنْ حُسْنِ مُعَامَلَتِهِ إِيَّاهُنَّ أَنْ تَحَابَبْنَ وَتَوَاصَلْنَ ، وَبَلَغَ مِنْ رِفْقِهِ بِهِنَّ أَنْ عَاتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ ، فَمَنْ كَانَتْ مُعَامَلَتُهُ النِّسَاءَ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ ، فَمَا ظَنُّكَ فِي مُعَامَلَتِهِ الرِّجَالَ ؟ وَكَانَ مِنْ حُسْنِ مُعَامَلَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَا .
مَا حَدَّثَنَا حَاتِمٌ ، قَالَ . ح يَحْيَى ، قَالَ 0 ح جَرِيرٌ ، عَنْ قَابُوسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ أَحَدٍ إِلا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ " ، قَالُوا : وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " وَإِيَّايَ إِلا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ ، فَأَسْلَمَ " ، وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : " أَسْلَمَ " فَقِيلَ : اسْتَسْلَمَ ، وَقِيلَ : أَسْلَمُ أَنَا مِنْهُ ، وَقِيلَ : صَارَ مُسْلِمًا ، فَإِنْ كَانَ اسْتَسْلَمَ ، فَهَذَا غَايَةُ حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ حَتَّى انْقَادَ لَهُ الْعَدُوُّ وَاسْتَسْلَمَ ، وَإِنْ سَلِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ فَبِحُسْنِ مُعَامَلَتِهِ بَعْدَ عِصْمَةِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَسَلِمَ مِنْهُ ، لأَنَّهُ غَايَةُ الرِّفْقِ وَالتَّوَقِّي ، وَإِنْ أَسْلَمَ وَدَخَلَ عَلَى الإِسْلامِ فَلا يُسْتَنْكَرُ إِسْلامُ قَرِينٍ مِنْ بَيْنِ الْجَمِيعِ ، كَمَا لَمْ يُسْتَنْكَرْ كُفْرِ وَاحِدٍ مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الْمَلائِكَةِ ، وَهُوَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ مَعَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ سورة التحريم آية 6 ، وَعِصْيَانُ اثْنَيْنِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ، وَيَكُونُ الْوَاحِدُ مُسْتَثْنًى مِنْ بَيْنِ الْجَمِيعِ ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ وَجْهُ الاسْتِثْنَاءِ ، فَهَذَا مِنْ حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ مِنْهُ إِيَّاهُ أَنْ أَسْلَمَ الشَّيْطَانُ ، فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّمَا حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ " ، عِبَارَةٌ عَنْ بُلُوغِ الْغَايَةِ فِي الْعُبُودِيَّةِ كَمَا قُلْنَا ، وَلَمَّا كَانَ أَصْلُ الْعُبُودِيَّةِ الْخَصْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا مِنْ تَعْظِيمِ قَدْرِ اللَّهِ ، وَحُسْنِ مُعَامَلَةِ خَلْقِ اللَّهِ ، وَكَانَ أَحَدُ الْخَصْلَتَيْنِ أَعْظَمَ مِنَ الأُخْرَى ، وَهِيَ تَعْظِيمُ قَدْرِ اللَّهِ ، فَلِذَلِكَ زِيدَ فِي تَحْبِيبِهَا إِلَيْهِ ، حَتَّى صَارَتْ قُرَّةَ عَيْنِهِ ، فَإِنَّ قُرَّةَ الْعَيْنِ غَايَةُ الْمَحَبَّةِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا حُبِّبَ إِلَيَّ فِي الدُّنْيَا الْعُبُودِيَّةُ لِلَّهِ لا غَيْرَ ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : " مِنْ دُنْيَاكُمْ " ، فَيَكُونُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَظٌّ ، وَلا إِلَيْهَا نَظَرٌ ، وَلا لَهَا عِنْدَهُ حَظٌّ ، وَأَنَّهَا بِغَيْضَةٌ رَأْسًا ، وَالَّذِي حُبِّبَ إِلَيْهِ فِيهَا مَا هُوَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
ح أَبُو اللَّيْثِ نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ ، قَالَ . ح أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سُورَةَ ، قَالَ . ح قُتَيْبَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، وح نَصْرٌ قَالَ : وح أَبُو عِيسَى ، قَالَ . ح إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ ، قَالَ . ح مَعْنٌ قَالَ : ح مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ ، فَقَالَ : " هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَأَنَا أُحَرِّمُ بَيْنَ لابَتَيْهَا " ، أَيْ طَرَفَيْهَا ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا أَهْلُهُ وَنُحِبُّهُمْ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : " أَهْلُ هَذَا الْجَبَلِ يُحِبُّونَنَا وَنُحِبُّهُمْ " ، وَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ سورة يوسف آية 82 الآيَةَ ، أَيْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَالْعِيرِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِشَارَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَى حُبِّ اللَّهِ إِيَّاهُ ، وَأَنَّهُ حَبِيبُ اللَّهِ أَحَبَّهُ اللَّهُ ، فَأَسْكَنَ حُبَّهُ مَا اخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ حَيَوَانٍ وَجَمَادٍ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدًا أَمَرَ جِبْرَائِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلامُهُ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاوَاتِ : أَلا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَبَّ فُلانًا ، فَأَحِبُّوهُ ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ، ثُمَّ يُوضَعُ مَحَبَّتُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ " وَذَكَرَ الْمَاءَ .
قَالَ . ح قَالَ . ح أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ . ح عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَارْدَانِي ، قَالَ . ح عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ . ح أَبُو مَسْعُودٍ الزَّجَّاجُ ،<IDF> وَاسْمُهُ </IDF>عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ ، عَنْ عُمَرَ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ : إِنِّي أُحِبَّ فُلانًا ، فَأَحِبُّوهُ ، فَيُنَادِي جَبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي السَّمَاءِ : رَبُّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ فُلانًا ، فَأَحِبُّوهُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُلْقَى عَلَيْهِ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ ، وَيَقَعُ عَلَى الْمَاءِ ، فَيَشْرَبُهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ فَيُحِبُّهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ ، وَإِذَا بَغَضَ عَبْدًا ، فَمِثْلُ ذَلِكَ " فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ تَعَالَى أَحَبَّهُ ، فَأَسْكَنَ مَحَبَّتَهُ كُلَّ شَيْءٍ ، حَتَّى أَسْكَنَ مَحَبَّتَهُ أَبْعَدَ الأَشْيَاءِ مِنْ صِفَةِ الْمَحَبَّةِ وَهُوَ الْجَبَلُ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إِبْلاغًا فِي الْمَحَبَّةِ فِيهِ لَهُ ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْحِجَارَةَ ، وَأَخْبَرَ أَنَّ مِنْهَا مَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ ، وَيَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ، وَيَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ مَعَ بُعْدِهَا عَنْ أَوْصَافِ اللِّينِ وَالرُّطُوبَةِ مُبَالَغَةً فِي ذِكْرِ قَسْوَةِ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ، فَكَذَلِكَ ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَحَبَّةَ الْجَبَلِ إِيَّاهُ مُبَالَغَةً فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُ ، حَتَّى وَضَعَ فِي الْجَبَلِ مَحَبَّتَهُ ، وَقَدْ وَضَعَ اللَّهُ تَعَالَى مَحَبَّتَهُ فِي الْجِذْعِ حَتَّى حَنَّ لَمَّا فَارَقَهُ شَوْقًا إِلَيْهِ وَمَحَبَّةً لَهُ .
حَدَّثَنَا نَصْرٌ ، قَالَ ح أَبُو عِيسَى قَالَ 0 ح مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالَ . ح عُمَرُ بْنُ يُونُسَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ إِلَى لِزْقِ جِذْعٍ ، فَاتَّخَذُوا لَهُ مِنْبَرًا ، فَخَطَبَ عَلَيْهِ ، فَحَنَّ الْجِذْعُ حَنِينَ النَّاقَةِ ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَسَّهُ فَسَكَنَتْ ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : " فَاحْتَضَنَهُ فَسَكَنَ " ، فَأَخْبَرَ أَنَّ مِنْ مَحَبَّتِهِ إِيَّاهُ حَنَّ ، أَلا تَرَى يَقُولُ ، فَاحْتَضَنَهُ فَسَكَنَ ، فَكَأَنَّ سُكُونَهُ حِينَ مَسَّهُ أَوِ احْتَضَنَهُ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَوْلُهُ : " وَنُحِبُّهُ " ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَحَبَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَبَلَ عَلَى الْمُجَازَاةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا فَقَدْ آثَرَهُ ، وَمِنَ الْحَقِّ أَنْ تُؤْثِرَ مَنْ يُؤْثِرُكَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبَّهُ اللَّهُ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ سورة آل عمران آية 31 فَإِذَا كَانَ اتِّبَاعُهُ مُوجِبًا مَحَبَّةَ اللَّهِ ، فَكَيْفَ بِمَحَبَّتِهِ ، وَمَنْ أَحَبَّ اللَّهَ أَحَبَّهُ أَحِبَّاءُ اللَّهِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، سَيِّدُ أَحِبَّاءِ اللَّهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ أَنْ يُحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى حُبِّهِ للَّهِ ، لأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَلِمَ أَنَّ أَقْدَرَ مَوْضِعِ الإِشَارَةِ إِلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ إِيَّاهُ ، فَكَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَخْبَرَ عَنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُ بِقَوْلِهِ : " يُحِبُّنَا " ، وَأَخْبَرَ عَنْ مَحَبَّتِهِ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : " وَنُحِبُّهُ " ، وَالْجَبَلُ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْحَبِيبَيْنِ ، اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، كَمَا كَانَتِ الشَّجَرَةُ وَاسِطَةً بَيْنَ الْكَلِيمَيْنِ اللَّهِ وَمُوسَى .
ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الرَّشَادِيُّ ، قَالَ . ح أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ ، قَالَ . ح عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ ، قَالَ . ح صَالِحٌ الْمُرِّيُّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ لاهٍ " ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَعْنَى قَوْلِهِ : " وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ " أَيْ : كُونُوا عَلَى حَالَةٍ تَسْتَحِقُّونَ الإِجَابَةَ أَيْ بِحُضُورِ السِّرِّ ، وَصِحَّةِ الْحَالِ ، حَتَّى يَكُونَ مَعْرُوفًا فِي الْمَلَكُوتِ ، حَتَّى يُقَالَ : صَوْتٌ مَعْرُوفٌ ، وَهُوَ أَنَّ يَكُونَ تَعَرَّفَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَدَاءِ أَوَامِرِهِ ، وَاجْتِنَابِ مَنَاهِيهِ ، وَقَبُولِ أَحْكَامِهِ غَيْرَ مُتَسَخِّطٍ ، ثُمَّ يَدْعُوهُ ، وَلا يَكُونُ فِي سِرِّهِ غَيْرُهُ إِلا سِوَاهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ أَيْ : رَاجِعٍ إِلَيْهِ عَمَّا سِوَاهُ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْطَرًّا إِلَيْهِ ، فَقَدِ انْقَطَعَ رَجَاؤُهُ عَمَّا سِوَاهُ ، لا يَرْجِعُ إِلا حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ ، وَلا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ سورة النمل آية 62 ، قَالَ بَعْضُهُمُ : الْمُضْطَرُّ الَّذِي إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ يَدَهُ لَمْ يَرَ لِنَفْسِهِ عَمَلا ، فَإِذًا كَذَلِكَ أَيْقَنَ بِإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ ، لأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَ إِجَابَةَ مَنْ دَعَاهُ ، وَهَذِهِ شَرَائِطُ مَنْ يُجِيبُ دُعَاءَهُ ، وَمَنْ أَتَى بِهَا فَاللَّهُ مُنْجِزٌ لَهُ وَعْدَهُ ، وَاللَّهُ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ .
. ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ ، قَالَ 0 ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْحَسَنِ الْهَمْدَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْعُمَرِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَجُلا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الدُّعَاءِ خَيْرٌ ، أَدْعُو بِهِ فِي صَلاتِي ؟ فَقَالَ : " نَزَلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ، فَقَالَ : إِنَّ خَيْرَ الدُّعَاءِ أَنْ تَقُولَ فِي صَلاتِكَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ ، وَلَكَ الْمُلْكُ كُلُّهُ ، وَلَكَ الْخَلْقُ كُلُّهُ ، وَإِلَيْكَ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ ، أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ " ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَوْلُهُ : " لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ " مَوْضِعُ الصَّفَاءِ وَالانْقِطَاعِ إِلَيْهِ " وَلَكَ الْمُلْكُ كُلُّهُ " مَوْضِعُ الْكِفَايَةِ بِهِ ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ . " وَلَكَ الْخَلْقُ كُلُّهُ " مَوْضِعُ الأَمْنِ بِهِ وَالسُّكُونِ . " وَإِلَيْكَ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ " مَوْضِعُ الإِخْلاصِ لَهُ وَالتَّبَرِّي إِلَيْهِ . " أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ " مَوْضِعُ الْوُقُوفِ مَعَهُ ، وَالالْتِجَاءِ إِلَيْهِ . " أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهُ " الرُّجُوعُ إلَى نَفْسِكَ وَأَوْصَافِهَا " .
حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَرْوَكَ ، قَالَ : ح مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الطَّرَسُوسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ ، قَالا : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّوْفَلِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ ، وَأَحِبُّونِي لِحُبِّ اللَّهِ ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي " ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الزَّاهِدُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَحِبُّوا اللَّهَ " خَبَرًا عَنْ مَحَبَّتِهِمْ إِيَّاهُ ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الأَمْرِ ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُهُ فِي كَلامِ الْعَرَبِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ : عِشْ رَحبًا تَرَ عَجَبًا ، أَيْ لأَنَّ الْعَيْشَ لَيْسَ إِلَى الإِنْسَانِ ، فَيُؤْمَرُ بِأَنْ يَعِيشَ وَمِثْلُهُ مَا رُوِيَ مِنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : وَجَدْتُ النَّاسَ اخْبُرْ تَقْلِهْ ، مَعْنَاهُ : أنْ خَبُرْتَهُمْ قَلَيْتَهُمْ ، يَدُلُّ عَلَى قَوْلِهِ : وَجَدْتُ النَّاسَ كَأَنَّهُ ، قَالَ : وَجَدْتُ النَّاسَ صِفَتُهُمْ أنْ خَبُرْتَهُمْ قَلَيْتَهُمْ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " أَحِبُّوا اللَّهَ " ، مَعْنَاهُ إِنَّمَا تُحِبُّونَ اللَّهَ لأَنَّهُ أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ ، فَأَحَبَّكُمْ ، فَأَحْبَبْتُمُوهُ لِحُبِّهِ لَكُمْ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ سورة المائدة آية 54 أَخْبَرَ عَنْ حُبِّهِ لَهُمْ قَبْلَ حُبِّهِمْ لَهُ . وَقَوْلُهُ : " أَحِبُّونِي لِحُبِّ اللَّهِ " أَيْ إِنَّمَا تُحِبُّونَنِي ، لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَبَّنِي ، فَوَضَعَ فِيكُمْ مَحَبَّتِي .
كَمَا جَاءَ فِي الْحديث " إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا أَمَرَ جِبْرَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ، فَنَادَى فِي السَّمَاءِ أَلا إِنَّ اللَّهَ أَحَبَّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ، ثُمَّ يُوضَعُ حُبُّهُ فِي الأَرْضِ " وَفِي بَعْضِ الْحديث " وَيَقَعُ عَلَى الْمَاءِ فَيَشْرَبُهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ ، فَيُحِبُّهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ ، وَإِذَا بَغَضَ عَبْدًا فَمِثْلُ ذَلِكَ " ، حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَادَرَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ الزَّجَّاجُ<IDF> وَاسْمُهُ </IDF>عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُسَيْنٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا " ، وَذَكَرَهُ فَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا وَضَعَ مَحَبَّتَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، حَتَّى فِي الْجَمَادِ ، وَإِنَّمَا حَمَلَنَا مَعْنَى الْخَبَرِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ لأَنَّ الْمَحَبَّةَ إِذَا كَانَتْ بِشَرْطِ النِّعْمَةِ كَانَتْ مَعْلُولَةً نَاقِصَةً ، وَكَانَ رُجُوعُهَا إِلَى حَظِّ الْمُحِبِّ ، لا إِلَى الْمَحْبُوبِ فِي النِّعَمِ كُلِّهَا ، أَوْ أَكْثَرِهَا ، مَلاذِ النُّفُوسِ ، وَمَرَافِقِ الأَبْدَانِ ، أَوْ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهَا ، وَمَنْ أَنِسَ لِلَّذَّةِ وَالرِّفْقِ تَغَيَّرَ لِلأَلَمِ وَالْمَكْرُوهِ ، وَفَوَاتِ حُظُوظِ النَّفْسِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ سورة الحج آية 11 وَقَدْ قَالُوا فِي مَحَبَّةِ زُلَيْخَا لِيُوسُفَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى سَيِّدَنَا وَعَلَيْهِ : إِنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَحَبَّةً حَقِيقِيَّةً ، وَإِنَّمَا كَانَتْ مَعَهَا شَهْوَةٌ ، وَمُطَالَبَةُ حَظِّ النَّفْسِ ، أَلا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ سورة يوسف آية 23 ، فَلَمَّا لَمْ يُطَاوِعْهَا وَفَاتَهَا حَظُّهَا فِيهِ ، آثَرْتَ الْمُرَّ عَلَى أَلَمِهَا فَقَالَتْ : وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ سورة يوسف آية 32 . وَأَمَّا النِّسْوَةُ فَغَبِنَّ عَنْ حُظُوظِ الْغَيْرَةِ ، وَآلامِهِنَّ ، حَتَّى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ، وَلَمْ يَحْسُسْنَ بِالأَلَمِ ، وَزُلَيْخَا لَمَّا تَمَكَّنَ الْحُبُّ مِنْهَا قَالَتْ : الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ سورة يوسف آية 51 ، أَقَرَّتْ عَلَى نَفْسِهَا وَشَهِدَتْ لَهُ بِالْبَرَاءَةِ ، هَذَا يُظْهِرُ دَلِيلا أَنَّ مَحَبَّةَ النِّعْمَةِ مَحَبَّةُ لَذَّةٍ وَمُطَالَبَةُ حُظُوظِ النَّفْسِ ، فَإِنْ حَمَلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ كَانَ أَمْرًا مَعْلُولا ، وَالْمَحَبَّةُ نِهَايَةُ الأَحْوَالِ الْمَعْلُولاتِ ، الَّذِينَ جَازُوا كَثِيرًا مِنْهَا ، فَمِثْلُ هَؤُلاءِ لا يُخَاطَبُونَ بِالْمَعْلُولِ مِنَ الأَمْرِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَدْ قَالَتْ رَابِعَةُ ، أَوْ غَيْرُهَا : وَاللَّهِ لَوْ قَطَّعْتَنِي بِالْبِلادِ إِرْبًا إِرْبًا مَا ازْدَدْتُ لَكَ إِلا حُبًّا ، فَمِثْلُ هَذَا لا يَحْمِلُ عَلَى الْمَحَبَّةِ رُؤْيَةَ النِّعَمِ الَّتِي هِيَ حُظُوظِ النَّفْسِ ، وَنَحْمِلُ أَيْضًا مَعْنَى الْحَدِيثِ إِذَا حُمِلَ عَلَى مَا قُلْنَا تَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَى مَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . . . . أَوْصَافهمْ مُعْرِضِينَ كَمَا نَبَّهَهَمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ سورة الأنفال آية 17 .
ح حَاتِمُ بْنُ عُقَيْلٍ ، قَالَ . ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ . ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ، قَالَ . ح مِنْدَلٌ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَكَمِ النَّخَعِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : خَدَمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ ، فَمَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ : لِمَ صَنَعْتَهُ ؟ وَلا قَالَ لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ : أَلا صَنَعْتَهُ ؟ وَلا رَأَيْتُ رُكْبَتَهُ قُدَّامَ رُكْبَةِ جَلِيسِهِ قَطُّ ، وَلا عَابَ طَعَامًا قَطُّ ، وَلا صَافَحَهُ أَحَدٌ قَطُّ فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَكُونَ الْمُصَافِحُ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُ يَدَهُ ، وَلا أَصْغَى إِلَيْهِ أَحَدٌ بِرَأْسِهِ فَنَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ ، حَتَّى يَكُونَ الْمُصْغِي هُوَ الَّذِي يُنَحِّي رَأْسَهُ ، وَلَقَدْ شَمِمْتُ رِيحَ طِيبِ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ فَمَا شَمِمْتُ رِيحًا قَطُّ وَلا رَائِحَةً أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلا عَرَقِهِ " ، وَبَلَغَ مِنْ حُسْنِ مُعَامَلَتِهِ خَلْقَ اللَّهِ أَنْ أَسْلَمَ لَهُ الشَّيْطَانُ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْحَارِثِيُّ الْخَلْوَتِيُّ الْجَيْدَمُونِيُّ ، قَالَ . ح عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ حَاتِمٍ ، قَالَ . ح الْحَارِثُ بْنُ مُسْلِمٍ ، قَالَ . ح زِيَادُ بْنُ مَيْمُونٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : " عَلامَةُ حُبِّ اللَّهِ حُبُّ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَعَلامَةُ بُغْضِ اللَّهِ بُغْضُ ذِكْرِ اللَّهِ " ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَعْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ : عَلامَةُ حُبِّ اللَّهِ عَبْدَهُ ذِكْرُهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا ذَكَرَهُ ، وَإِذَا ذَكَرَ اللَّهُ عَبْدًا حَبَّبَ إِلَيْهِ ذِكْرَهُ ، فَيَذْكُرُ الْعَبْدُ رَبَّهُ لِذِكْرِ رَبِّهِ لَهُ ، كَمَا أَحَبَّ رَبَّهُ لِحُبِّ رَبِّهِ لَهُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ سورة المائدة آية 54 ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ سورة العنكبوت آية 45 ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ ذِكْرُ اللَّهِ عَبْدَهُ أَكْبَرُ مِنْ ذِكْرِ الْعَبْدِ اللَّهَ ، لأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ يَسَّرَ مِنَ الْعَبْدِ ذِكْرَهُ لِلَّهِ ، إِذْ عِلَّةُ كُلِّ شَيْءٍ صُنْعُهُ لا عِلَّةُ مَا يَصْنَعُهُ ، وَاللَّهُ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا أَحَبَّ مِنْهُ ذِكْرَهُ لَهُ .
كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ " قَالَ جَبْرَائِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلامُهُ : يَا رَبِّ ، عَبْدُكَ فُلانٌ اقْضِ لَهُ حَاجَتَهُ ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : دَعُوا عَبْدِي فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ صَوْتَهُ " ، حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ . ح عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ السِّمْنَانِيُّ ، قَالَ . ح إِسْمَاعِيلُ بْنُ تَوْبَةَ ، قَالَ : ح عَفِيفُ بْنُ سَالِمٍ الْمَوْصِلِيُّ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ ، عَنْ ضِرَارِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، فَيَكُونُ عَلامَةُ الْمُحِبِّ لِلَّهِ كَثْرَةَ ذِكْرِهِ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ ، لأَنَّهُ قِيلَ : مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ ذِكْرَهُ ، لأَنَّ مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ وَعِنْدَهُ ، وَكَوْنُهُ مَعَهُ وَعِنْدَهُ ذِكْرُهُ إِيَّاهُ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحديث " أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي " ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ " .
حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مَرْوَانَ ، قَالَ . ح أَبُو سُلَيْمَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْبَلْخِيُّ ، قَالَ 0 ح الْقَعْنَبِيُّ ، قَالَ 0 ح مَالِكٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا أَعْدَدْتَ لَهَا " ، قَالَ : حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ " ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إِنْ كُنْتَ كَذَلِكَ ، فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ شُهُودًا لَهُ بِالْقَلْبِ ، وَذِكْرًا لَهُ بِاللِّسَانِ ، وَخِدْمَةً لَهُ بِالْجَوَارِحِ ، فَيَكُونُ عَلامَةُ مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ أَنْ يُحِبَّ ذِكْرَ اللَّهِ ، وَذِكْرُ اللَّهِ مِنَ الْعَبْدِ بِلِسَانِهِ عَلامَةُ شُهُودِهِ لَهُ بِقَلْبِهِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ " ، وَمَنْ شَهِدَهُ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مَعَهُ ، وَمَنْ ذَكَرَهُ فَكَأَنَّهُ جَلِيسُهُ ، وَهَكَذَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ " .
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الرَّشَادِيُّ ، قَالَ . ح عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ . ح أَبُو عُبَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَهُ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ ، وَالْمَوْتُ دُونَ لِقَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " أَيْ إِنَّمَا يُحِبُّ الْعَبْدُ لِقَاءَ اللَّهِ إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَ عَبْدِهِ ، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ صِفَةٌ لَهُ ، وَاللَّهُ تَعَالَى بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ قَدِيمٌ عِنْدَ عَامَّةِ الصُّوفِيَّةِ ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ الْمُثْبِتَةِ ، فَالْمَحَبَّةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى صِفَةٌ لَهُ فِي ذَاتِهِ ، وَبِهِ قَالَ الأَشْعَرِيُّ وَأَصْحَابُهُ ، وَكَذَلِكَ الْبُغْضُ وَالسَّخَطُ وَالْغَضَبُ وَالْمُوَالاةُ وَالرِّيَاضُ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مَحَبَّةُ اللَّهِ عَبْدَهُ تَبَعًا لِمَحَبَّةِ الْعَبْدِ لِلَّهِ ، أَوْ مُوجِبَةً لَهَا . وَقَوْلُهُ : " وَالْمَوْتُ دُونَ لِقَاءِ اللَّهِ " يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُبُّهُ مَعْنًى دَقِيقًا أَيْ أَنَّ دُونَ لِقَاءِ اللَّهِ مِنَ الْعَبْدِ شُهُودًا لَهُ بِالْقَلْبِ إِلا بَعْدَ مَوْتِ النَّفْسِ وَالْغَيْبَةِ عَمَّا دُونَ اللَّهِ كَمَا قَالَ حَارِثَةُ : " عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا ، فَأَظْمَأْتُ نَهَارِي ، وَأَسْهَرْتُ لَيْلِي ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا " ، أَيْ إِنَّمَا كَانَ نَظَرِي إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا بَعْدَ تَرْكِي حُظُوظَ النَّفْسِ ، وَإِمَاتَةِ الشَّهَوَاتِ كُلِّهَا حَدِيثٌ آخَرُ .
حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ الْهَيْثَمِ ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ بَحِيرِ بْنِ حَاتِمٍ أَبُو جَعْفَرٍ ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْحَضْرَمِيُّ أَبُو عَمْرٍو الْبَصْرِيُّ ، قَالَ : ح سَلامٌ أَبُو الْمُنْذِرِ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّمَا حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا ثَلاثٌ : الطِّيبُ ، وَالنِّسَاءُ ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ " ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنَ الدُّنْيَا ، فِي الدُّنْيَا فَيَكُونُ مِنْ بِمَعْنَى فِي فَكَأَنَّهُ ، قَالَ : " حُبِّبَ إِلَيَّ فِي الدُّنْيَا " أَيْ : مُدَّةُ كُونِي فِيهَا هَذِهِ الأَشْيَاءُ الثَّلاثَةُ ، فَتَكُونُ هَذِهِ الأَشْيَاءُ فِي الدُّنْيَا لا مِنَ الدُّنْيَا ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهَا ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّمَا حُبِّبَ إِلَيَّ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا " مَا ذَكَرَ إِخْبَارًا مِنْهُ عَنْ بُلُوغِهِ نِهَايَةَ الْكَلامِ ، الْكَمَالُ فِي الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَدَوَرَانَ أَحْوَالِهَا عَلَى شَيْئَيْنِ : تَعْظِيمِ قَدْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَحُسْنِ مُعَامَلَةِ خَلْقِ اللَّهِ ، وَمَا ذَكَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حُبِّبَ إِلَيْهِ بِجَمِيعِ هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّلاةَ أَجْمَعُ خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ الدِّينِ لِتَعْظِيمِ قَدْرِ اللَّهِ ، وَأَدَلُّ شَيْءٍ عَلَى إِجْلالِهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَذَلِكَ أَنَّ أَوَّلَهَا الطَّهَارَةُ سِرًّا وَجَهْرًا ، ثُمَّ جَمْعُ الْهِمَّةِ ، وَإِخْلاءُ السِّرِّ وَهُوَ النِّيَّةُ ، ثُمَّ الانْصِرَافُ عَمَّا دُونَ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ وَهُوَ التَّوَجُّهُ ، ثُمَّ الإِشَارَةُ بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ إِلَى نَبْذِ مَا رُبِطَ بِهِ ، ثُمَّ أَوَّلُ أَذْكَارِهِ التَّكْبِيرُ ، وَهُوَ النِّهَايَةُ فِي تَعْظِيمِ قَدْرِ اللَّهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، ثُمَّ أَوَّلُ ثَنَاءٍ فِيهِ ثَنَاءٌ لا يَشُوبُهُ ذِكْرُ شَيْءٍ سِوَاهُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ إِلَى قَوْلِهِ : وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ ، ثُمَّ قِرَاءَةُ كَلامِهِ لا يَجُوزُ غَيْرُهُ مُنْتَصِبًا قَدْ زَمَّ جَوَارِحَهُ هَيْبَةً وَخُشُوعًا وَإِجْلالا وَتَعْظِيمًا ، ثُمَّ تَحْقِيقُ مَا عَبَّرَ بِلِسَانِهِ عَنْ ضَمِيرِهِ مِنَ التَّعْظِيمِ لِلَّهِ فِعْلا وَحَرَكَةً ، وَهُوَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ ، وَأَذْكَارُهُمَا تَنْزِيهُ اللَّهِ وَإِجْلالُهُ وَتَعْظِيمُهُ بِقَوْلِهِ : سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ، وَسُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى ، ثُمَّ مَعَ كُلِّ حَرَكَةٍ تَكْبِيرٌ ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ بِإِجْمَاعِهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ أَجْمَلَ مِنْهَا فِي الصَّلاةِ ، فَكَانَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ " عِبَارَةً عَنْ تَعْظِيمِهِ قَدْرَ اللَّهِ تَعَالَى . وَأَمَّا حُسْنُ مُعَامَلَةِ خَلْقِ اللَّهِ ، فَالنِّهَايَةُ فِيهِ أَنْ يُوَفِّرَ عَلَيْهِمْ حُقُوقَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ وَيَرْفَعَهُمْ وَيَبْذُلَ لَهُمْ حُظُوظَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ ، وَلا يَسْتَوْفِيَ مِنْهُمْ حَقَّ نَفْسِهِ ، وَلا يُطَالِبَهُمْ بِحُظُوظِهَا ، فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنْ كَمَالِهِ فِي هَذِهِ الْخَصْلَةِ بِقَوْلِهِ : " الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ " ، وَذَلِكَ أَنَّ الطِّيبَ مِنْ حَظِّ الرَّوْحَانِيِّينَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَهُمُ الْمَلائِكَةُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا غَيْرِ الطِّيبِ حَظٌّ ، فَأَحَبَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الطِّيبَ إِيفَاءً لِحُقُوقِهِمْ ، وَحُسْنَ مُعَامَلَةٍ لَهُمْ مَعَ غِنَاهُ عَنْهُ ، لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانَ أَطْيَبَ رِيحًا مِنْ كُلِّ طِيبٍ فِي الدُّنْيَا .
حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّهْقَانُ ، قَالَ . ح أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَكْرِيُّ قَالَ : ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ قَالَ . ح مُوسَى بْنُ جَعْفَرِ ، قَالَ . ح عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُلَيْكِيُّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " مَنْ أُذِنَ لَهُ بِالدُّعَاءِ مِنْكُمْ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ ، وَمَا يُسْأَلُ اللَّهُ شَيْئًا قَطُّ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ " ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ قَدْرِ الدُّعَاءِ ، وَالتَّنْبِيهِ لِعَظِيمِ الْمِنَّةِ ، وَشَرَفِ الْمَنْزِلَةِ أَعْطَى الْعَبْدَ مَا سُئِلَ أَوْ مَنَعَ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أُذِنَ لَهُ بِالدُّعَاءِ فَقَدْ جَذَبَهُ الْحَقُّ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ ، وَصَرَفَهُ عَنْ غَيْرِهِ ، وَأَلْجَأَهُ إِلَى كَنَفِهِ ، وَضَمَّهُ إِلَيْهِ ، وَاخْتَصَّهُ بِهِ ، وَشَغَلَهُ بِهِ عَمَّنْ سِوَاهُ ، لأَنَّهُ صَرَفَ قَلْبَهُ بِالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ ، وَشَغَلَ لِسَانَهُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ، وَذَمَّ جَوَارِحَهُ بِالْمُثُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَمَا تَدْرِي مَا صَنَعَ عِنْدَمَا أَعْطَى فُلانًا ، أُعْطِيَ الْمُلْكَ كُلَّهُ لِمَكَانٍ مَا ، أُعْطِيَ فِي الدُّعَاءِ أَكْثَرَ ، عَلَى أَنَّ الدَّاعِيَ لا شَكَّ يُجَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ سورة غافر آية 60 ، هَذِهِ سِينُ التَّوْكِيدِ ، وَهُوَ يَقُومُ مَقَامَ الْقَسَمِ عِنْدَ أَصْحَابِ الْمَعَانِي ، قَوْلُهُ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ سورة النمل آية 62 فِيهِ إِضْمَارٌ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُجِيبُهُ لا غَيْرُهُ ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا سورة الأعراف آية 180 ، فَإِذَا دُعِيَ بِأَسْمَائِهِ وَأُثْنِيَ عَلَيْهِ بِصِفَاتِهِ ، لا بُدَّ أَنْ يُجِيبَهُ ، لأَنَّ فِي تَرْكِ الإِجَابَةِ رُجُوعَ الْعِلَّةِ إِلَيْهِ جَلَّ وَعَلا ، لا إِلَى الْعَبْدِ ، وَيَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا ، وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ أُعْطِيَ الدُّعَاءَ لَمْ يُحْرَمِ الإِجَابَةَ " ، وَكَيْفَ لا يُجِيبُهُ ؟ ! وَهُوَ يُحِبُّ صَوْتَهُ ، وَلَوْلا ذَلِكَ مَا فَتَحَ عَلَيْهِ الدُّعَاءَ لَهُ . وَالإِجَابَةُ نَوْعَانِ : قَدْ يَكُونُ بِالْمُرَادِ ، وَقَدْ لا يَكُونُ ، وَالاسْتِجَابَةُ لَيْسَ إِلا إِجَابَةٌ عَنِ الْمُرَادِ .
حَدَّثَنَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ . ح إِسْمَاعِيلُ بْنُ تَوْبَةَ ، قَالَ . ح عَفِيفُ بْنُ سَالِمٍ الْمَوْصِلِيُّ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ ، عَنْ ضِرَارِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدًا صَبَّ عَلَيْهِ الْبَلاءَ صَبًّا ، وَسَحَبَهُ عَلَيْهِ سَحْبًا ، فَإِذَا دَعَا ، قَالَتِ الْمَلائِكَةُ : صَوْتٌ مَعْرُوفٌ ، وَقَالَ جَبْرَائِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : يَا رَبِّ عَبْدُكَ فُلانٌ ، اقْضِ لَهُ حَاجَتَهُ ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : دَعُوا عَبْدِي ، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ صَوْتَهُ ، فَإِذَا قَالَ : يَا رَبِّ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لَبَّيْكَ عَبْدِي ، وَسَعْدَيْكَ ، لا تَدْعُونِي بشَيْءٍ إِلا اسْتَجَبْتُ لَكَ ، وَلا تَسْأَلُنِي شَيْئًا إِلا أَعْطَيْتُكَ ، إِمَّا أَنْ أُعَجِّلَ لَكَ مَا سَأَلْتَ ، وَإِمَّا أَنْ أَدَّخِرَ لَكَ عِنْدِي أَفْضَلَ مِنْهُ ، وَإِمَّا أَنْ أَدْفَعَ عَنْكَ مِنَ الْبَلاءِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ " ، قَالَ فِي الْحديث " ، لا تَدْعُونِي لِشَيْءٍ إِلا اسْتَجَبْتُ لَكَ " ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ : الإِجَابَةُ نَوْعَانِ ، قَدْ يَكُونُ بِالْمُرَادِ ، وَقَدْ لا يَكُونُ ، وَالاسْتِجَابَةُ لَيْسَ إِلا إِجَابَةٌ عَنِ الْمُرَادِ ، فَقَدْ صَحَّ قَوْلُ أَصْحَابِ الْمَعَانِي : أَنَّ هَذِهِ السِّينَ تَقُومُ مَقَامَ الْقَسَمِ ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، فَمَا ظَنُّكَ إِذَا أَكَّدَ بِالْقَسَمِ ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : " أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنْ قُلْ لِظَلَمَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ : لا تَدْعُونِي ، فَإِنِّي آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لا يَدْعُونِي أَحَدٌ إِلا أَجَبْتُهُ ، وَإِنَّهُمْ إِنْ دَعَوْنِي أَجَبْتُهُمْ بِاللَّعْنَةِ " هَذَا مَعْنَى الرَّاوِيَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِلَفْظِهِ ، فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُجِيبُ مَنْ دَعَاهُ ، وَكَفَى بِهِ شَرَفًا أَنْ تَدْعُوَهُ فَيُجِيبَكَ ، فَأَمَّا السُّؤَالُ فَقَدْ شَرَطَ الاخْتِيَارَ لَكَ ، كَمَا قَالَ : " إِمَّا أَنْ أُعَجِّلَ لَكَ ، أَوْ أَدَّخِرَ ، أَوْ أَدْفَعَ عَنْكَ " ، فَحَسْبُكَ شَرَفًا أَنْ يَخْتَارَ لَكَ مَوْلاكَ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلأَنْ تُمْنَعَ مَا سَأَلْتَ أَعْظَمُ وَأَشْرَفُ ، لأَنَّهُ قَالَ : " أَوْ أَدَّخِرَ لَكَ عِنْدِي " هَاهْ لَوْ عَلِمْتَ قَوْلَهُ : " عِنْدِي " لَهَانَ عَلَيْكَ أَنْ يُسْلَخَ جِلْدُكَ وَأَنْتَ حَيٌّ ، فَكَيْفَ بِمَا صَرَفَ عَنْكَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : " مَا يُسْأَلُ اللَّهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا " ، أَمَّا الْعَفْوُ : فَأَنْ يَخْتَصَّكَ لِنَفْسِهِ ، وَيُسِركَ عَنْ غَيْرِهِ ، فَيَعْفِي عَلَى أَثَرِكَ ، فَلا يُفْطَنُ بِكَ ، وَلا يُعْرَفُ مَذْهَبُكَ ، فَيَفُوتُ عَدُوُّكَ إِنْ أَرَادَكَ وَسَائِرُ الْخَلْقِ أَنْ يَفْتِنُوكَ ، وَنَفْسُكَ أَنْ يُطَالِبَكَ بِحُظُوظِهَا . وَالْعَافِيَةُ أَنْ يَعْصِمَكَ عَمَّا سِوَاهُ ، فَلا يَكُونُ لَكَ إِلَى غَيْرِهِ رُجُوعٌ ، وَلا إِلَى سِوَاهُ نَظَرٌ ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : الدُّعَاءُ مِثْلُ قَوْلِهِ : يَا اللَّهُ ، يَا رَحْمَنُ ، فَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا دَعَاهُ ، وَوَصَفَهُ كَمَا هُوَ لَمْ يُحْرَمِ الإِجَابَةَ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ سورة غافر آية 60 ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ إِذَا دَعَوْا فَلَمْ يَصِفُوهُ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ ، فَلا شَكَّ أَنَّ الإِجَابَةَ تَكُونُ اللَّعْنَةَ ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ لَبَّيْكَ . وَقَوْلُهُ : " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي " ، لا يَكُونُ دُعَاءً ، وَإِنَّمَا هُوَ سُؤَالٌ ، وَالسُّؤَالُ غَيْرُ الدُّعَاءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ . ح ابْنُ أَبِي الْعَوَّامِ ، قَالَ . ح يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ . ح عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُلَيْكَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ ، فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ " ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَعْنَى قَوْلِهِ : " يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ " ، هُوَ مَا قُلْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ قَدْ جَعَلَ لَكَ شَرَفَ الإِذْنِ فِي الدُّعَاءِ ، وَفَتْحِ أَبْوَابِ الرَّحْمَةِ ، وَأَنْ يَكُونَ دَاعِيًا لَهُ مُفْتَقِرًا إِلَيْهِ ، مُنِيبًا إِلَيْهِ ، ذَاكِرًا لَهُ ، وَهَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا تَسْأَلُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ يُسَهِّلُ عَلَى الدَّاعِي تَحَمُّلَ مَا نَزَلَ مِنَ الْبَلاءِ وَالْمُصِيبَةِ ، وَيُضَاعِفُ لَهُ ثَوَابَ مَا نَزَلَ ، لأَنَّهُ يَحُوزُ ثَوَابَ الْمُصِيبَةِ وَالْبَلاءِ ، وَثَوَابَ الافْتِقَارِ وَالاضْطِرَابِ إِلَيْهِ ، وَشَرَفَ الدُّعَاءِ لَهُ ، وَيَكُونُ الدُّعَاءُ بَعْدَ نُزُولِ الْبَلاءِ سَبَبَ الصَّبْرِ وَالرِّضَا ، وَسَبَبَ الْعِصْمَةِ عَنِ الْجَزَعِ الَّذِي لَمْ يُحْرَمِ الثَّوَابَ ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ بِأَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ ، أَوْ يُخَفِّفَ عَلَيْهِ ، أَوْ يُنْزِلَ مَعَهُ تَوْفِيقَ الصَّبْرِ ، وَالرِّضَا وَالشُّكْرِ ، وَيُعْطِيَهُ الْعِوَضَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ ، قَالَ . ح أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو حَمْزَةَ ، عَنِ ابْنِ عَجْلانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " الْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ، وَالْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ " ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ كَثْرَةِ الأَكْلِ وَقِلَّتِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكَافِرَ يَأْكُلُ لِلشَّهْوَةِ ، وَالْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ لِلضَّرُورَةِ ، أَلا تَرَى إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينَ ، أَنَّهُ قَالَ : وَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ رِزْقِي فِي حَصَاةٍ أَلُوكُهَا ، حَتَّى أَمُوتَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : " حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ " ، وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " مَا مِنْ وِعَاءٍ إِذَا مُلِئَ شَرٌّ مِنَ الْبَطْنِ ، فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ ، وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ " . وَهَذَا نِهَايَةُ مَا صَحَّ مِنَ الأَكْلِ ، وَهُوَ ثُلُثُ الْبَطْنِ ، لأَنَّهُ قَالَ : " فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ " ، فَإِنَّهُ بِقَوْلِهِ : لا تَمْلأُنَّ بُطُونَكُمْ ، فَإِنْ كُنْتُمْ لا بُدَّ مَالِئِيهِ فَامْلَئُوا ثُلُثَهُ بِالطَّعَامِ ، وَلا تَزِيدُوا عَلَيْهِ ، جَعَلَ النِّهَايَةَ ثُلُثَ الْبَطْنِ ، فَيَجِبُ أَنْ لا يُزَادَ عَلَيْهِ ، وَإِذَا كَانَ النِّهَايَةُ ثُلُثَ الْبَطْنِ جَازَ أَنْ يَكُونَ الاخْتِيَارُ نِصْفَ ذَلِكَ ، وَهُوَ السُّدُسُ ، ثُمَّ يُنْقِصُ الْمُؤْمِنُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ شَيْئًا ، فَيَصِيرُ سُبُعَ الْبَطْنِ ، فَكَأَنَّهُ يَأْكُلُ سُبُعَ مَا يَأْكُلُ الْمُمْتَلِئُ جَوْفُهُ الَّذِي يَصِيرُ بَطْنُهُ شَرَّ وِعَاءٍ مُلِئَ ، وَالْكَافِرُ يَمْلأُهُ ، فَيَكُونُ بَطْنُهُ شَرَّ وِعَاءٍ ، كَمَا أَنَّهُ شَرُّ الْخَلْقِ ، وَأَحْرَى أَنَّ شَهَوَاتِ الطَّعَامِ تَنْقَسِمُ عَلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ مِنْهَا : شَهْوَةُ الطَّبْعِ ، وَشَهْوَةُ النَّفْسِ ، وَشَهْوَةُ الْعَيْنِ ، وَشَهْوَةُ الْفَمِ ، وَشَهْوَةُ الأُذُنِ ، وَشَهْوَةُ الأَنْفِ ، وَالضَّرُورَةُ سَابِعُهَا . فَالطَّعَامُ يُؤْكَلُ لِلضَّرُورَةِ ، وَهُوَ الْجُوعُ الَّذِي لا بُدَّ مِنْ تَسْكِينِهِ ، وَيَرَى الإِنْسَانُ الطَّعَامَ فَيَشْتَهِيهِ فَيَأْكُلُ ، وَلَيْسَ لَهُ إِلَيْهِ حَاجَةٌ ، وَيَشُمُّ رَائِحَةَ الطَّعَامِ فَيَشْتَهِيهِ فَيَأْكُلُ ، وَيَسْتَلِذُّ الطَّعَامَ فَيَأْكُلُ ، وَيَسْمَعُ بِذَلِكَ الطَّعَامِ فَيَشْتَهِيهِ فَيَأْكُلُ ، وَكُلُّ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَوْفَى مِنَ الطَّعَامِ ، وَيَشْتَهِي الْحَامِضَ ، وَالْحُلْوَ ، وَالْمُرَّ ، وَالْمِزَّ ، فَيَأْكُلُ بِشَهْوَةِ طَبْعِهِ ، فَأَمَّا شَهْوَةُ النَّفْسِ فَإِنَّهَا لا تَقِفُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْءَ رُبَّمَا يَعَافُ الطَّعَامَ لامْتِلائِهِ ، وَيَشْتَهِي مَا يَشْتَهِيهِ ، وَيُهَيِّئُ الطَّعَامَ لِوَقْتٍ مُسْتَقْبَلٍ ، فَالَّذِي يَأْكُلُ لِلشَّهْوَةِ رُبَّمَا جَمَعَ هَذِهِ الشَّهَوَاتِ كُلَّهَا ، وَالْمُؤْمِنُ لا يَأْكُلُ لِلشَّهْوَةِ ، وَلَكِنْ يَأْكُلُ لِلضَّرُورَةِ ، فَهُوَ سُبُعُ مَا يَأْكُلُ الْكَافِرُ .
حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ سَهْلُ بْنُ السَّرِيِّ بْنِ الْخَضِرِ الْحَافِظُ ، قَالَ . ح سَهْلُ بْنُ شَاذَوَيْهِ ، قَالَ . ح عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ . ح أَبِي ، قَالَ 0 ح مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ مَرْوَانَ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ رَاشِدٍ ، شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ مَرْوَ ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ، أَنَّهُ قَالَ : " مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلا وَفِيهِ حَسَدٌ ، وَسُوءُ ظَنٍّ ، وَطِيَرَةٌ ، وَذَهَابُ حَسَدِهِ أَلا يَبْغِيَ أَخَاهُ غَائِلَةً ، وَذَهَابُ سُوءِ ظَنِّهِ أَنْ لا يَحْقِرَهُ بِقَوْلٍ يَقُولُهُ ، وَذَهَابُ طِيَرَتِهِ أَنْ يَمْضِيَ لِحَاجَتِهِ وَلا تَرُدَّهُ الطِّيَرَةُ " ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : الْمُؤْمِنُونَ مُتَفَاوِتُونَ فِي أَحْوَالِهِمْ ، وَمَقَامَاتِهِمْ ، وَدَرَجَاتِهِمْ ، فَمِنْهُمُ الضَّعِيفُ فِي إِيمَانِهِ ، وَمِنْهُمُ الْقَوِيُّ ، وَمِنْهُمُ الْعَالِي ، وَمِنْهُمُ الدَّانِي ، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلا وَفِيهِ كَذَا وَكَذَا عَمَّ الْجَمِيعَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلا أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ الَّتِي فِيهَا هَذَا الْخَبَرُ تَحْمِلُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ وَبِحَالِهِ ، فَالَّذِي وَصَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَالَةُ الْمُتَوَسِّطِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، بِقَوْلِهِ : ذَهَابُ حَسَدِهِ أَلا يَبْغِيَ أَخَاهُ غَائِلَةً ، فَحَسَدُ الَّذِي يَبْغِي صَاحِبُهُ أَخَاهُ غَائِلَةً هَذَا هُوَ الْحَسَدُ الْمَذْمُومُ الَّذِي يَعْرِفُهُ الْمُؤْمِنُ مِنْ نَفْسِهِ ، فَيُجَاهِدُهَا بِأَنْ لا يَبْغِيَ أَخَاهُ غَائِلَةً ، لأَنَّ صِفَةَ الْحَسَدِ أَنْ يَغْتَالَ الْحَاسِدُ مَحْسُودَهُ ، فَكَأَنَّ نَفْسَهُ تُطَالِبُهُ بِأَنْ يَبْغِيَ أَخَاهُ غَائِلَةً ، فَهُوَ مُجَاهِدُهَا ، وَكَذَلِكَ إِذْ سَاءَ ظَنُّهُ بِأَخِيهِ ، فَإِنَّ نَفْسَهُ تُطَالِبُهُ بِأَنْ يَبْغِيَ أَخَاهُ غَائِلَةً ، فَهُوَ مُجَاهِدُهَا ، وَالطِّيَرَةُ تَمْنَعُ صَاحِبَهَا عَنِ الْمُضِيِّ فِي حَاجَاتِهِ ، فَهُوَ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ ، وَلا تُثْنِيهِ الطِّيَرَةُ عَنْ وَجْهِهِ بَلْ يَمْضِي فِيهِ . هَذِهِ صِفَةُ أَوْسَاطِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَأَمَّا مَنْ عَلَتْ رُتْبَتُهُ ، وَارْتَفَعَتْ مَنْزِلَتُهُ ، وَجَلَّتْ صِفَتُهُ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ غَيْرَ أَنَّهَا لا تَكُونُ مَذْمُومَةً ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تَكُونُ فِي أَسْبَابِ الدِّينِ لِلَّهِ تَعَالَى ، لا فِي أَسْبَابِ الدُّنْيَا ، وَلا لِنَفْسِهِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَسَدُهُ فِي فَضِيلَةٍ يَرَاهَا فِي أَخِيهِ وَخَلَّةٍ مِنْ خِلالِ الْخَيْرِ يَجِدُهَا فِيهِ فَيَتَمَنَّاهَا لِنَفْسِهِ كَمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا .
ح نَصْرُ بْنُ فَتْحٍ ، قَالَ . ح أَبُو عِيسَى ، قَالَ . ح ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ . ح سُفْيَانُ ، قَالَ . ح الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مَالا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ " ، فَيُسَمَّى هَذَا حَسَدًا ، فَهَذَا حَسَدُ مَنْ عَلَتْ رُتْبَتُهُ فِي الدِّينِ عَنْ دَرَجَةِ أُولَئِكَ ، وَسُوءُ ظَنِّهِ يَكُونُ بِنَفْسِهِ لا بِغَيْرِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَهُوَ لِسُوءِ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ يَخَافُ عَلَيْهَا مَعَ حُسْنِ عَمَلِهِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ سورة المؤمنون آية 60 ، أَيْ يَفْعَلُونَ مِنَ الْخَيْرِ وَالطَّاعَةِ وَالْبِرِّ ، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهَا لا تُقْبَلُ مِنْهُمْ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ لِسُوءِ ظُنُونِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ قَصَّرُوا فِي الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ ، كَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِيمَا .
ح خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ , قَالَ . ح أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ ، قَالا 0 ح ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ . ح سُفْيَانُ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ وَهْبِ الْهَمَذَانِيِّ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنْ هَذِهِ الآيَةِ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ سورة المؤمنون آية 60 هُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخُمُورَ وَيَسْرِقُونَ ؟ قَالَ : " لا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ ، وَيَصُومُونَ ، وَيَتَصَدَّقُونَ ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لا تُقْبَلَ مِنْهُمْ ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ " وَأَمَّا الطِّيَرَةُ : فَإِنَّهَا تَكُونُ لَهُمْ فِي أَسْبَابِ الدُّنْيَا إِذَا فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ تَطَيَّرُوا أَنَّهَا لَهُمْ فِتْنَةٌ ، وَسَبَبُ الاشْتِغَالِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَيَرَوْنَ أَنَّهَا سَبَبُ الْمَقْتِ ، وَكَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً سورة الأنعام آية 44 ، وَفِي بَعْضِ الأَخْبَارِ : إِذَا رَأَيْتَ الْغِنَاءَ مُقْبِلا فَقُلْ : ذَنْبٌ عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ ، فَهَذِهِ طِيَرَةُ هَؤُلاءِ ، وَسُوءُ ظَنِّهِمْ ، وَحَسَدُهُمْ فِي الدِّينِ ، فَإِنَّ الَّذِينَ اصْطَفَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ ، وَانْتَخَبَهُمْ لِوِلايَتِهِ ، وَجَعَلَهُمْ فِي قَبْضَتِهِ ، كُلُّ خِصَالِهِمْ مَحْمُودَةٌ ، وَجَمِيعُ حَرَكَاتِهِمْ عَلَى مَا يَجِبُ ، وَعَامَّةُ صِفَاتِهِمْ صِفَاتُ الْمَدْحِ ، وَإِنْ كَانَتْ غَلَبَةُ أَحْوَالِ الآدَمِيِّينَ لا تَكُونُ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ .
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَارِثِ الْبَاغَنْدِيُّ ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ . ح سُلَيْمَانُ بْنُ رَجَاءٍ ، عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ أَبْدَالَ أُمَّتِي لَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِالأَعْمَالِ ، وَلَكِنْ دَخَلُوا الْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَسَخَاوَةِ الأَنْفُسِ ، وَسَلامَةِ الصُّدُورِ ، وَرَحْمَةً لِلْمُسْلِمِينَ " ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : إِنَّمَا سُمُّوا أَبْدَالا ، لأَنَّهُمْ بَدَلٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالصِّدِّيقِينَ ، وَالشُّهَدَاءِ الَّذِينَ هُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ وَالأَنْصَارِ فِي أَنْ يَصْرِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْعَذَابَ عَنْ أَهْلِ الأَرْضِ بِعِصْيَانِهِمْ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَمَانًا فِي أُمَّتِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ سورة الأنفال آية 33 ، ثُمَّ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَهْلُ بَيْتِي أَمَانٌ لأُمَّتِي " ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ : " أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي ، إِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى كَذَلِكَ أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ " ، فَلَمَّا قَبَضَ اللَّهُ هَؤُلاءِ إِلَى رَحْمَتِهِ جَعَلَ مِنْهُمْ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَحِينٍ بَدَلا مِنْهُمْ عَلَى حَسَبِ مَا يَنْبَغِي بِأَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ ، فَيَدْفَعُ بِهِمْ عَنْهُمُ الْعَذَابَ . قَوْلُهُ : " لَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِالأَعْمَالِ " يَعْنِي بِالْحَرَكَاتِ الظَّاهِرَةِ ، فَإِنَّهُمْ عَسَى أَتَوْا بِأَكْثَرَ صَلاةً ، وَصِيَامًا ، وَجِهَادًا ، وَنَفَقَةً مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ صَالِحِي الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَكِنْ دَخَلُوهَا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي تَفَرَّدُوا بِهَا عَنْ غَيْرِهِمْ ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي عَصْرِهِمْ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ عَمَلا مِنْهُمْ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " إِنَّهُ لَمْ يَفْضُلْكُمْ بِكَثْرَةِ صَلاةٍ ، وَلا صِيَامٍ ، وَلَكِنْ بشَيْءٍ وَقَرَ فِي صَدْرِهِ " . وَقَوْلُهُ : " سَخَاوَةُ الأَنْفُسِ " أَيْ بِسَخَاوَتِهَا بِفَوَاتِ مَا دُونَ اللَّهِ ، وَسَلامَةِ الصُّدُورِ مِنَ السُّكُونِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ سورة الشعراء آية 89 ، قِيلَ : سَلِيمٌ عَمَّا دُونَ اللَّهِ ، وَقَوْلُهُ : " وَرَحْمَةً لِلْمُسْلِمِينَ " بِالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ فِي تَحَمُّلِ أَثْقَالِهِمْ ، وَتَخْفِيفِ مُؤَنِهِمْ عَنْهُمْ .
حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ الْهَيْثَمِ ، قَالَ . ح الْحَسَنُ بْنُ مُكْرَمٍ ، قَالَ . ح رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، قَالَ . ح شُعْبَةَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا التَّيَّاحِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُحَدِّثُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : " يَسِّرُوا ، وَلا تُعَسِّرُوا ، وَسَكِّنُوا ، وَلا تُنَفِّرُوا " ، قَالَ الشَّيْخُ : مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَسِّرُوا " إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَيِ : اصْرِفُوا وُجُوهَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ ، وَرُدُّوهُمْ فِي طَلَبِ الْحَوَائِجِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَرُدُّوهُمْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّ الْيُسْرَ كُلَّهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ سورة البقرة آية 185 ، وَقَالَ : مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ سورة المائدة آية 6 . " وَلا تُعَسِّرُوا " أَيْ : لا تَرُدَّهُمْ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ فِي طَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنْهُمْ ، وَقَضَائِهَا مِنْ عِنْدِهِمْ ، فَإِنَّهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَى مِثْلِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِمْ فِيهِ ، فَكَأَنَّهُمْ يَتَجَاذَبُونَ شَيْئًا بَيْنَهُمْ كُلٌّ يُرِيدُهُ لِنَفْسِهِ ، فَيَعْسُرُ عَلَيْكُمُ الْوُصُولُ إِلَى مَا يَتَجَاذَبُونَهُ بَيْنَكُمْ . وَقَوْلُهُ : " سَكِّنُوا " تَصْدِيقًا لِمَا قُلْنَا بِأَنَّ السُّكُونَ هُوَ الطُّمَأْنِينَةُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ سورة الرعد آية 28 ، فَلا يَزَالُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ فِي اضْطِرَابٍ فِي نَيْلِ مَا يَرْجُوهُ ، وَكَذَلِكَ مَا يُرِيدُهُ حَتَّى يَرُدَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَهُنَاكَ يَسْكُنُ اضْطِرَابُهُ ضَرُورَةً وَاخْتِيَارًا . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " لا تُنَفِّرُوا " أَيْ : لا تُفَرِّقُوهُمْ فِي دَلالَتِهِمْ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ ، وَرَدِّهِمْ إِلَى مَنْ سِوَاهُ ، فَيَتَفَرَّقُ بِهِمُ الْمَذَاهِبُ ، وَيَخْتَلِفُ عَلَيْهِمُ الْمَسَالِكُ وَالطُّرُقُ فِي طَلَبِ مَا يُرِيدُونَهُ فَالتَّنَافُرُ فُرْقَةٌ ، وَالسُّكُونُ جَمْعٌ ، فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ : يَسِّرُوا ، أَيْ : رُدُّوهُمْ إِلَى الْيُسْرِ ، وَلا تُعَسِّرُوا ، أَيْ : لا تَرُدُّوهُمْ إِلَى الْعُسْرِ ، وَسَكِّنُوا : أَيِ اجْمَعُوهُمْ ، وَلا تُنَفِّرُوا أَيْ : لا تُفَرِّقُوهُمْ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ أَصْبَحَ وَهَمُّهُ الدُّنْيَا شَتَّتَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ ، وَمَنْ أَصْبَحَ وَهَمُّهُ الآخِرَةُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ " ، هَذَا فِيمَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ، فَمَا ظَنُّكَ فِيمَنْ أَرَادَ بِهِمَا . يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ مَا .
حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْبُجَيْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ . ح هِشَامٌ ، وَهَمَّامٌ ، قَالا . ح يَحْيَى ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " ثَلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ ، لا يُشَكُّ فِيهِنَّ : دَعْوَةُ الْوَالِدِ ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ " ، وَرُوِيَ : " دَعْوَةُ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ " ، وَالْوَلَدُ مُخْلِصٌ فِي دُعَاءِ وَالِدَيْهِ ، وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَجَابَ دَعْوَةَ الصِّبْيَانِ لِوَالِدِيهِمْ " ، لِطَهَارَتِهِمْ ، وَلأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ أَطْهَرَ مِنْهُمَا ، وَأَقَلَّهُمْ ذَنْبًا ، جِئْنَا إِلَى الْحَدِيثِ ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّبَرُّئِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ ، وَالانْقِطَاعِ إِلَى اللَّهِ ، وَالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسَافِرَ مُسْتَوْفِزٌ مُضْطَرِبُ الْحَالِ ، قَلَّ مَا يُسَاكِنُ شَيْئًا ، أَوْ يُوَافِقُ حَالا ، لأَنَّهُ مُنْتَقِلٌ فِي الْمَكَانِ مُخْتَلِفُ الْعِشْرَةِ مِنَ الأَحْزَانِ ، عَلَى وَجَلٍ مِنْ حَوَادِثِ الزَّمَانِ ، كَثِيرُ الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ إِلَى الرَّحْمَنِ ، قَدْرُ مَا انْفَصَلَ سِرُّهُ مِنَ الاعْتِبَارِ اتَّصَلَ سِرُّهُ مِنَ الْخِيَارِ ، صَفَا سِرُّهُ ، فَأَسْرَعَتِ الإِجَابَةُ إِلَيْهِ إِذَا دَعَاهُ ، وَالْمَظْلُومُ مُضْطَرٌّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ سورة النمل آية 62 ، وَالْمُضْطَرُّ مُنْقَطِعٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْوَالِدُ مُشْفِقٌ عَلَى وَلَدِهِ ، مُؤْثِرٌ لِحَظِّهِ عَلَى حَظِّ نَفْسِهِ ، فَصَحَّتْ شَفَقَتُهُ ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ .
حَدَّثَنَا حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ إِمَامُ جَامِعِ سَرَخْسَ ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَاءٍ السَّرَخْسِيَّانِ ، قَالا . ح أَبُو عُبَيْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ السَّامِيُّ ، ح أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمَخْزُومِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ . ح يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ السَّمْتِيُّ ، قَالَ . ح عُمَرُ بْنُ إِسْحَاقَ ، أَنَّهُ سَمِعَ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ مَيْمُونَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا فَقَدِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمِي ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي فِي مِثْلِ أَدَاءِ فَرِيضَتِي ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَبَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ رِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا ، وَلِسَانَهُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ ، وَقَلْبَهُ الَّذِي يَعْقِلُ بِهِ ، إِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ ، وَإِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ مَوْتِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَرِهَهُ ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ " ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " كُنْتُ رِجْلَهُ وَيَدَهُ " ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَيْ : كُنْتُ حَافِظًا لَهُ أَعْصِمُهُ ، وَأَعْصِمُ جَوَارِحَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، أَنْ يَتَصَرَّفَ إِلا فِي نَجَاتِي ، لأَنَّهُ إِذَا أَحَبَّهُ كَرِهَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا يَكْرَهُهُ مِنْهُ ، وَقَوْلُهُ : " مَا تَرَدَّدْتُ " ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ عِبَارَةً عَنِ الْفِعْلِ بِالصِّفَةِ ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ : مَا رَدَدْتُ شَيْئًا مِمَّا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَهُ بِعَبْدِي كَمَا رَدَدْتُ عَلَيْهِ فِي إِزَالَةِ كَرَاهَةِ الْمَوْتِ عَنْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَرِهَ الْمَوْتَ رَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَحْوَالا مُخْتَلِفَةً ، حَالا بَعْدَ حَالٍ ، وَمَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى مِمَّا يُحْدِثُهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ عَجْزٍ يَجِدُهُ ، وَضَعْفٍ يَرَاهُ فِي نَفْسِهِ ، وَأَسْبَابٍ تَحْدُثُ لَهُ فِي مُدَّةِ عُمُرِهِ حَتَّى يَسْأَمَ لِذَلِكَ حَيَاتَهُ ، فَيَتَمَنَّى الْمَوْتَ .
كَمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : " يُوشِكُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَسْعَى إِلَى قَبْرِ قَرَابَتِهِ ، أَوْ ذِي رَحِمِهِ ، فَيَقُولُ : يَا لَيْتَنِي مَكَانَكَ ، وَلا أُعَايِنُ مَا أُعَايِنُ " . ح بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَارِثِ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ النَّخَعِيُّ ، قَالَ . ح أَبُو الْغُبَيْشِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَيَبْلُغُ مِنْ تَمَنِّيهِ الْمَوْتَ مَا يَسْأَلُ اللَّهَ ذَلِكَ " ، حَتَّى وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : " لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ " أَلا تَرَى إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَقَالَ : مَا يَحْبِسُ أَشْقَاهَا أَنْ يَخْضِبَ هَذِهِ مِنْ هَذَا ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِهِ ، فَهَذَا تَمَنِّيهِ لِلْمَوْتِ لاخْتِلافِ رَعِيَّتِهِ عَلَيْهِ ، وَإِذَا هُمْ لَهُ فِي أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ ، مَرَّةً يُقَاتِلُ النَّاكِثِينَ ، وَمَرَّةً يُقَاتِلُ الْقَاسِطِينَ ، وَمَرَّةً يُقَاتِلُ الْمَارِقِينَ مِنَ الْجَمَلِ إِلَى صِفِّينَ ، وَمِنْهَا إِلَى النَّهْرِ ، ثُمَّ مُخَالَفَةِ رَعِيَّتِهِ لَهُ ، وَكُلُّ هَذَا يُرَدِّدُهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ ، حَتَّى بَلَغَ مِنْ تَمَنِّيهِ الْمَوْتَ مَا ذَكَرَ ، وَقَدْ يُحْدِثُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ مِنَ الرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْدَهُ وَالشَّوْقِ إِلَيْهِ وَالْحُبِّ لِلِقَائِهِ مِمَّا يَشْتَاقُ إِلَى الْمَوْتِ فَضْلا عَنْ زَوَالِ الْكَرَاهَةِ عَنْهُ لَهُ ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَيَسُؤُهُ ، وَيَكْرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَسَاءَتَهُ ، فَيُزِيلُ عَنْهُ كَرَاهَةَ الْمَوْتِ بِمَا يُرَدِّدُهُ عَلَيْهِ مِنَ الأَحْوَالِ ، فَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ وَهُوَ لَهُ مُؤْثِرٌ ، وَإِلَيْهِ مُشْتَاقٌ وَتَرَدَّدَ : قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى رَدَّدَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، كَمَا ذَكَرْنَا ، فَقَدْ جَاءَ عَنْهُمْ تَفَكَّرَ وَفَكَّرَ ، وَتَدَبَّرَ وَدَبَّرَ ، وَتَهَدَّدَ وَهَدَّدَ ، فَيَكُونُ تَرَدَّدَ بِمَعْنَى رَدَّدَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَاضِي ، قَالَ . ح أَبُو سَعِيدٍ الْعَدَوِيُّ ، قَالَ . ح الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ ، قَالَ . ح مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا ، فَإِنَّهُمْ لا يَمُوتُونَ فِيهَا ، وَأَمَّا قَوْمٌ يُرِيدُ اللَّهُ بِهِمُ الرَّحْمَةَ ، فَإِذَا أُلْقُوا فِيهَا أَمَاتَهُمْ ، حَتَّى يَأْذَنَ بِإِخْرَاجِهِمْ ، فَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ " ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَمَاتَهُمْ عِبَارَةً عَنْ تَغْيِيبِهِ إِيَّاهُمْ عَنْ آلامِهَا فِيهَا ، وَلا يَكُونُ ذَلِكَ مَوْتًا عَلَى الْحَقِيقَةِ ، فَإِنَّ النَّوْمَ قَدْ يُغَيِّبُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الآلامِ وَالْمَلاذِ ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى : وَفَاةً ، فَقَالَ جَلَّ جَلالُهُ : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا سورة الزمر آية 42 ، فَهِيَ وَفَاةٌ لَيْسَ بِمَوْتٍ فِي الْحَقِيقَةِ الَّذِي هُوَ خُرُوجُ الرُّوحِ عَنِ الْبَدَنِ ، وَكَذَلِكَ الصَّعْقَةُ قَدْ عَبَّرَ اللَّهُ عَنِ الْمَوْتِ بِهَا ، فَقَالَ : فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ سورة الزمر آية 68 : وَأَخْبَرَ عَنْ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، أَنَّهُ خَرَّ صَعِقًا ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَوْتًا عَلَى الْحَقِيقَةِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا غَيَّبَ عَنْ أَحْوَالِ الشَّاهِدِ ، وَعَنِ الْمَلاذِ ، وَالآلامِ جَازَ أَنْ يُسَمَّى مَوْتًا ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : أَمَاتَهُمْ أَيْ : غَيَّبَهُمْ عَنِ الآلامِ ، وَهُمْ أَحْيَاءٌ بِلَطِيفَةٍ يُحْدِثُهَا اللَّهُ فِيهِمْ ، كَمَا غَيَّبَ النِّسْوَةَ اللاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ بِشَاهِدٍ ظَهَرَ لَهُنَّ ، فَغِبْنَ فِيهِ عَنْ آلامِهِنَّ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَوْتًا عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَأَنَّهُ يُمِيتُهُمْ فِيهَا بِخُرُوجِ أَرْوَاحِهِمْ ، فَيَكُونُوا أَمْوَاتًا عَلَى الْحَقِيقَةِ مَعَ قَوْلِهِ : لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى سورة طه آية 74 : لأَنَّ أَهْلَ النَّارِ أَحْيَاءٌ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَلَيْسُوا بِأَمْوَاتٍ ، لأَنَّ الْحَيَوَانَ إِذَا لَمْ يُوصَفْ بِالْحَيَاةِ ، فَهُوَ مَوْصُوفٌ بِالْمَوْتِ ، وَلَمَّا لَمْ يَكُونُوا فِيهَا مَوْتَى ، فَهُمْ أَحْيَاءٌ . فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونُوا أَحْيَاءً مَعَ قَوْلِهِ : لا يَحْيَى جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُوَحِّدُونَ فِيهَا أَمْوَاتًا مَعَ قَوْلِهِ : لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى سورة طه آية 74 : وَمَعْنَى قَوْلِهِ : لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى سورة طه آية 74 أَيْ : لا يَمُوتُ فَيَسْتَرِيحُ ، وَلا يَحْيَى فَيَنْتَفِعُ بِحَيَاتِهِ . فَإِنْ قِيلَ : فَمَا مَعْنَى إِدْخَالِهِمُ النَّارَ ، وَهُمْ فِيهَا غَيْرُ مُتَأَلِّمِينَ ؟ قِيلَ : أَنْ يُدْخِلَهُمُ النَّارَ تَأْدِيبًا لَهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يُعَذِّبَهُمْ فِيهَا ، وَيَكُونُ صَرَفَ نِعَمَ الْجَنَّةِ عَنْهُمْ مُدَّةَ كَوْنِهِمْ فِيهَا عُقُوبَةً لَهُمْ كَالْمَحْبُوسِينَ فِي السُّجُونِ ، فَإِنَّ الْحَبْسَ عُقُوبَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَلٌّ ، وَلا قَيْدٌ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا مُتَأَلِّمِينَ غَيْرَ أَنَّ آلامَهُمْ تَكُونُ أَخَفَّ مِنْ آلامِ الْمُغَيَّبِينَ ، وَهُمْ مَوْتَى أَخَفُّ مِنْ عَذَابِهِمْ ، وَهُمْ أَحْيَاءٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ آلِ فِرْعَوْنَ : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ سورة غافر آية 46 ، فَأَخْبَرَ أَنَّ عَذَابَهُمْ إِذَا بُعِثُوا يَكُونُ أَشَدَّ مِنْ عَذَابِهِمْ ، وَهُمْ مَوْتَى ، وَهُمْ فِي حَالَةِ الْمَوْتِ مُعَذَّبُونَ ، فَكَذَلِكَ الْمُوَحِّدُونَ يُمِيتُهُمْ فِي النَّارِ ، وَيَكُونُوا مُعَذَّبِينَ مُتَأَلِّمِينَ ، وَهُمْ مَوْتَى ، وَيَكُونُ عَذَابُهُمْ ، وَآلامُهُمْ أَخَفَّ مِنْ عَذَابِ الْكُفَّارِ ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى سورة طه آية 74 فِي صِفَةِ الْكُفَّارِ ، لأَنَّهُ قَالَ : وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى { 11 } الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى { 12 } ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا سورة الأعلى آية 11-13 ، وَالأَشْقَى : هُوَ الَّذِي بَلَغَتْ شَقَاوَتُهُ نِهَايَتَهَا ، وَهُوَ الَّذِي لا يَسْعَدُ أَبَدًا ، وَهُوَ الَّذِي يُخَلَّدُ فِيهَا ، فَأَمَّا الْمُوَحِّدُ وَإِنْ شَقِيَ بِدُخُولِهِ فِيهَا ، فَإِنَّهُ يَسْعَدُ بِخُرُوجِهِ مِنْهَا ، فَهُوَ وَإِنْ شَقِيَ ، فَلَيْسَ بِالأَشْقَى ، وَإِذَا كَانَ قَوْلُهُ : لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى سورة طه آية 74 فِي الْكُفَّارِ خَرَجَ الْمُوَحِّدُونَ مِنْهَا ، فَيَجُوزُ أَنْ يَمُوتُوا ، وَلا يَكُونُ ذَلِكَ خِلافًا لِلآيَةِ . وَإِنْ قِيلَ بِأَنَّ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا لَيْسُوا بِصِفَةِ الأَحْيَاءِ ، وَلا الْمَوْتَى لَمْ يَبْعُدْ ، فَإِنَّ الْجَمَادَ لا يُوصَفُ بِالْحَيَاةِ ، وَلا بِالْمَوْتِ ، وَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا بِأَحْيَاءَ ، وَلا مَوْتَى بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمُ الآلامَ الشَّدِيدَةَ ، وَيَكُونُونَ مُعَذَّبِينَ أَبَدَ الأَبَدِ بِأَشَدِّ الْعَذَابِ ، وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَمَادِ الأَلَمَ ، وَهُوَ الْجِذْعُ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عِنْدَهُ فَلَمَّا اتَّخَذَ لَهُ الْمِنْبَرَ مِنْ حَنِينِ النَّاقَةِ ، حَتَّى نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاحْتَضَنَهُ ، فَسَكَنَ ، وَإِنَّمَا حَنَّ حُزْنًا عَلَى مُفَارَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْحُزْنُ أَلَمٌ . وَخَلَقَ اللَّهُ الْكَلامَ فِي الْجَمَادِ ، بِقَوْلِهِ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ سورة فصلت آية 11 فَإِذَا جَازَ هَذَا فِيمَا لا يُوصَفُ بِالْمَوْتِ ، وَلا بِالْحَيَاةِ ، جَازَ أَنْ يَخْلُقَ فِي أَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ هُمُ الْكُفَّارُ الآلامَ ، وَالْعَذَابَ أَبَدَ الأَبَدِ ، وَلَيْسُوا بِأَحْيَاءَ ، وَلا مَوْتَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ ، قَالَ . ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ . ح الْحِمَّانِيُّ ، قَالَ . ح عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سَعَادَةٌ لابْنِ آدَمَ ثَلاثَةٌ ، وَشَقَاوَةٌ لابْنِ آدَمَ ثَلاثَةٌ ، فَمِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ : الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ ، وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ ، وَشَقَاوَةُ ابْنِ آدَمَ : الْمَسْكَنُ السُّوءُ ، وَالْمَرْأَةُ السُّوءُ ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ " ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : هَذِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ سَعَادَةُ الدُّنْيَا دُونَ سَعَادَةِ الدِّينِ ، وَالسَّعَادَةُ سَعَادَتَانِ : مُطْلَقَةٌ ، وَمُقَيَّدَةٌ ، فَالْمُطْلَقَةُ : السَّعَادَةُ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا ، وَالْمُقَيَّدَةُ : فِيمَا قُيِّدَتْ بِهِ ، وَهَذِهِ سَعَادَةٌ مُقَيَّدَةٌ ، لأَنَّهَا ذَكَرَتْ أَشْيَاءَ مَعْدُودَةً ، فَكَانَ مَنْ رُزِقَ امْرَأَةً صَالِحَةً ، وَمَسْكَنًا وَاسِعَةً ، وَمَرْكَبًا صَالِحًا ، طَابَ عَيْشُهُ ، وَيَهْنَأُ بِبَقَائِهِ ، وَثُمَّ رَفَعَهُ بِهَا ، لأَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ مِنْ تَرَاخِي الأَبْدَانِ ، وَمَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَقَدْ يَكُونُ السَّعِيدُ فِي الدِّينِ ، وَمِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ، وَلا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ ، وَإِنْ كَانَتْ أَيِ الشَّقَاوَةُ ، فَعَلَى ضِدِّ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الشَّقَاوَةِ ، وَمَعْنَى الشَّقَاوَةِ هَهُنَا : التَّعَبُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى سورة طه آية 117 قِيلَ : فَتَتْعَبَ ، وَمَنِ ابْتُلِيَ بِالْمَرْأَةِ السُّوءِ ، وَالْمَسْكَنِ السُّوءِ ، وَالْمَرْكَبِ السُّوءِ تَعِبَ فِي أَكْثَرِ أَوْقَاتِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ السُّعَدَاءِ مُبْتَلِينَ بِهَذَا التَّعَبِ ، فَإِنَّ الأَوْلِيَاءَ مُرَادُونَ بِالْبَلاءِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِيَاءُ ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ " ، وَقَدْ كَانَ لِنُوحٍ وَلُوطٍ صَلَوَاتُ اللَّهُ عَلَيْهِمَا امْرَأَتَا سُوءٍ ، فَهُمَا فِي غَايَةِ الشَّقَاوَةِ ، وَلُوطٌ وَنُوحٌ فِي غَايَةِ السَّعَادَةِ ، وَامْرَأَةُ فِرْعَوْنَ أَسْعَدُ أَهْلِ زَمَانِهَا ، وَفِرْعَوْنُ أَشْقَى الْخَلْقِ ، وَقَدْ كَانَ لِمُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، عَرِيشٌ يَأْوِي إِلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، وَالأَوْلِيَاءِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، فَدَلَّ أَنَّهُ أَرَادَ السَّعَادَةَ الْمُقَيَّدَةَ الَّتِي هِيَ سَعَادَةُ الدُّنْيَا دُونَ السَّعَادَةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي تَعُمُّ الدِّينَ وَالدُّنْيَا .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ <IDF> الْمَعْرُوفُ بِ</IDF>الْعُمَانِيِّ ، قَالَ . ح أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُشَيْرِيُّ ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ الأَزْهَرِ ، قَالَ . ح عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَيْسٍ ، قَالَ . ح سُكَيْنُ بْنُ السَّرَّاجِ ، قَالَ . ح الْمُغِيرَةُ بْنُ السُّوَيْدِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ خِفَّةُ لِحْيَتِهِ " ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : اللِّحْيَةُ للِرَّجُلِ زِينَةٌ ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَنَّهَا كَانَتْ تُقْسِمُ ، فَتَقُولُ : لا وَالَّذِي زَيَّنَ الرِّجَالَ بِاللِّحَى ، وَالزِّينَةُ إِذَا كَانَتْ تَامَّةً وَافِرَةً رُبَّمَا أَعْجَبَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ ، وَالْعُجْبُ هَلاكٌ ، وَالْهَلاكُ شَقَاءٌ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ثَلاثٌ مُهْلِكَاتٌ : شُحٌّ مُطَاعٌ ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ " .
وَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْمُسْلِمُ ؟ قَالَ : " حُسْنُ الْخُلُقِ " ، قَالَ : فَمَا شَرُّ مَا أُعْطِيَ ؟ قَالَ : " قَلْبُ سُوءٍ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَى نَفْسِهِ أَعْجَبَتْهُ " ، حَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَهْرَوَيْهِ الرَّازِيُّ بِالرُّمَيِّ ، قَالَ . ح أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ ، قَالَ . ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مِهْرَانَ أَبُو شَيْخٍ الْحَرَّانِيُّ ، قَالَ . ح زُهَيْرٌ ، قَالَ . ح أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنِ الْمُزَنِيِّ ، أَوِ الْجُهَنِيّ أَنَّ رَجُلا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْمُسْلِمُ ، فَذَكَرَهُ . . . فَإِذَا كَانَتِ الزِّينَةُ سَبَبَ إِعْجَابِ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ ، وَإِعْجَابُهُ بِهَا مِنَ الْمُهْلِكَاتِ ، وَالْهَلاكُ شَقَاءٌ ، كَانَتِ الْخِفَّةُ فِي الزِّينَةِ سَبَبَ ازْدِرَائِهِ بِهَا ، فَكَانَ ذَلِكَ فَوْزًا وَنَجَاةً ، وَهُوَ السَّعَادَةُ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلالَةٌ عَلَى الاخْتِيَارِ فِي التَّوَسُّطِ فِي التَّزَيُّنِ ، وَتَرْكُ الْمُبَالَغَةِ فِيهَا مِنْ لِبَاسٍ ، وَدَارٍ ، وَمَرْكَبٍ ، وَكَلامٍ ، وَمَشْيٍ ، وَفِي جَمِيعِ مَا يَتَزَيَّنُ الْمَرْءُ بِهِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا أَخْبَارٌ .
حَدَّثَنَا عِصْمَةُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ إِدْرِيسَ الْبِيكَنْدِيُّ ، قَالَ . ح إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبِيكَنْدِيُّ ، قَالَ . ح سُوَيْدٌ . ح بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْعَطْسَةُ عِنْدَ الْحَدِيثِ شَاهِدُ عَدْلٍ " ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَاءٍ ، وَأَبُو الْفَضْلِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّامِيُّ أَبُو لَبِيدٍ ، قَالَ . ح سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ الْحَدَثَانِيُّ ، قَالَ . ح بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : الشَّاهِدُ الْحَاضِرُ ، وَالشُّهُودُ الْحُضُورُ ، وَالْكَذِبُ ضِدُّ الصِّدْقِ . وَرُوِيَ أَنَّ الْمَلَكَ يَتَبَاعَدُ عَنِ الْعَبْدِ عِنْدَ الْكَذِبِ .
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ ، قَالَ . ح أَبُو عِيسَى ، قَالَ . ح يَحْيَى بْنُ مُوسَى ، قَالَ : قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ هَارُونَ الْغَسَّانِيِّ ، حَدَّثَكُمْ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " إِذَا كَذَبَ الْعَبْدُ تَبَاعَدَ عَنْهُ الْمَلَكُ مِيلا مِنْ نَتْنِ مَا جَاءَ بِهِ " ، قَالَ يَحْيَى : فَأَقَرَّ بِهِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ هَارُونَ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، فَإِذَا غَابَ الْمَلَكُ عِنْدَ الْكَذِبِ حَضَرَ عِنْدَ الصِّدْقِ ، فَشَهِدَ ، وَالْمَلَكُ حَبِيبُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، لأَنَّهُ كَرِيمٌ عَلَيْهِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ { 10 } كِرَامًا كَاتِبِينَ سورة الانفطار آية 10-11 أَيْ كِرَامًا عَلَى اللَّهِ ، كَاتِبِينَ لأَعْمَالِكُمْ ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كِرَامٍ بَرَرَةٍ سورة عبس آية 16 ، وَقَالَ : لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ سورة التحريم آية 6 ، فَهَذِهِ صِفَاتُ مَنْ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ ، فَإِذًا فَالْمَلَكُ حَبِيبُ اللَّهِ ، وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَبِيبٌ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الْعُمَانِيُّ ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَرَاءُ أَبُو الْحَسَنِ ، قَالَ . ح الْمُعَافَى بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ . ح رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْعُطَاسَ ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ " فَإِذَا شَهِدَ الْعُطَاسُ الَّذِي هُوَ حَبِيبُ اللَّهِ عِنْدَ الْحَدِيثِ صَدَّقَهُ ، فَكَانَ شَاهِدًا لأَنَّهُ حَضَرَ وَلَمْ يَغِبْ ، وَعَدْلا لأَنَّهُ حَبِيبُ اللَّهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَإِذَا دَلَّ حُضُورُ أَحَدِ الْحَبِيبَيْنِ وَهُوَ الْمَلَكُ عِنْدَ الْحَدِيثِ الصِّدْقِ دَلَّ حُضُورُ الْحَبِيبِ الآخَرِ الَّذِي هُوَ الْعُطَاسُ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَلَى صِدْقِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ بِشْرَوَيْهِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ . ح أَبُو عَلِيٍّ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ . ح عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ، قَالَ . ح مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " حَسَبُ الرَّجُلِ دِينُهُ ، وَمُرُوءَتُهُ عَقْلُهُ " ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : الْحَسَبُ فِي الآبَاءِ ، وَالشَّرَفُ فِي الْوِلادَةِ ، وَأَشْرَفُ الأَحْسَابِ حَسَبُ الْعَرَبِ ، وَالْعَرَبُ إِنَّمَا شُرِّفُوا بِالدِّينِ ، وَذَلِكَ أَنَّ خِيَارَ النَّاسِ وَأَفْضَلَهُمْ فِي الدِّينِ وَأَقْرَبَهُمْ زُلْفَى عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى كَانُوا مِنَ الْعَرَبِ ، وَذَلِكَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيِّدُ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ ، وَسَيِّدُ كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ غَيْرِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَسَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَسَيِّدَةُ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ ، وَفَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، فَإِذَا كَانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هُمْ خِيَارُ الْخَلْقِ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ ، وَأَفْضَلُهُمْ مِنَ الْعَرَبِ صَارَ لِلْعَرَبِ شَرَفًا بِذَلِكَ . أَمَا أَوَائِلُهُمْ فَبِأَنَّهُمْ كَانُوا سَبَبًا لِكَوْنِهِمْ وَلَدُوهُمْ ، وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فِلأَنَّهُمْ مِنْ نَسْلِ هَؤُلاءِ الْخِيَارِ ، فَصَحَّ أَنَّ عِلَّةَ الشَّرَفِ الدِّينُ ، فَكَانَ الْحَسَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ هُوَ الشَّرَفُ بِالْوِلادَةِ ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ دِينٌ ، فَلَمَّا أَظْهَرَ اللَّهُ الدِّينَ ، وَأَخْرَجَ الأَخْيَارَ وَالأَفَاضِلَ الَّذِينَ هُمْ وَدَائِعُهُ فِي الأَصْلابِ وَالأَرْحَامِ سَقَطَ شَرَفُ الْمَاضِينَ مِنْهُمْ ، إِذْ كَانَ شَرَفُهُمْ بِهِمْ ، فَصَارَ الشَّرَفُ فِي الأَصْلِ الَّذِي كَانَ سَبَبًا لِشَرَفِ الْعَرَبِ ، وَمَهْدِ الدِّينِ ، فَصَارَ الانْتِمَاءُ وَالافْتِخَارُ الَّذِي كَانَ بِالآبَاءِ بِالدِّينِ ، أَلا تَرَى إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ كَيْفَ قَالَ فِيمَنِ انْتَمَى ، وَافْتَخَرَ بِالآبَاءِ فِيمَا .
حَدَّثَنَا بِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ . ح أَبُو ثَابِتٍ ، قَالَ . ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، ح هِشَامُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ ، أَوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ " نَبَّهَ عَنْ رِجَالٍ فَخْرُهُمْ بِأَقْوَامٍ ، وَإِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْجِعْلانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتْنَ ، فَقَدْ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّ الشَّرَفَ بِأُولَئِكَ قَدْ سَقَطَ ، ثُمَّ كَانَتِ الْعَرَبُ قَبَائِلَ ، فَكُلٌّ كَانَ يَنْتَمِي إِلَى أَحَدِهَا ، فَصَارَ نُعُوتُ الْمُؤْمِنِينَ بَدَلَ قَبَائِلِ الْعَرَبِ ، وَمَرَاتِبُ الدِّينِ بَدَلَ شُعُوبِهَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ سورة التوبة آية 112 ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ سورة الأحزاب آية 35 فَالانْتِمَاءُ إِلَى هَذِهِ الأَوْصَافِ وَالشَّرَفُ بِهَذِهِ أنْسَبُ دُونَ الآبَاءِ وَالسَّلَفِ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَمُرُوءَتُهُ عَقْلُهُ " ، ظَاهِرُ الْمَرْوَةِ عِنْدَ النَّاسِ حُسْنُ الزِّيِّ ، وَجَمَالُ الْحَالِ ، وَالتَّوَسُّعُ فِي الطَّعَامِ وَالإِطْعَامِ ، وَهَذِهِ أَحْوَالُ مَنِ اتَّسَعَ فِي الْمَالِ فَيُمْكِنُهُ ذَلِكَ ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَخْبَرَ أَنَّ الْمَرْوَةَ هُوَ الْعَقْلُ ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَاقِلُ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ ، وَمُقَدَّرًا لَهُ ، فَإِذَا كَمُلَ عَقْلُ الْمَرْءِ تَمَّتْ مُرُوءَتُهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُرُوءَةَ اشْتِقَاقُهَا مِنَ الْمَرْءِ ، وَالْمَرْءُ الإِنْسَانِ ، وَالإِنْسَانُ إِنَّمَا شُرِّفَ عَلَى سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ بِالْعَقْلِ ، وَكَمَالُ الْعَقْلِ التَّنَزُّهُ عَنْ كُلِّ خُلُقٍ ذَمِيمٍ ، وَكَفُّ النَّفْسِ عَنْ شَهَوَاتِهَا الرَّدِيَّةِ ، وَطِبَاعِهَا الدَّنِيَّةِ ، وَوَضْعُ كُلَّ شَيْءٍ مَوْضِعَهُ ، وَإِيفَاءُ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَالْعَاقِلُ يُوَفِّي حَقَّ الرُّبُوبِيَّةِ لِرَبِّهِ جَلَّ جَلالُهُ عَلَى قَدْرِ وُسْعِهِ وَطَاقَتِهِ ، وَيُوَفِّي حَقَّ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ نَفْسِهِ ، وَيُوَفِّي حُقُوقَ اللَّهِ مِنْ فَصِيحٍ وَأَعْجَمِيٍّ ، وَيُوَفِّي حُقُوقَ نَفْسِهِ ، فَإِنَّ لَهَا عَلَيْهِ حَقًّا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا " . فَمَنْ كَانَتْ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ الَّتِي يَجْمَعُهَا الْعَقْلُ فَقَدْ تَمَّتْ مُرُوءَتُهُ ، وَظَهَرَتْ إِنْسَانِيَّتُهُ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الأَوْصَافِ فَلا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْحَيَوَانِ ، بَلْ هُوَ شَرُّ الْحَيَوَانِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سورة الفرقان آية 44 .
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَهْرَوَيْهِ الرَّازِيُّ بِالرِّيِّ ، قَالَ . ح أَبُو يَحْيَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ ، قَالَ . ح مُوسَى <IDF> يَعْنِي</IDF> ابْنَ مُحَمَّدٍ النَّخَعِيَّ ، قَالَ . ح ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَامَانَ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَكْثَرُ مُنَافِقِي أُمَّتِي قُرَّاؤُهَا " ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَاللَّهُ أَعْلَمُ هَذَا نِفَاقُ الْعَمَلِ لا نِفَاقُ الاعْتِقَادِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقَ هُوَ الَّذِي أَظْهَرَ شَيْئًا وَأَضْمَرَ خِلافَهُ ، أَظْهَرَ الإِيمَانَ بِاللَّهِ لِلَّهِ ، وَأَضْمَرَ عِصْمَةَ مَالِهِ وَدَمِهِ ، وَالْمُرَائِي بِعَمَلِهِ الدَّارَ الآخِرَةَ ، وَأَضْمَرَ ثَنَاءَ النَّاسِ وَعَرَضَ الدُّنْيَا ، وَالْقَارِئُ أَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ اللَّهَ بِعَمَلِهِ وَوَجْهِهِ لا غَيْرَ ، وَأَضْمَرَ حَظَّ نَفْسِهِ وَهُوَ الثَّوَابُ ، وَيَرَى نَفْسَهُ أَهْلا لِذَلِكَ ، وَيَنْظُرُ لِعَمَلِهِ بِعَيْنِ الإِجْلالِ ، فَلإِنْ كَانَ بَاطِنُهُ خِلافَ ظَاهِرِهِ صَارَ مُنَافِقًا إِذِ الْمُنَافِقُ بِإِيمَانِهِ قَصَدَ حَظَّ نَفْسِهِ ، وَالْقَارِئُ بِعَمَلِهِ قَصَدَ حَظَّ نَفْسِهِ فَاسْتَوَيَا فِي الْقَصْدِ ، وَمُخَالَفَةِ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ ، فَاسْتَوَيَا فِي الإِثْمِ لاسْتِوَائِهِمَا فِي الْقَصْدِ وَالصِّفَةِ ، فَالْمُنَافِقُ رَاءَى الإِمَامَ وَالسُّلْطَانَ وَعَوَامَّ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْمُرَائِي رَاءَى الزُّهَّادَ وَالْعُبَّادَ ، وَأَرْبَابَ الدِّينِ ، وَالْقَارِئُ رَاءَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَصَالَ بِعَمَلِهِ ، وَأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ ، وَتَمَنَّى عَلَى رَبِّهِ .
حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ . ح أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَدِيٍّ ، قَالَ . ح أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ ، قَالَ . ح زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، قَالَ . ح سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ فَرَافِصَةَ ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا ، وَكَادَ الْحَسَدُ يَغْلِبُ الْقَدَرَ " ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ كُفْرَ النِّعْمَةِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الشُّكْرِ لا كُفْرَ الْجُحُودِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الإِيمَانِ ، وَهُوَ أَنَّ الْفَقْرَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ ، لأَنَّهُ سَبَبُ الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالالْتِجَاءِ إِلَيْهِ ، وَالطَّلَبِ مِنْهُ ، وَهُوَ حِلْيَةُ الأَنْبِيَاءِ ، وَزِيُّ الأَصْفِيَاءِ ، وَشِعَارُ الصَّالِحِينَ ، وَزِينَةُ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ " إِذَا رَأَيْتَ الْفَقْرَ مُقْبِلا فَقُلْ : مَرْحَبًا بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ " . وَرُوِيَ : " أَنَّ الْفَقْرَ أَزْيَنُ بِالْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْعَوَارِ الْجَيِّدِ عَلَى خَدِّ الْفَرَسِ " ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ ، غَيْرَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ مُؤْلِمٌ ، شَدِيدُ التَّحَمُّلِ ، فَقَالَ : " كَادَ " ، يَكْفُرُ نِعْمَةَ الْفَقْرِ لِثِقَلِ تَحَمُّلِهَا عَلَى النُّفُوسِ . وَقَوْلُهُ : " كَادَ الْحَسَدُ يَغْلِبُ الْقَدَرَ " أَيْ : كَادَ الْحَسَدُ فِي قَلْبِ الْحَاسِدِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى رُؤْيَةِ الْقَدَرِ ، فَلا يَرَى أَنَّ النِّعْمَةَ الَّتِي حَسَدَهُ عَلَيْهَا إِنَّمَا صَارَتْ لَهُ بِقَدَرِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ ، فَلا تَزُولُ عَنْهُ إِلا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ ، وَغَرَضُ الْحَاسِدِ وَمُرَادُهُ وَشَهْوَتُهُ زَوَالُ نِعْمَةِ الْمَحْسُودِ . أَلا تَرَى إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلا وَفِيهِ حَسَدٌ " ، ثُمَّ قَالَ : " فَذَهَابُ حَسَدِهِ أَنْ لا يَبْغِيَ أَخَاهُ غَائِلَةً " ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْحَاسِدَ يَعْمَلُ فِي إِزَالَةِ النِّعْمَةِ مِنَ الْمَحْسُودِ ، وَلَوْ تَحَقَّقَ مَعْرِفَتَهُ بِالْقَدَرِ لَمْ يَحْسُدْهُ ، وَلَرَجَعَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الاسْتِسْلامِ لَهُ ، وَالانْقِيَادِ لِحُكْمِهِ ، وَرَضِيَ بِقَدَرِهِ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يَرُدُّهُ أَحَدٌ ، قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْفَقْرَ مِنَ الْعِلْمِ ، وَهُوَ الْفَقْرُ الأَعْظَمُ ، فَإِنَّ الْجَهْلَ أَقْرَبُ شَيْءٍ إِلَى الْكُفْرِ ، فَإِنَّ بَرْصِيصَا ظَنَّ لِجَهْلِهِ أَنَّ سُجُودَهُ لِلْمَخْلُوقِ يُنْجِيهِ ، فَكَفَرَ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْحَارِثِيُّ ، قَالَ . ح عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ . ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمَقْبُرِيُّ ، قَالَ . ح يَحْيَى بْنُ شُرَيْحٍ ، قَالَ . ح سَالِمُ بْنُ غَيْلانَ أَنَّهُ سَمِعَ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الْهَيْثَمِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : " تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالدَّيْنِ " ، فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُعْدَلُ الْكُفْرُ بِالدَّيْنِ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِيهِ إِذَا جَحَدَ الْمَدْيُونُ الدَّيْنَ وَأَنْكَرَهُ ، لأَنَّ الْكُفْرَ جُحُودُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالإِنْكَارُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ جُحُودُ حَقِّ الْعِبَادِ ، فَعَادَلَ جُحُودُ حَقِّ الْعِبَادِ جُحُودَ حَقِّ اللَّهِ ، وَيَكُونُ إِتْلافُ أَمْوَالِ النَّاسِ وَإِنْ لَمْ يُنْكِرْهَا جُحُودًا ، لأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْجُحُودِ الإِتْلافِ ، فَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ أَتْلَفَ ، فَكَأَنَّهُ جَحَدَهُ ، أَلا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لا يُصَلِّي عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً ، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ إِذَا تَرَكَ وَفَاءً ، أَوْ ضَمِنَ الدَّيْنَ ضَامِنٌ ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَجْحَدِ الدَّيْنَ ، وَلَمْ يُرِدْ إِتْلافَهُ فَإِنَّهُ لا يُعَادِلُ الْكُفْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ .
قَالَ : سَمِعْتُ مَنْصُورَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيَّ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ حَامِدٍ التِّرْمِذِيَّ ، يَقُولُ : كُنْتُ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ خَضْرَوَيْهِ ، وَقَدِ احْتُضِرَ ، فَتَقَدَّمَ بَعْضُ تَلامِيذِهِ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ ، فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ ، وَهُمَا تَذْرِفَانِ بِالدُّمُوعِ ، فَقَالَ : يَا بُنَيَّ ، بَابٌ كُنْتُ أَدُقُّهُ مُنْذُ خَمْسَةٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً الآنَ يُفْتَحُ لِي ، فَلا أَدْرِي أَبْشِرُ بِالسَّعَادَةِ ، أم بِالشَّقَاوَةِ ، فَالْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ فَإِذَا غُرَمَاؤُهُ جُلُوسٌ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ جَعَلْتَ الرَّهَايِنَ تَوْثِقَةً لأَرْبَابِ الأَمْوَالِ فِي الدُّنْيَا ، وَأَنَا رَهْنٌ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ، فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَخْذَ الرَّهْنِ مِنْهُمْ ، فَأَدِّ إِلَيْهِمْ حُقُوقَهُمْ ، فَإِذَا دَاقٌّ يَدُقُّ الْبَابَ ، فَفَتَحُوا فَإِذَا رَجُلٌ عَلَى بَغْلَةٍ ، وَمَعَهُ جِرَابٌ ، فَنَزَلَ فَدَخَلَ ، وَقَالَ : أَيْنَ غُرَمَاءُ أَحْمَدَ ؟ فَقَالُوا : نَحْنُ ، فَأَدَّى إِلَيْهِمْ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَخَرَجَ ، وَمَاتَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَكَانَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ سَبْعَ مِائَةِ دِينَارٍ فَمَنِ ادَّانَ عَلَى اللَّهِ أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا ، وَمَنْ تَرَكَ وَفَاءً بِمَا عَلَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ جَاحِدٍ وَلا مُطَوِّلٍ خَرَجَ مِنْ هَذَا الْوَعِيدِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ " .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْفَقِيهُ الْحَارِثِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ . ح أَبُو بَكْرِ بْنُ تَمَّامِ بْنِ عِيسَى ، قَالَ . ح إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَمِّيُّ ، قَالَ . ح يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رَأْسُ الْعَقْلِ بَعْدَ الإِيمَانِ بِاللَّهِ التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ " ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : التَّوَدُّدُ : الإِتْيَانُ بِالأَحْوَالِ الَّتِي يَوَدُّكَ النَّاسُ وَيُحِبُّونَكَ مِنْ أَجْلِهَا ، كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : " ازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ " . فَمَنْ زَهِدَ فِيمَ فِي أَيْدِيهِمْ ، وَبَذَلَ لَهُمْ مَا عِنْدَهُ ، وَتَحَمَّلَ أَثْقَالَهُمْ ، وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ حِمْلَهَا مِنْ نَفْسِهِ وَكُفَّ أَذَاهُمْ عَنْهُمْ وَتَحَمَّلَ أَذَاهُمْ ، وَأَنْصَفَهُمْ وَلَمْ يُنْصِفْ عَنْهُمْ ، وَأَعَانَهُمْ وَلَمْ يَسْتَعِنْ بِهِمْ ، وَنَصَرَهُمْ وَلَمْ يَنْتَصِرْ مِنْهُمْ ، فَهَذِهِ أَوْصَافُ الْعُقَلاءِ ، أَيْ هَذِهِ وَأَمْثَالُهَا ، فَمَنْ أَتَى بِهَذِهِ الأَوْصَافِ وَتَخَلَّقَ بِهَذِهِ الأَخْلاقِ فَقَدْ تَوَدَّدَ إِلَيْهِمْ ، فَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَشَارَ إِلَى التَّخَلُّقِ بِهَذِهِ الأَخْلاقِ ، وَاكْتِسَابِ هَذِهِ الأَفْعَالِ ، فَمَنْ تَخَلَّقَ بِهَا ، وَعَاشَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ، وَعَامَلَهُمْ بِهَا ، وَدَّهُ النَّاسُ ، وَأَحَبُّوهُ ، وَهَذِهِ أَوْصَافُ الْعُقَلاءِ مِنَ النَّاسِ ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ مَحَبَّتَهُمْ لَهُ ، وَوُدَّهُمْ إِيَّاهُ ، بَلْ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَلِوُجُوبِ حَقِّ الْعِبَادِ عَلَيْهِ ، لا لِمُطَالَبَةِ الْوُدِّ مِنْهُمْ ، فَإِذَا فَعَلَ الْعَبْدُ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْدَعَ اللَّهُ وُدَّهُ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ ، لأَنَّهُ تَعَالَى يَوَدُّهُ ، فَيَجْعَلُ وُدَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا سورة مريم آية 96 ، قِيلَ : أَيْ فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ .
حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْعَطَّارُ ، قَالَ . ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ ، قَالَ . ح يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَارِثِيُّ ، قَالَ . ح عَبْدُ الْعَزِيزِ بن مُحَمَّدُ ُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَأَى قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ : " اقْرَءُوا الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ قَوْمٌ يُقِيمُونَهُ إِقَامَةَ الْقِدْحِ يَتَعَجَّلُونَهُ ، وَلا يَتَأَجَّلُونَهُ " ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، يُرِيدُونَ بِهِ الْعَاجِلَةَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَحُطَامَهَا ، وَالرِّفْعَةَ فِيهَا ، وَلا يَتَأَجَّلُونَهُ أَيْ : لا يُرِيدُونَ بِهِ الدَّارَ الآخِرَةَ ، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ فَمَعْنَاهُ : أَنَّهُمْ لا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لِلآجِلَةِ ، بَلْ يَقْرَءُونَهُ لِلْعَاجِلَةِ ، فَمَنْ أَرَادَ بِهِ الدُّنْيَا وَتَرَسَّلَ فِي قَرَأَتِهِ وَرَتَّلَهُ فَهُوَ مُتَعَجِّلٌ ، وَمَنْ أَرَادَ بِهِ الآخِرَةَ ، وَمَرَّ فِيهِ مُتَعَجِّلا قِرَاءَتَهُ بَعْدَ أَدَاءِ الْحُرُوفِ حَقَّهَا ، فَهُوَ مُتَأَجِّلٌ ، الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ خَتْمِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فِي لَيْلَةٍ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَانِيُّ ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ<IDF> هُوَ </IDF>ابْنُ أَبِي الدُّمَيْكِ ، قَالَ . ح أَحْمَدُ بْنُ خبابٍ ، قَالَ . ح عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بَشِّرُوا خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ ، لا صَخَبَ فِيهِ وَلا نَصَبَ " ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " لا صَخَبَ فِيهِ " أَيْ : هُوَ مَخْصُوصٌ لَهَا ، لا يُشَارِكُهَا فِيهِ أَحَدٌ ، لأَنَّ الْغَالِبَ فِي أَحْوَالِ النَّاسِ التَّنَازُعُ فِي الشَّيْءِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمْ ، وَالْمُنَازَعَةُ تُفْضِي إِلَى الصَّخَبِ ، وَمَا انْفَرَدَ لأَحَدٍ شَيْءٌ لَمْ يُنَازَعْ فِيهِ فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صَخَبٌ ، فَعَبَّرَ عَنِ انْفِرَادِهَا بِهَذَا الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ مِنْ دُرَّةٍ جَوْفَاءَ بِزَوَالِ الصَّخَبِ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صَخَبٌ ، وَقَوْلُهُ : " لا نَصَبَ " أَيْ : لَيْسَ ذَلِكَ جَزَاءً لِنَصَبِهَا ، وَلا تَكَلُّفِهَا مِنَ الأَعْمَالِ الَّتِي أَتَيْتَ عَلَيْهَا ، لَكِنْ هَذَا زِيَادَةٌ وَفَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا بَعْدَ مَا أَعْطَاهَا مِنَ الثَّوَابِ عَلَى أَفْعَالِهَا ، وَأَضْعَفَ لَهَا مِنْهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْبَخْتَرِيُّ ، قَالَ . ح أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ ، قَالَ . ح سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ . ح شُعْبَةَ . ح وَاقِدٌ جَدُّهُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : " لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ " ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ " كُفَّارًا " أَيْ : كُفَّارًا لِنِعْمَةِ الإِسْلامِ تَارِكِينَ الشُّكْرَ فِيهِ ، فَإِنَّ مِنَ الشُّكْرِ عَلَى نِعْمَةِ الإِسْلامِ مُوَاصَلَةَ أَهْلِهِ ، وَمُوَافَقَتَهُمْ ، وَاجْتِمَاعَ الْكَلِمَةِ فِيهِ ، وَالتَّحَابَّ لأَجْلِهِ ، وَتَرْكَ التَّقَاطُعِ وَبَغْيِ بَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ ، لأَنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَحَبَّ أَهْلَهُ ، أَلا تَرَى إِلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا تُؤْمِنُونَ بِي حَتَّى تَحَابُّوا " .
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ ، قَالَ . ح أَبُو عِيسَى ، قَالَ . ح عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ . ح أَبُو لَبِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُوَقَّرِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذْ طَلَعَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ إِلا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ ، يَا عَلِيُّ لا تُخْبِرْهُمَا " ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا عَلِيُّ لا تُخْبِرْهُمَا " ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى لا تُخْبِرْهُمَا قَبْلِي ، كَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَرَادَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُخْبِرُ لَهُمَا ، وَالْمُبَشِّرُ لَهُمَا بِهَذِهِ الْبِشَارَةِ ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَجَلَّ قَدْرًا ، وَأَعْظَمَ مَوْقِعًا ، وَيَكُونُ فَضْلُ السَّبَقِ بِالْبِشَارَةِ لَهُ ، وَتَكُونُ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ مِنَ الْفَضَائِلِ الَّتِي لا تَكُونُ إِلا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى مَخَافَةِ الْفِتْنَةِ عَلَيْهِمَا ، فَقَدْ أَخْبَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ، وَبِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ بِقَوْلِهِ : " إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَرَوْنَ أَهْلَ عِلِّيِّينَ ، كَمَا تَرَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مِنْهُمْ ، وَأَنْعَمَا " وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ ، وَهُوَ آخِذٌ بِأَيْدِيهِمَا ، وَقَالَ : " هَكَذَا نُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " . وَقَدْ تَبَيَّنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَخْبَارِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُمَا فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ : " يَا عَلِيُّ لا تُخْبِرْهُمَا " حِفْظًا لِمَوَاضِعِ الْفِتْنَةِ عَلَيْهِمَا لَمْ يُخْبِرْهُمَا ، وَكَيْفَ يَخَافُ عَلَيْهِمَا الْفِتْنَةَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ ؟ وَالْمَفْتُونُ لا يَسْتَحِقُّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ ، وَلا مَا هُوَ دُونَهَا ، وَمَنْ بَلَغَتْ رُتْبَتُهُ هَذِهِ الرُّتْبَةَ عُصِمَ مِنَ الْفِتْنَةِ ، وَالإِعْجَابِ بِالنَّفْسِ ، لأَنَّ الإِعْجَابَ بِالنَّفْسِ مِنَ الْمُهْلِكَاتِ ، وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا يَجُوزُ أَنْ يَهْلِكَ ، وَقَدْ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَهُمَا بِهِ مِنْ هُوَ دُونَهُمَا فِي الْفَضِيلَةِ مِثْلَ عُكَّاشَةَ حِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ " ، فَقَالَ عُكَّاشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ادْعُوا اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ ، فَقَالَ : " أَنْتَ مِنْهُمْ " . وَقَالَ لِبِلالٍ : " سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ فِي الْجَنَّةِ بَيْنَ يَدَيَّ " وَكَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِهِ بَشَّرَهُمْ بِالْجَنَّةِ ، وَلَمْ يَخَفْ عَلَيْهِمُ الْفِتْنَةَ ، لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ يُعْصَمُونَ عَنِ الْفِتْنَةِ لِيَتِمَّ مُرَادُ اللَّهِ فِيهِمْ ، فَكَيْفَ بِهِمَا وَهُمَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، بِحَيْثُ لا يُدَانِيهِمَا فِي الْفَضْلِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ بَعْدَ الأَنْبِيَاءِ ، وَالْمُرْسَلِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيُّ ، قَالَ . ح أَبُو بَكْرٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ ، ح أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ . ح عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَيْمَنَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قُلْتُ لِجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَرْوِهِ عَنْكَ ، فَقَالَ جَابِرٌ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ فِيهِ ، فَلَبِثْنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لا نَطْعَمُ شَيْئًا ، وَلا نَقْدِرُ عَلَيْهِ ، فَعَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ كُدْيَةٌ ، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ : هَذِهِ كُدْيَةٌ قَدْ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ ، وَقَدْ رَشَشْتُ عَلَيْهَا الْمَاءَ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبَطْنُهُ مَعْصُوبَةٌ بِحَجَرٍ ، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ ، ثُمَّ سَمَلَهَا ، ثُمَّ ضَرَبَ ، فَعَادَتْ كَثِيبًا أَهْيَلَ ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَعْنَى عَصَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ عِنْدَ الْجُوعِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ أَوْ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إِذَا خَلَتْ أَجْوَافُهُمْ ، وَغَارَتْ بُطُونُهُمْ ، فَشَدُّوا عَلَيْهَا حَجَرًا يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ ، وَكَانَ أَصَابَهُمُ الْجُوعُ فَفَعَلُوا ذَلِكَ ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مُوَافَقَةً لَهُمْ ، وَلِيَعْلَمَ أَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ طَعَامٌ اسْتَأْثَرَ بِهِ دُونَهُمْ ، وَأَرَاهُمْ خَلاءَ جَوْفِهِ كَخَلاءِ أَجْوَافِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَحْمُولا فِي الْجُوعِ عَنِ الضَّعْفِ الَّذِي يَلْحَقُهُمْ عِنْدَهُ ، فَإِنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حِينَ وَاصَلَ فَوَاصَلَ أَصْحَابُهُ ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالُوا : إِنَّكَ لَتُوَاصِلُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ ، إِنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي فَيُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي " فَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ فِيمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ ، وَمَا يُغْنِيهِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ، فَإِنَّمَا عَصَبَ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ عَلَى مَعْنَى الْمُسَاوَاةِ بِهِمْ ، وَالْمُوَافَقَةِ مَعَهُمْ ، الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي .
حَدَّثَنَا بِهِ نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ ، قَالَ . ح أَبُو عِيسَى ، قَالَ . ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، قَالَ . ح سَيَّارٌ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الْجُوعَ ، وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا عَنْ حَجَرٍ ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنْ حَجَرَيْنِ أَلا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا شَكَوْا إِلَيْهِ الْجُوعَ أَظْهَرَ لَهُمْ مَا أَظْهَرُوا لَهُ ، وَقَالَ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، لَمَّا خَرَجَا إِلَى الْمَسْجِدِ لَيْلا ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَآهُمَا , فَقَالَ لَهُمَا : " مَا أَخْرَجَكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ فَقَالا : الْجُوعُ ، فَقَالَ : " وَاللَّهِ ، مَا أَخْرَجَنِي إِلا الَّذِي أَخْرَجَكُمَا " ، أَخْبَرَهُمَا بِمَا شَكَوْا إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ تَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمَا ، وَنُفُوسِ أَصْحَابِهِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ طَعَامًا كَمَا لَمْ يَجِدُوا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ ، وَأَطْيَبَ لِنُفُوسِهِمْ ، وَأَرْضَى لَهُمْ بِأَحْوَالِهِمْ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى عَصْبِ الْحَجَرِ مِنْهُ عَلَى بَطْنِهِ إِشَارَةً مِنْهُ لَهُمْ إِلَى أَنَّ الْقَوَامَ الَّذِي بِالطَّعَامِ لَيْسَ هُوَ مِنَ الطَّعَامِ ، وَلَكِنَّ الْقَوَامَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، لأَنَّ الطَّعَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْهُ الْقُوَّةُ ، وَالْقَوَامُ بِمَا يَصِلُ مِنْهُ إِلَى الْجَوْفِ ، فَعَمَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَى أَبْعَدِ الأَشْيَاءِ مِنْ مَعَانِي الْفِدَاءِ بِهِ ، فَرَبَطَهُ مِنْ خَارِجٍ يُرِيهِمْ أَنَّ هَذَا يَقُومُ لَهُ مَقَامَ الطَّعَامِ الَّذِي يَصِلُ إِلَى الأَجْوَافِ ، فَيَكُونُ مِنْهُ الْقَوَامُ لِيَقْطَعَهُمْ ذَلِكَ عَنِ الاعْتِمَادِ فِي حَالِ الْجُوعِ عَلَى الطَّعَامِ ، وَيَصْرِفَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّقْوِيَةِ بِمَا شَاءَ مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَيَكُونَ اعْتِمَادُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ دُونَ اعْتِمَادِهِمْ عَلَى الأَسْبَابِ ، وَيَكُونَ هُوَ أَوَّلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، وَيَكُونَ ذَلِكَ مِمَّنْ فَعَلَهُ تَأَسِّيًا بِهِ وَقُدْوَةً ، فَيَحْمِلُهُمْ تَرْكُهُ الأُسْوَةَ عَنِ الْجُوعِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ ، وَلَمْ يَأْتِ فِي الأَخْبَارِ أَنَّ عُيُونَ أَصْحَابِهِ فَعَلُوا ذَلِكَ ، لأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا إِشَارَتَهُ فِي ذَلِكَ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَرْبِطُوهَا عَلَى بُطُونِهِمْ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَبْطُ الْحَجَرِ مِنْهُ مُقَابَلَةَ أَصْحَابِهِ بِمَا أَظْهَرُوهُ مِنَ الضَّعْفِ وَالْعَجْزِ وَالْحَاجَةِ إِلَى الطَّعَامِ ، فَقَابَلَهُمْ بِمِثْلِهِ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ ضَعْفِ الْبَشَرِيَّةِ ، وَعَجْزِ صِفَةِ الإِنْسَانِيَّةِ ، وَأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّعَامِ عَلَى جَلالَةِ قَدْرِهِ ، وَعُلُوِّ دَرَجَتِهِ ، وَارْتِفَاعِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ جَلَّ جَلالُهُ ، كَمَا قَالَ جَلَّ جَلالُهُ : وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ سورة الأنبياء آية 8 ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلّ : وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ سورة الفرقان آية 20 الآيَةَ ، ثُمَّ لَمَّا أَظْهَرُوا الْقُوَّةَ مِنْ نُفُوسِهِمْ مِنَ الْوِصَالِ أَرَاهُمْ ضَعْفَهُمْ فِي أَحْوَالِهِمْ ، وَعَجْزَهُمْ فِي نُفُوسِهِمْ ، فَنَهَاهُمْ عَنْهُ ، فَقَالُوا : إِنَّكَ لَتُوَاصِلُ ، فَقَالَ : " لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ , إِنَّ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي " ، ثُمَّ وَاصَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْسَلَخَ الشَّهْرُ فَقَالَ : " لَوْ غُمَّ عَلَيَّ الشَّهْرُ لَوَاصَلْتُ " ، قَالَ فِي الْحَدِيثِ كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَظْهَرُوا قُوَّةً مِنْ نُفُوسِهِمْ ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى ضَعْفِ أَوْصَافِ الْبَشَرِيَّةِ ، وَعَجْزِهَا بِالْوَارِدِ عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، أَلا تَرَاهُ يَقُولُ : " إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ " صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
حَدَّثَنَا حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَعْقُوبَ ، قَالَ . ح الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَطَّارُ ، قَالَ . ح إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ ، قَالَ . ح وَكِيعٌ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِلا الصَّوْمَ ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ : فَرْحَةٌ عِنْدَ إِفْطَارِهِ ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رَائِحَةِ الْمِسْكِ ، الصَّوْمُ جُنَّةٌ الصَّوْمُ جُنَّةٌ " ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَعْنَى إِضَافَةِ الصَّوْمِ إِلَى نَفْسِهِ جَلَّ اسْمُهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِبُعْدِهِ مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ ، لأَنَّهُ لا يَكَادُ يَقَعُ عَلَيْهِ أَبْصَارُ النَّاظِرِينَ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الرِّيَاءُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الصَّائِمَ لا يَطْعَمُ ، وَاللَّهُ تَعَالَى وَصَفَ نَفْسَهُ ، فَقَالَ : وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ سورة الأنعام آية 14 ، فَكَأَنَّ الصَّائِمَ اتَّصَفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى قَدْرِ مَا يَلِيقُ مِنَ الْبَشَرِيَّةِ ، وَكَمَالِهِ لِلَّهِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الرُّبُوبِيَّةِ ، كَمَا أَنَّ الْعَالِمَ مِنَّا وَالْكَرِيمَ وَالرَّحِيمَ مُتَّصِفٌ بِصِفَةٍ يَسْتَحِقُّهَا اللَّهُ ، وَلِلْعَبْدِ فِيهَا نِسْبَةٌ عَلَى قَدْرِ الْبَشَرِيَّةِ ، فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خُصُوصُ الإِضَافَةِ إِلَى نَفْسِهِ لِذَلِكَ . وَقَوْلُهُ : " أَنَا أَجْزِي بِهِ " أَيْ : عَلَى كَرَمِ الرُّبُوبِيَّةِ لا عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْعُبُودِيَّةِ ، كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : إِنَّ الَّذِي أَتَيْتَ بِهِ مِنَ الإِمْسَاكِ عَنِ الطَّعَامِ لَيْسَ مِنْ صِفَتِكَ ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ صِفَتِي ، فَإِنِّي أَنَا الَّذِي لا أَطْعَمُ , غَيْرَ أَنَّكَ تَكَلَّفْتَ مِنْ أَجْلِي ، وَتَرَكَتْ طَعَامَكَ وَشَرَابَكَ لِي ، فَأَنَا أَجْزِيكَ عَلَى قَدْرِي . وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو الْحَسَنِ الْعَلَوِيُّ الْهَمْدَانِيُّ : اخْتَصَّ بِالصَّوْمِ لِنَفْسِهِ لِيَسْلَمَ مِنَ الْعَدُوِّ أَنْ يُفْسِدَهُ ، لأَنَّهُ لا يَطْمَعُ فِيمَا لِلَّهِ ، وَيَسْلَمُ مِنَ الْخُصُومِ أَنْ يَأْخُذُوهُ عِنْدَ الْحِسَابِ ، فَإِذَا اسْتَوْفَى الْخُصُومِ أَعْمَالَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ عَمَلٌ أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى دِيوَانَ صَوْمِهِ الَّذِي هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى دُونَ الْعَبْدِ ، فَيَجْزِيهِ عَلَى ذَلِكَ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الرُّبُوبِيَّةِ ، لأَنَّهُ لَهُ وَثَوَابُهُ عَلَى قَدْرِهِ . وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَبِي ذَرٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعْنَى قَوْلِهِ : " أَنَا أَجْزِي بِهِ " ، أَيْ : أَنَّ الْجَزَاءَ بِهِ لَهُ ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : أَيْ مَعْرِفَتِي فِي الْجَزَاءِ لَهُ بِهِ ، وَحَسْبُهُ ذَلِكَ جَزَاءً ، فَمَا شَيْءٌ يُدَانِيهَا وَلا يَبْلُغُهَا ، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ : فَرْحَةٌ عِنْدَ إِفْطَارِهِ " يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَرَحُهُ عَلَى حُصُولِ صَوْمِهِ ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ عَلَيْهِ بِمَوْتٍ أَوْ عِلَّةٍ أَوْ آفَةٍ ، فَهُوَ يُسَرُّ بِذَلِكَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَفْرَحَ أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ هُوَ لِلَّهِ خَالِصٌ ، لأَنَّ اللَّهَ حَكَمَ بِذَلِكَ فَقَالَ : " الصَّوْمُ لِي " ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْرَحُ بِتَوْفِيقِ رَبِّهِ إِيَّاهُ عَلَى صَوْمِهِ ، فَلَنْ يَكُونَ عَمَلٌ إِلا بِهِ ، فَيَكُونُ فَرْحَةً مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِ دُونَ مَا جَاءَ مِنْهُ . وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدُ بِإِفْطَارِهِ يَوْمَ خُرُوجِهِ مِنَ الدُّنْيَا ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ صَامَ عَنْ جَمِيعِ لَذَّاتِهِ وَشَهَوَاتِهِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِ أَيَّامَ . . . أَفْطَرَ الصَّائِمُ ، وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ ، فَالْمُؤْمِنُ إِذَا غَرَبَتْ شَمْسُ حَيَاتِهِ فِي الدُّنْيَا أَفْطَرَ مِنْ صِيَامِهِ عَنْ شَهَوَاتِهِ ، وَذَلِكَ حِينُ فَرَحِهِ .
حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ ، قَالَ . ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ . ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ، قَالَ . ح أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَلْيَنُ قُلُوبًا ، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً ، الإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ، وَرَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ " ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَصَفَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِلِينِ الْقُلُوبِ وَرِقَّتِهَا ، ثُمَّ نَسَبَ الإِيمَانَ وَالْحِكْمَةَ إِلَيْهِمْ ، كَأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ بِنَاءَ الإِيمَانِ عَلَى الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَالرِّقَّةِ عَلَيْهِمْ ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ صِفَةَ مَنْ نُسِبَ الإِيمَانُ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ : " الإِيمَانُ يَمَانٍ " . وَالْحِكْمَةُ هِيَ : الإِصَابَةُ لِمَا يَرْضَى بِهِ اللَّهُ وَمَا يُحِبُّهُ ، وَتَرْكُ مَا يَسْخَطُهُ وَيَكْرَهُهُ ، وَلا يُنَالُ ذَلِكَ إِلا بِرِقَّةِ الْقَلْبِ وَصَفَائِهِ ، فَيَشْهَدُ فِيهِ زَوَاجِرَ الْحَقِّ ، لأَنَّ زَوَاجِرَ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ ، فَمَنْ كَانَ أَصْفَى قَلْبًا فَإِنَّهُ أَحْسَنُ إِدْرَاكًا لِذَلِكَ الزَّاجِرِ ، وَأَشَدُّ إِصَابَةً لَهُ ، لِذَلِكَ نُسِبَ الْحِكْمَةُ إِلَى مَنْ رَقَّ قَلْبُهُ ، وَيَكُونُ ذِكْرُ الْقَلْبِ وَالْفُؤَادِ عِبَارَةً عَنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفُؤَادُ عِبَارَةً عَنْ بَاطِنِ الْقَلْبِ ، فَإِنَّ الْحُكَمَاءَ قَالُوا : الصَّدْرُ خَارِجَ الْقَلْبِ ، وَالْفُؤَادُ دَاخِلَهُ ، فَوَصَفَ الْقَلْبَ بِاللِّينِ ، وَالشَّيْءُ اللَّيِّنُ يَنْثَنِي وَيَنْعَطِفُ ، وَهُوَ التَّقَلُّبُ ، وَسُمِّيَ الْقَلْبُ قَلْبًا لأَنَّهُ مُتَقَلِّبٌ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : إِنَّمَا سُمِّيَ الْقَلْبُ قَلْبًا لأَنَّهُ يَتَقَلَّبُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَثَلُ الْقَلْبِ مَثَلُ رِيشَةٍ بِفَلاةٍ مِنَ الأَرْضِ تُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ " ، وَالْمُتَقَلِّبُ يَتَقَلَّبُ إِلَى كَذَا ، فَكَأَنَّهُ وَصَفَ أَهْلَ الْيَمَنِ بِأَنَّ قُلُوبَهُمْ أَلْيَنُ وَأَكْثَرُ تَقَلُّبًا وَتَثَنِّيًا ، وَأَنَّ تَثَنِّيَهَا وَانْقِلابَهَا إِلَى الإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ أَكْثَرُ مِنْهُمَا إِلَى غَيْرِهِمَا ، لأَنَّ أَفْئِدَتَهُمْ أَرَقُّ فَهِيَ أَكْثَرُ شُهُودًا لِلْغَيْبِ ، لأَنَّ الشَّيْءَ الرَّقِيقَ أَنْفَذُ فِي خِلالِ الأَشْيَاءِ الْمَانِعَةِ ، وَالْحُجُبِ السَّاتِرَةِ مِنَ الشَّيْءِ الْغَلِيظِ ، وَمَنْ خَرَقَ الْحُجُبَ أَدْرَكَ الإِيمَانَ وَحَقِيقَتَهُ ، وَالْحِكْمَةَ الَّتِي هِيَ التَكَلُّمُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِلِينِ الْقَلْبِ أَيْ : خَفْضُ الْجَنَاحِ وَلِينُ الْجَانِبِ ، وَالانْقِيَادُ وَالاحْتِمَالُ وَتَرْكُ الْعُلُوِّ وَالتَّرَفُّعِ ، لأَنَّ هَذِهِ الأَفْعَالَ إِنَّمَا تَظْهَرُ مِمَّنْ لانَ قَلْبُهُ ، وَهِيَ أَوْصَافُ الظَّاهِرِ ، وَأَشَارَ بِرِقَّةِ أَفْئِدَتِهِمْ إِلَى شَفَقَتِهِمْ عَلَى الْخَلْقِ ، وَالرَّحْمَةِ لَهُمْ ، وَالرَّأْفَةِ بِهِمْ ، وَالتَّعَطُّفِ عَلَيْهِمْ ، وَالنُّصْحِ لَهُمْ ، وَأَنْ يُحِبُّوا لَهُمْ مَا يُحِبُّونَ لأَنْفُسِهِمْ ، وَهَذِهِ أَوْصَافُ الْبَاطِنِ ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُمْ أَحْسَنُ أَخْلاقًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا " فَقَوْلُهُ : " الإِيمَانُ يَمَانٍ " أَيْ : أَهْلُ الْيَمَنِ أَكْمَلُ النَّاسِ إِيمَانًا ، وَتَكُونُ الْحِكْمَةُ مِنْ أَوْصَافِ مَنْ كَمُلَ إِيمَانُهُ وَيَقِينُهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَصْفُهُ لَهُمْ بِلِينِ الْقُلُوبِ إِشَارَةً إِلَى قَبُولِ الْحَقِّ ، لأَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ أَجَابُوا إِلَى الإِسْلامِ بِالدَّعْوَةِ دُونَ الْمُحَارَبَةِ وَالْقِتَالِ ، فَقَبِلُوا الْحَقَّ لِلِينِ قُلُوبِهِمْ ، لأَنَّ مَنْ قَسَا قَلْبُهُ لا يَقْبَلُ الْحَقَّ وَإِنْ كَثُرَتْ دَلائِلُهُ ، وَقَامَتْ حُجَجُهُ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ { 73 } ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً سورة البقرة آية 73 - 74 ، أَخْبَرَ أَنَّ مَنْ قَسَا قَلْبُهُ لا يَرْجِعُ إِلَى الْحَقِّ ، وَإِنْ ظَهَرَتْ أَعْلامُهُ ، وَالآيَاتُ إِنَّمَا يَعْقِلُهَا مَنْ كَانَتْ صِفَتُهُ ضِدَّ صِفَةِ الْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ، وَلِذَلِكَ نَسَبَ الإِيمَانَ إِلَيْهِمْ ، لأَنَّهُمْ قَبِلُوهُ مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ ، وَنَسَبَهُمْ إِلَى الْحِكْمَةِ ، لأَنَّ الْحِكْمَةَ هِيَ الإِصَابَةُ لِلْحَقِّ ، فَأَصَابُوا الْحَقَّ ، فَآمَنُوا لِلِينِ قُلُوبِهِمْ وَمُوَاتَاتِهِمْ ، وَقَبُولِهِمُ الْحَقَّ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " أَرَقُّ أَفْئِدَةً " إِشَارَةً إِلَى تَوَسُّطِهِمْ فِي مُشَاهَدَاتِ الْقُلُوبِ ، وَمُنَازَلاتِ الأَسْرَارِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ الْفُؤَادَ عَيْنُ الْقَلْبِ ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ فِي نَظَرِهِمْ إِلَى أَحْوَالِ الْغُيُوبِ رِقَّةً ، وَأَنَّهُمْ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ لَيْسُوا بِذَلِكَ ، وَبِذَلِكَ تَشْهَدُ أَحْوَالُهُمْ ، وَيَعْرِفُهَا مَنْ شَاهَدَهُمْ ، كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُمْ فِي الأَحْوَالِ الظَّاهِرَةِ أَقْوَى مِنْهُمْ فِي الأَحْوَالِ الْبَاطِنَةِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السَّكَنْدِيُّ ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْعَدَوِيُّ ، قَالَ . ح ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَضْعَفُ قُلُوبًا ، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً ، وَالْفِقْهُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ " ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إِجَابَةُ الْكَثِيرِ مِنْهُمُ الأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ ، وَطَلْحَةَ الأَسَدِيَّ لَمَّا تَنَبَّآ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَلِكَ لِرِقَّةِ أَفْئِدَتِهِمْ ، وَضَعْفِ رُؤْيَةِ أَفْئِدَتِهِمْ ، لأَنَّ الْفُؤَادَ عَيْنُ الْقَلْبِ ، لَمَّا ضَعُفَ إِبْصَارُ قُلُوبِهِمْ لَمْ يُشَاهِدُوا مَا أَجَابُوا إِلَيْهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ مِنْ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا دَعَاهُمْ غَيْرُهُ أَجَابُوهُ ، وَهَذِهِ صِفَةُ عَوَامِّهِمْ ، فَأَمَّا خَوَاصُّهُمْ فَرَقَّتْ أَفْئِدَتُهُمْ فَنَفَذَتْ فِي خِلالِ الْحُجُبِ فَخَرَقَتْهَا فَشَاهَدَتِ الْعُيُوبَ فَقَوِيَ إِيمَانُهُمْ فَثَبَتُوا عَلَيْهِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ " يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِيهِ كُفْرَ النِّعْمَةِ ، لا كُفْرَ الْجُحُودِ ، وَذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ الْفِتَنِ الَّتِي كَانَتْ فِي الإِسْلامِ ظَهَرَتْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ، وَهُوَ الْعِرَاقُ وَمَا وَرَاءَهُ ، فَإِنَّ الْجَمَلَ وَهُوَ أَعْظَمُ الْفِتَنِ الَّتِي كَانَتْ فِي الإِسْلامِ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، كَانَ بِالْعِرَاقِ ، وَكَذَلِكَ الصِّفِّينَ وَالنَّهْرَوَانَ ، وَقَتْلَ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، بِالْعِرَاقِ ، وَفِيهَا كَانَتْ فِتْنَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ تِسْعَ سِنِينَ ، وَفِتْنَةُ الْجَمَاجِمِ ، قَالُوا : قُتِلَ فِيهَا خَمْسُ مِائَةٍ مِنْ قُرَّاءِ التَّابِعِينَ ، ثُمَّ فِتْنَةُ أَبِي مُسْلِمٍ كَانَ ظُهُورُهُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ، هَذَا وَغَيْرُهَا مِنَ الْفِتَنِ وَالأَحْدَاثِ أَكْثَرُهَا كَانَتْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ، وَسَبَبُ الْفِتْنَةِ وَإِرَاقَةِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ كُفْرَانُ نِعْمَةِ الإِسْلامِ , وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِيهِ الْكُفْرَ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الإِيمَانِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ خُرُوجَ الدَّجَّالِ ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّ خُرُوجَهُ يَكُونُ مِنْ قِبَلِ التُّرْكِ .
حَدَّثَنَا حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ ، ح يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ ، ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ، ح أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي ، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ ، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا ، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا ، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً " ، قَالَ الشَّيْخُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي " أَيْ بِالْكِفَايَةِ إِذَا اسْتَكْفَانِي ، وَالْكَلاءَةِ لَهُ إِذِ اسْتَكْلأَنِي ، وَالإِقْبَالِ عَلَيْهِ إِذَا أَنَابَ إِلَيَّ ، وَالإِجَابَةِ لَهُ إِذَا دَعَانِي ، وَالْقَبُولِ مِنْهُ إِذَا عَمِلَ لِي ، وَالْمَغْفِرَةِ لَهُ إِذَا اسْتَغْفَرَ لِي ، لأَنَّ هَذِهِ الأَوْصَافَ لا تَظْهَرُ مِنَ الْعَبْدِ إِلا إِذَا أَحْسَنَ بِاللَّهِ ظَنَّهُ ، وَقَوِيَ يَقِينُهُ . وَقَوْلُهُ : " فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي " يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : إِنْ خَلا بِذِكْرِي أَخْلَيْتُ سَتْرَهُ عَنْ سِوَايَ ، وَإِنْ أَخْفَى ذِكْرَهُ لِي إِجْلالا لِقَدْرِي ، وَتَعْظِيمًا لِحَقِّي وَغَيْرَةً عَلَى الذِّكْرِ لِي أَخْفَيْتُهُ فِي غَيْبِي فَلا أُطْلِعُ عَلَيْهِ إِلا أَحِبَّائِي غَيْرَةً عَلَيْهِ مِنِّي ، وَأُغَيِّبُهُ فِي غَيْبِ غَيْبِي ، فَلا يَكُونُ لِشَيْءٍ إِلَيْهِ طَرِيقٌ فَيَشْغَلَهُ عَنِّي ، فَيَكُونُ سِرِّي بَيْنَ خَلْقِي ، كَمَا كُنْتُ سِرَّهُ فِي خَلْقِي . وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : " مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي " فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ هُوَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ، كَأَنَّهُ يَقُولُ : مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ هُوَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي أَيْ : فِي غَيْبِي قَبْلَ إِيجَادِي لَهُ ، وَقَبْلَ ذِكْرِهِ لِي ، وَقَبْلَ كُلِّ قَبْلٍ فِي أَزَلِ الآزَالِ ، وَسَابِقِ الْعِلْمِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . " وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ " افْتِخَارًا بِي وَإِجْلالا بَيْنَ خَلْقِي ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ مُبَاهَاةً بِهِ ، وَتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ بَيْنَ مَلائِكَتِي الَّذِينَ هُمْ أَفْضَلُ مِمَّنْ ذَكَرَنِي فِيهِمْ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ مُبَاهَاةً كَقَوْلِهِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً سورة البقرة آية 30 الآيَةَ ، فَأَجَابَ : إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " فِي مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ " أَيْ : خَيْرٍ مِنْهُمْ حَالا ، لأَنَّ الْمَلائِكَةَ أَحْوَالُهُمْ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ الْحَالَةُ الْمُرْضِيَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ سورة الأنبياء آية 20 ، وَقَالَ : لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ سورة التحريم آية 6 ، وَالْمُؤْمِنُونَ يَتَفَاوَتُ أَحْوَالُهُمْ ، وَيَخْتَلِفُ أَوْقَاتُهُمْ بَيْنَ طَاعَةٍ وَضِدِّهَا ، وَفُتُورٍ وَتَقْصِيرٍ ، وَجَدٍّ وَتَوْفِيرٍ ، فَأُولَئِكَ الْمَلأُ الَّذِينَ هُمُ الْمَلائِكَةُ فِي أَحْوَالِهِمْ خَيْرٌ مِنَ الْمَلأِ الَّذِينَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْمَلائِكَةُ خَيْرًا مِنْهُمْ فِي الْفَضْلِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ " أَيْ بِالْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ شِبْرًا ، قَرَّبْتُهُ مِنِّي تَوْفِيقًا وَتَيْسِيرًا ذِرَاعًا ، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ بِالْعَزْمِ وَالاجْتِهَادِ ذِرَاعًا قَرَّبْتُهُ مِنِّي بِالْهِدَايَةِ وَالرِّعَايَةِ بَاعًا ، وَإِنْ أَتَانِي مُعْرِضًا عَمَّا سِوَايَ يَمْشِي آوَيْتُهُ إِلَى كَنَفِي ، فَيَفُوتُ مَنْ سِوَايَ آثِرًا فِيهِ ، أَوْ طَرِيقًا إِلَيْهِ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ : مَنْ أَعْرَضَ عَمَّا سِوَى اللَّهِ ، وَأَقْبَلَ عَلَى اللَّهِ مُسْرِعًا خَوْفًا أَنْ يُدْرِكَهُ شَيْءٌ فَيَقْطَعَهُ عَنْ سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ ، وَإِقْبَالِهِ عَلَى اللَّهِ آوَيْتُهُ إِلَيَّ ، وَحُلْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُلِّ قَاطِعٍ ، وَسَبَقْتُ بِهِ كُلَّ مَانِعٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَلَى الرِّوَايَةِ الأُخْرَى ، وَهِيَ مَا رُوِيَ : " مَنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا ، وَمَنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا ، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي " فَمَعْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ : إِنَّ الَّذِي اقْتَرَبَ مِنِّي شِبْرًا بِالطَّاعَةِ هُوَ الَّذِي أَقْتَرِبُ مِنْهُ ذِرَاعًا بِالتَّوْفِيقِ ، وَالَّذِي اقْتَرَبَ مِنِّي ذِرَاعًا بِالإِخْلاصِ هُوَ الَّذِي أقْتَرِبُ مِنْهُ بَاعًا بِالْجَذْبِ ، وَمَنْ أَتَانِي مُشَاهِدًا لِي هُوَ الَّذِي هَرْوَلْتُ إِلَيْهِ بِرَفْعِ أَسْتَارِ الْغُيُوبِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى : مَنِ الَّذِي ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ : اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ خَبَرًا ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ " ، مَعْنَاهُ عَلِيٌّ مَوْلَى مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ ، كَذَلِكَ قَوْلُهُ : مَنِ اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ ، أَيِ : اقْتَرَبْتُ إِلَى مَنِ اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَعَانِي هَذِهِ الْعِبَارَاتِ كَأَنَّهُ سُؤَالٌ وَجَوَابٌ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ سورة غافر آية 16 ، فَكَأَنَّ الْجَوَابَ مِنَ الَّذِي مِنْهُ السُّؤَالُ .
قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَكْرِيُّ ، قَالَ . ح إِسْحَاقُ الْفَرْوِيُّ ، قَالَ . ح ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا " ، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ : وَلا أَعْلَمُ إِلا أَنَّ الأَعْرَجَ حَدَّثَنِي بِذَلِكَ ، قَالَ الشَّيْخُ : وَمَعْنَى قَوْلِهِ : خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا يَوْمَ قُبِضَ أَيْ : لَمْ يَكُنْ عَلَقَةً ، ثُمَّ مُضْغَةً ، ثُمَّ عَظْمًا ، ثُمَّ مَكْسُوًّا لَحْمًا ، ثُمَّ طِفْلا ، ثُمَّ بَالِغًا أَشُدَّهُ ، ثُمَّ شَيْخًا ، أَيْ لَمْ يُخْلَقْ أَطْوَارًا ، بَلْ خُلِقَ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي كَانَ بِهَا ، وَيُقَالُ : خُلِقَ عَلَى صُورَتِهِ ، فَكَانَ فِي الأَرْضِ حِينَ أُهْبِطَ إِلَيْهَا عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي كَانَ فِي الْجَنَّةِ عَلَيْهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ صُورَتُهُ الَّتِي أُهْبِطَ فِيهَا إِلَى الأَرْضِ ، وَلَمْ يُنْتَقَصْ طُولُهُ ، وَلا سُلِبَ نُورُهُ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : " طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا " أَيْ : عَلَى هَذَا الطُّوَلِ خُلِقَ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ أَطْوَلَ مِنْهُ فِي الأَرْضِ ، وَلا أَقَلَّ نُورًا ، وَلا أَدْنَى حَالا فِيهَا مِنْهُ فِي الْجَنَّةِ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى صُورَتِهِ : أَيْ صُورَةُ حَالِهِ ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَفَاوِتَ الْحَالِ ، مُتَغَايِرَ الْوَصْفِ ، فَيُوصَفُ مَرَّةً بِالْغِوَايَةِ ، وَمَرَّةً بِالْهِدَايَةِ وَبِالْعِصْيَانِ وَالتَّوْبَةِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى { 121 } ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى سورة طه آية 121-122 ، وَوَصَفَهُ بِالْعِلْمِ مَرَّةً ، وَبِالْجَهْلِ أُخْرَى فَقَالَ : وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا سورة البقرة آية 31 ، وَقَالَ : وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا سورة الأحزاب آية 72 وَهَذَا إِلَى سَائِرِ أَحْوَالِهِ فِي تَبَايُنِهَا ، وَأَوْصَافِهِ فِي تَغَايُرِهَا ، ثُمَّ مَا أَكْرَمَهُ بِهِ مِنْ فَضْلِهِ وَاخْتَصَّهُ وَاصْطَفَاهُ وَاسْتَخْلَصَهُ وَاجْتَبَاهُ وَكَانَ خَلِيفَتَهُ فِي أَرْضِهِ ، وَقِبْلَةَ مَلائِكَتِهِ ، وَقَسِيمَ أَهْلِ نَارِهِ وَجَنَّتِهِ ، عَلَّمَهُ الأَسْمَاءَ وَأَلْهَمَهُ الْحَمْدَ وَالثَّنَاءَ ، فَكَانَ خَلْقُهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَذِهِ الأَوْصَافِ ، وَعَلَى صُورَةِ هَذِهِ الأَحْوَالِ ، وَهَذَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ { 118 } إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ سورة هود آية 118-119 ، وَلِذَلِكَ قِيلَ : خَلَقَهُمْ لِيَكُونُوا مُخْتَلِفِينَ . وَقَالَ جَلَّ جَلالُهُ : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ سورة الذاريات آية 56 . فَلِذَلِكَ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ لِيَكُونَ عَلَى هَذِهِ الأَوْصَافِ ، وَمَا لا يُحْصَى مِنَ الْحِكْمَةِ فِيهِ ، فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ : خُلِقَ آدَمُ عَلَى صُورَتِهِ ، أَيْ : خَلَقَهُ لِيَكُونَ صُورَةُ حَالِهِ هَذِهِ الصُّورَةَ ، وَخَلَقَ سَائِرَ الْخَلائِقِ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَخَلَقَ اللَّهُ الْمَلائِكَةَ لِلطَّاعَةِ لا غَيْرَ ، وَالشَّيَاطِينَ لِلْعِصْيَانِ لا غَيْرَ ، وَالْبَهَائِمَ وَسَائِرَ الْحَيَوَانِ لِلتَّسْخِيرِ لا غَيْرَ ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ : " خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ " .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ الْبَجَلِيُّ ، قَالَ . ح مَنْصُورُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ . ح أَبُو جَعْفَرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ ، ، قَالَ . ح إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ . ح جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا تُقَبِّحُوا الْوُجُوهَ ، فَإِنَّ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ " ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : أَيْ خَلَقَهُ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي ارْتَضَاهَا الرَّحْمَنُ أَنْ تَكُونَ صُورَةً لآدَمَ ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي خَلْقِ اللَّهِ خَلْقٌ عَلَى صُورَتِهِ فِي الْبِنْيَةِ وَالْحَالِ إِذِ الْمَلائِكَةُ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصُورَةِ بِنْيَتِهِمْ غَيْرَ أَنَّ الأَخْبَارَ وَرَدَتْ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ عَلَى صُورَتِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ سورة التين آية 4 , وَقِيلَ : إِنَّ قَوْلَهُ : " خُلِقَ آدَمُ عَلَى صُورَتِهِ " كَانَ عُقَيْبَ قَوْلِهِ : " لا تَقُولُوا قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ ، فَإِنَّ آدَمَ خُلِقَ عَلَى صُورَتِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ " أَيْ : عَلَى صُورَةِ هَذَا الْمُقَبِّحِ وَجْهُهُ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ ، فَلْيَتَجَنَّبِ الْوَجْهَ " ، ثُمَّ قَالَ : " فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ " أَيْ عَلَى صُورَةِ هَذَا الْمَضْرُوبِ وَالْمُقَبَّحِ وَجْهُهُ ، وَهَذَا كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تُسَمُّونَ أَوْلادَكُمْ مُحَمَّدًا ، ثُمَّ تَلْعَنُونَهُمْ " .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، عَنِ ، مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ . ح أَبُو ثَابِتٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ ، قَالَ . ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أخ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ هِلالِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " مَنْ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ، فَقَدْ كَذَبَ " ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ " لا تُفَضِّلُونِي عَلَى أَخِي يُونُسَ " ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " مَنْ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ " أَيْ مَنْ قَالَ : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ فِي النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ ، ذَلِكَ أَنَّ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ مَعْنًى وَاحِدٌ ، لا تَفَاضُلَ فِيهَا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ ، وَإِنَّمَا التَّفَاضُلُ فِي تَفْضِيلِ اللَّهِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ ، وَمَا يَحْدُثُ لَهُمْ مِنَ الأَحْوَالِ الَّتِي تُبَيِّنُ شَرَفُهُمْ وَفَضْلُهُمْ عِنْدَهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَمَعْنَى تَخْصِيصِهِ يُونُسَ بِتَسْمِيَتِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ يُونُسَ أَوْصَافَ يَسْبِقُ إِلَى الأَوْهَامِ انْحِطَاطُهُ فِي الدَّرَجَةِ وَانْخِفَاضُهُ فِي الْمَنْزِلَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ سورة الأنبياء آية 87 ، وَقَالَ : إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ سورة الصافات آية 140 ، وَقَالَ : فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ سورة الصافات آية 142 ، وَقَالَ : لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ سورة القلم آية 49 ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ النُّبُوَّةَ أَثْقَالا ، وَإِنَّ يُونُسَ تَفَسَّخَ مِنْهَا الرُّبُعَ " , فَحَفِظَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْضِعَ الْفِتْنَةِ مِنْ أَوْهَامِ بَعْضِ مَنْ يَسْبِقُ إِلَيْهَا مِنْهُ أَنَّ هَذِهِ الأَوْصَافَ جَرَحَتْ فِي نُبُوئَتِهِ ، أَوْ أَخَلَّتْ بِرِسَالَتِهِ ، أَوْ قَدَحَتْ فِي الاصْطِفَاءِ الْقَدِيمِ مِنْهُ تَعَالَى إِيَّاهُ ، أَوْ حَطَّتْ مِنْ رُتْبَتِهِ ، أَوْ أَوْهَنَتْ قُوَى عِصْمَتِهِ ، كَمَا حَفِظَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَوْضِعَ الْفِتْنَةِ عَلَى الأَنْصَارِيِّ الَّذِي مَرَّ بِهِ عِشَاءً ، وَهُوَ قَائِمٌ مَعَ صَفِيَّةَ ، فَقَالَ لَهُ : " أَمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ " ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ : سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ " هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَعَ مَا وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ الأَوْصَافِ نَبِيُّهُ الْكَرِيمُ ، وَرَسُولُهُ الْمُصْطَفَى ، وَهُوَ مَعَ هَذِهِ الأَوْصَافِ لَيْسَ بِأَدْوَنَ دَرَجَةً مِنِّي فِي النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ مَعَ أَنِّي سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ، وَأَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَدْنَاهُمْ مَنْزِلَةً مِنْي وَأَقْرَبُهُمْ وَسِيلَةً إِلَيْهِ , وَأَوَّلُ شَافِعٍ ، وَأَكْرَمُ مُشَفَّعٍ إِلَى سَائِرِ فَضَائِلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي وَصَفَهَا ، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ لَهُ لا يَعْلَمُهُ إِلا اللَّهُ تَعَالَى ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَلَى جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ .
قَالَ : حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ ، قَالَ . ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ . ح يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، قَالَ . ح شَرِيكٌ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً أَنْ يُرَى أَثَرُهَا عَلَيْهِ " ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى : أَثَرُهَا عَلَيْهِ الشُّكْرَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ فِيهِ ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ، وَالذِّكْرِ لَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَالإِفْضَالِ مِنْهُ ، وَالْجُودِ عَلَى الأَغْيَارِ ، وَالْعَطْفِ عَلَى الْجَارِ ، وَالإِنْفَاقِ مِنْ فَضْلِ مَا عِنْدَهُ ، وَالإِنْفَاقِ مِنْهُ فِي وُجُوهِ الْقُرْبِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ قَارُونَ : إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ { 76 } وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ سورة القصص آية 76-77 ، وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ بِالإِنْفَاقِ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ ، ثُمَّ عَلَى عِيَالِهِ وَوَلَدِهِ ، فَيَرَى أَثَرَ الْجِدَةِ عَلَيْهِ زِيًّا وَإِنْفَاقًا وَشُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِاللِّسَانِ , هَذَا فِي النِّعْمَةِ الَّتِي هِيَ سَعَةُ الْمَالِ ، فَأَمَّا النِّعْمَةُ الدِّينِيَّةُ فَأَوْلَى وَأَحَقُّ ، وَهُوَ مِمَّنْ أُوتِيَ عِلْمًا بِاسْتِعْمَالِ عِلْمِهِ ، وَذَمِّ جَوَارِحِهِ ، وَتَهْذِيبِ أَخْلاقِهِ ، وَرِيَاضَةِ نَفْسِهِ ، وَلِينِ الْجَانِبِ ، وَخَفْضِ الْجَنَاحِ ، وَالْحِلْمِ عَنِ السَّفِيهِ ، وَالإِعْرَاضِ عَنِ الْجَاهِلِ فِي خَشْيَتِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ، ثُمَّ تَعْلِيمِ الْجَاهِلِ ، وَتَأْدِيبِ الْغَيْرِ ، وَبَثِّهِ الْعِلْمَ فِي أَهْلِهِ ، وَوَضْعِهِ فِي حَقِّهِ فِي تَوَاضُعٍ وَلِينٍ وَبِرٍّ وَإِشْفَاقٍ ، وَمِمَّنْ أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِالْوِلايَةِ لِلْمُسْلِمِينَ بِالدَّفْعِ عَنْهُمْ ، وَالنَّظَرِ لَهُمْ ، وَالإِنْصَافِ فِيمَا بَيْنَهُمْ ، وَبَسْطِ الْعَدْلِ ، وَالْحُكْمِ بِالْقِسْطِ إِلَى سَائِرِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، وَهَذَا يُدْخِلُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى الْعِبَادِ ، وَمِمَّا يَطُولُ شَرْحُهُ .
قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَكْرِيُّ ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو ضَمْرَةَ ، عَنِ ابْنِ عَجْلانَ ، عَنِ الْقَعْقَاعِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ " ، قِيلَ لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ ، وَلِرَسُولِهِ ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ " ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَبِي ذَرٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ : النُّصْحُ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدِي هُوَ : فِعْلُ الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ الصَّلاحُ وَالْمُلائمَةُ ، مَأْخُوذٌ مِنَ النَّصَاحَةِ ، وَهِيَ السُّلُوكُ الَّذِي يُخَاطُ بِهَا ، وَتَصْغِيرُهَا نُصَيْحَةٌ , يَقُولُ الْعَرَبُ : هَذَا قَمِيصٌ مَنْصُوحٌ أَيْ : مَخِيطٌ ، وَنَصَحْتُهُ أَنْصَحُهُ نُصْحًا إِذَا خِطْتُهُ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتِ النُّصْحُ فِي الأَشْيَاءِ لاخْتِلافِ أَحْوَالِ الأَشْيَاءِ : فَالنُّصْحُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ : وَصْفُهُ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، وَتَنْزِيهُهُ عَمَّا هُوَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لَهُ عَقْدًا وَقَوْلا ، وَالْقِيَامُ بِتَعْظِيمِهِ ، وَالْخُضُوعُ لَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَالرَّغْبَةُ فِي مَحَابِّهِ ، وَالْبُعْدُ مِنْ مَسَاخِطِهِ ، وَمُوَالاةُ مَنْ أَطَاعَهُ ، وَمُعَادَاةُ مَنْ عَصَاهُ ، وَالْجِهَادُ فِي رَدِّ الْعَاصِينَ إِلَى طَاعَتِهِ قَوْلا وَفِعْلا . وَإِرَادَةُ النَّصِيحَةِ لِكِتَابِهِ : إِقَامَتُهُ فِي التِّلاوَةِ ، وَتَحْسِينُهُ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ ، وَتَفَهُّمُ مَا فِيهِ وَاسْتِعْمَالُهُ ، وَالذَّبُّ عَنْهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْمُحَرِّفِينَ ، وَطَعْنِ الطَّاعِنِينَ . وَالنَّصِيحَةُ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مُؤَازَرَتُهُ وَنُصْرَتُهُ ، وَالْحِمَايَةُ مِنْ ذَوِيهِ حَيًّا وَمَيِّتًا ، وَإِحْيَاءُ سُنَّتِهِ بِالطَّلَبِ ، وَإِحْيَاءُ طَرِيقَتِهِ فِي بَثِّ الدَّعْوَةِ ، وَتَأْلِيفِ الْكَلِمَةِ ، وَالتَّخَلُّقُ بِأَخْلاقِهِ الظَّاهِرَةِ . وَالنَّصِيحَةُ لِلأَئِمَّةِ : مُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى مَا تَكَلَّفُوا الْقِيَامَ بِهِ ، وَفِي بَعْضُ النُّسَخِ " عَلَى مَا تَكَلَّفُوا الْقِيَامَ بِهِ " فِي تَنْبِيهِهِمْ عِنْدَ الْغَفْلَةِ ، وَتَقْوِيمِهِمْ عِنْدَ الْهَفْوَةِ ، وَسَدِّ خَلَّتِهِمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَنُصْرَتِهِمْ فِي جَمِيعِ الْكَلِمَةِ عَلَيْهِمْ ، وَرَدِّ الْقُلُوبِ النَّاضِرَةِ إِلَيْهِمْ . وَالنَّصِيحَةُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ : الشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ ، وَتَوْقِيرُ كَبِيرِهِمْ ، وَرَحْمَةُ صَغِيرِهِمْ ، وَتَفْرِيجُ كُرَبِهِمْ ، وَالسَّعْيُ فِيمَا يَعُودُ عَلَيْهِمْ فِي الآجِلِ ، وَدَعْوَتُهُمْ إِلَى مَا يُسْعِدُهُمْ ، وَتَوَقِّي مَا يَشْغَلُ خَوَاطِرَهُمْ ، وَفَتَحَ بَابَ الْوَسَاوِسِ عَلَيْهِمِ ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ حَقًّا وَحَسَنًا ، وَمِنَ النَّصِيحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ رَفْعُ مُؤْنَةِ بَدَنِهِ وَنَفْسِهِ وَحَوَائِجِهِ عَنْهُمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ ح نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ ، قَالَ . ح أَبُو عِيسَى ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نَبْهَانَ بْنِ صَفْوَانَ الثَّقَفِيُّ الْبَصْرِيُّ ، قَالَ . ح رَوْحُ بْنُ أَسْلَمَ قَالَ : حَدَّثَنَا شَدَّادٌ أَبُو طَلْحَةَ الرَّاسِبِيُّ ، عَنْ أَبِي الْوَازِعِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " انْظُرْ مَا تَقُولُ " ، قَالَ : وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، قَالَ : " إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا ، فَإِنَّ الْفَقْرَ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنَ السَّيْلِ إِلَى مُنْتَهَاهُ " ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا " أَيْ : إِنَّكَ ادَّعَيْتَ دَعْوَةً كَبِيرَةً ، وَمَنِ ادَّعَى شَيْئًا طُولِبَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّكَ مُطَالَبٌ بِصِحَّةِ دَعْوَاكَ بِالاخْتِبَارِ لَكَ بِالصَّبْرِ تَحْتَ أَثْقَالِ الْفَقْرِ ، وَتَحَمُّلِ مَكْرُوهِهِ ، وَتَجَرُّعِ غَصَصِهِ ، فَاسْتَعِدَّ لِذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ : " انْظُرْ مَا تَقُولُ " ، كَأَنَّهُ يُنَبِّهُهُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ مَحَبَّتِهِ إِيَّاهُ ، أَنَّهُ أَمْرٌ لَهُ غَوْرٌ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِهَيِّنٍ ، وَعَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ إِنَّمَا يَقُولُ مَا يَقُولُ مِنْ غَفْلَةٍ لِعِظَمِ مَا ادَّعَاهُ ، وَحُسْبَانٍ مِنْهُ ، وَسَلامَةِ صَدْرٍ ، وَلَيْسَ يَقُولُهُ عَلَى التَّيَقُّظِ وَالْعِلْمِ وَتَحَقُّقِ مَعْنَاهُ . أَلا تَرَى أَنَّ فِي الحديث " أَنَّ رَجُلا أَتَاهُ " دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِلْيَةِ أَصْحَابِهِ ، وَمِنَ الَّذِينَ لَهُمْ فَضْلُ الْعِلْمِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ الْعَارِفُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا " تَنْبِيهًا لَهُ وَحَثًّا عَلَى الْعَمَلِ ، وَاسْتِعْدَادًا لِفَقْرِ يَوْمِ الْحِسَابِ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ : لا تَتَّكِلْ عَلَى ذَلِكَ ، وَاعْمَلْ كَيْ لا تَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ لَكَ عَمَلٌ ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا فَاطِمَةُ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! اشْتَرِي نَفْسَكِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنِّي لا أَمْلِكُ لَكِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى شَيْئًا ، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرِي نَفْسَكِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنِّي لا أَمْلِكُ لَكِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى شَيْئًا " ، حَثًّا لَهُمْ عَلَى الْعَمَلِ ، وَتَرْكِ التَّفْرِيطِ فِيهِ ، اتِّكَالا عَلَى قُرْبِ النَّسَبِ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَلِمَ مِنَ الرَّجُلِ نَظَرًا إِلَى نَفْسِهِ ، وَإِلَى أَوْصَافِهَا بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ فَصَرَفَهُ عَنْ نَظَرِهِ إِلَى أَوْصَافِهِ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ وَالاتِّكَالِ عَلَيْهَا ، وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْ دَعَاهُ إِلَى عَمَلٍ لِفَقْرِ يَوْمِ الْحِسَابِ ، وَعَمَلُهُ صِفَتُهُ ، فَإِنَّهُ دَعَاهُ إِلَيْهِ جِدًّا وَاجْتِهَادًا ، فَقَدْ دَعَاهُ عَنْهُ اتِّكَالا عَلَيْهِ ، وَسُكُونًا إِلَيْهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ فَقْرَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا " ، وَالتِّجْفَافُ إِنَّمَا يَكُونُ لِرَدِّ الشَّيْءِ ، وَالْحَوْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَكَ ، وَفَقْرُ الدُّنْيَا لِمَنْ أَحَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَائِزَةٌ مِنَ اللَّهِ وَعَطَاءٌ ، وَعَطَاءُ اللَّهِ وَجَائِزَتُهُ لا تُرَدُّ ، فَدَلَّ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا " أَيْ لِفَقْرِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِيَصْرِفَهُ عَنْكَ ، أَوْ يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ الْفَقْرَ الَّذِي هُوَ قِلَّةُ الْمَالِ ، وَالضُّرُّ ، وَعَدَمُ الْمَرَافِقِ ، وَهُوَ الْفَقْرُ الْمَعْرُوفُ ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا " أَيْ تِجْفَافًا تَصُونُهُ بِهِ ، وَتَدْفَعُ عَنْهُ مَا يَقْدَحُ فِيهِ مِنَ الْجَذَعِ فِيهِ ، وَالنَّكِرَةِ لَهُ ، وَالتَّشَوُّقِ لِمُرَادَتِهِ ، فَإِنَّ الْفَقْرَ جَائِزَةُ اللَّهِ لِمَنْ أَحَبَّنِي ، وَخِلْعَتُهُ عَلَيْهِ ، وَبِرُّهُ بِهِ ، وَإِكْرَامُهُ لَهُ ، وَتُحْفَتُهُ إِيَّاهُ ، وَجَزِيلُ الثَّوَابِ مِنْهُ عَلَى جَلِيلِ قَدْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ عِنْدَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفَقْرَ زِيُّ أَنْبِيَائِهِ ، وَحِلْيَةُ أَوْلِيَائِهِ ، وَزِينَةُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَشِعَارُ الصَّالِحِينَ ، فَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهُ : " إِنَّ هَذَا كَائِنٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " ، فَاسْتَعِدَّ لِقَبُولِهِ ، وَالاسْتِقْبَالِ لَهُ ، وَالاسْتِعْدَاد لِدَفْعِ مَا يَقْدَحُ فِيهِ مِنَ الصَّبْرِ فِيهِ ، وَالشُّكْرِ عَلَيْهِ ، وَالصَّوْنِ لَهُ ، وَالدَّفْعِ عَنْهُ تَعْظِيمًا لَهُ ، وَإِجْلالا لِقَدْرِهِ ، فَكَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ وَإِنْ ذَكَرَ الْفَقْرَ مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الْمَكَارِهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ خُصُوصَ الْفَقْرِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الإِمْلاكِ ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ الْمَكَارِهِ وَأَنْوَاعَ الْمِحَنِ وَالْبَلايَا ، لأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدًا صَبَّ عَلَيْهِ الْبَلاءَ صَبًّا ، وَسَحَّهُ عَلَيْهِ سَحًّا " ، وَمَنْ أَحَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَحَبَّهُ اللَّهُ ، فَالْمُرَادُ مِنَ الْفَقْرِ الْمَكَارِهُ وَالْبَلايَا مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ خُصُوصَ الْفَقْرِ ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ عَظِيمِ الْمَكَارِهِ ، وَجَلِيلِ الْبَلايَا عَبَّرَ عَنِ الْبَلاءِ وَالْمَكْرُوهِ بِهِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأَجِلَّةَ مِنْهُمْ وَالْكِبَارَ لَمْ يَكُونُوا مَخْصُوصِينَ بِالْفَقْرِ ، وَعَدَمِ الإِمْلاكِ ، وَلَمْ يَكُونُوا مَجَانِبِينَ مِنَ الْبَلايَا الْعِظَامِ ، وَالْمَكَارِهِ الشِّدَادِ .
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : " تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَوْ نَزَلَ بِالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ مَا نَزَلَ بِأَبِي لَهَا هَيَّضَهَا " ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ . ح الْمَدَائِنِيُّ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ رَوْحٌ ، قَالَ . ح ابْنُ شَبَابَةَ ، قَالَ . ح عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : الْحَدِيثَ وَقُتِلَ عُمَرُ ، وَحُوصِرَ عُثْمَانُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَذُبِحَ ، وَلَقِيَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، مَا لَقِيَ ، وَكَأَنَّهُ كَانَ مَخْصُوصًا بِالْبَلاءِ مُرَادًا بِهِ أَكْثَرَ عُمْرِهِ ، وَلَقِيَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَا لَقِيَتْ بِالْجَمَلِ ، وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قُتِلا ، وَتُوُفِّيَ أَبُو ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَحِيدًا فَرِيدًا ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أُضْنِيَ عَلَى سَرِيرٍ مَنْقُوبٍ ثَلاثِينَ سَنَةً ، وَخَبَّابٌ مَرِضَ مَرَضًا طَالَتْ مُدَّتُهُ فِيهَا ، حَتَّى اكْتَوَى سَبْعًا فِي بَطْنِهِ ، وَكَذَلِكَ عَامَّةُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَقُوا مِنَ الْبَلايَا وَالشَّدَائِدِ أَنْوَاعًا ، وَهَؤُلاءِ هُمُ الْمَخْصُوصُونَ بِشِدَّةِ الْمَحَبَّةِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يُبْتَلَوْا كُلُّهُمْ بِالْفَقْرِ خَاصَّةً ، وَلَكِنْ بِأَنْوَاعِ الْبَلايَا ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذِكْرِ الْبَلايَا خَبَرٌ آخَرُ .
قَالَ . ح أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ . ح عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكَشْوَرِيُّ الصَّنْعَانِيُّ ، قَالَ . ح عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْعَبْدِيُّ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَافَقَهُ مُغْتَمًّا ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ مَا هَذَا الْغَمُّ الَّذِي أَرَاهُ فِي وَجْهِكَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ أَصَابَهُمَا عَيْنٌ " ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ صَدِّقْ بِالْعَيْنِ ، فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ " ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْعَيْنِ : الْعَيْنَ الَّتِي يَجْرِي مِنْهَا الأَحْكَامُ وَالأُمُورُ فِي الْخَلْقِ ، وَهُوَ الْقَضَاءُ الْقَدِيمُ ، وَالْقَدَرُ السَّابِقُ ، وَالْكِتَابُ الأَوَّلُ الَّذِي بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ مَا حَكَمَ فِي خَلْقِهِ ، وَعَلَى عِبَادِهِ مِنَ الْمَكَارِهِ ، وَالْمَحَابِّ ، وَالآلامِ ، وَالْمَلاذِّ ، وَمَا يَعْمَلُونَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَسَائِرِ أَحْوَالِهِمْ ، وَمَا قُضِيَ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدِّقْ ، وَتَحَقَّقْ بِأَنَّ الَّذِي أَصَابَهُمَا بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ لَمْ يَحْدُثْ فِي الْوَقْتِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ قَالَ لَهُ : أَرَأَيْتَ مَا نَعْمَلُ فِيهِ , أَنَعْمَلُ عَلَى أَمْرٍ مُؤْتَنَفٍ ، أَوْ أَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " عَلَى أَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ " ، فَكَذَلِكَ قَوْلُ جِبْرِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلامُهُ لَهُ : صَدِّقْ بِالْعَيْنِ ، يَعْنِي : صَدِّقِ الْقَدَرَ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : صَدِّقْ بِالْقَدَرِ كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ : أَنْتَ مُصَدِّقٌ بِالْقَدَرِ ، فَمَا هَذَا الْحُزْنُ الَّذِي ظَهَرَ فِيكَ ، وَلَيْسَ عَلَى أَنْ يَأْمُرَهُ بِأَمْرٍ لَمْ يَكُنْ هُوَ فِيهِ ، وَهَذَا كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِمَنْ يَعْمَلُ عَمَلا ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُ ذِكْرُ شَيْءٍ فَيَقُولُ لَهُ : اعْمَلْ عَمَلَكَ ، وَلا يُهِمَّنَّكَ هَذَا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : صَدِّقْ بِالْقَدَرِ الَّذِي أَنْتَ بِهِ مُصَدِّقٌ ، وَلا يُهِمَّنَّكَ أَمْرُ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَافِيهِمَا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَصَابَهُمَا عَيْنٌ " ، هِيَ الآفَةُ الَّتِي تُصِيبُ الإِنْسَانَ عِنْدَ اسْتِحْسَانِ أَحَدٍ شَيْئًا مِنْ فِعْلِهِ ، أَوْ نَفْسِهِ ، أَوْ بَدَنِهِ ، فَيُصِيبُهُ عِلَّةٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَذَلِكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ ، لا أَنْ يُحْدِثَ النَّاظِرُ فِي الْمَنْظُورِ إِلَيْهِ فِعْلا ، فَإِنَّ الْمُحْدِثَ لا يَفْعَلُ فِي غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ فِي نَفْسِهِ ، وَمَحَلِّ قُدْرَتِهِ ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ : صَدِّقْ بِتِلْكَ الْعَيْنِ الَّتِي هِيَ الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ فَإِنَّهَا حَقٌّ ، وَهَذِهِ الآفَةُ وَالْعِلَّةُ تَزُولُ عَنْهُمَا ، وَعَوِّذْهُمَا بِكَذَا ، وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ تَسْكِينًا لِقُلُوبِ الْعِبَادِ ، وَتَحْقِيقًا أَنَّ الَّذِي أَصَابَ الْمُعَيَّنَ إِنَّمَا أَصَابَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، أَلا يَرَى أَنَّهُ قَالَ : عَوِّذْ بِاللَّهِ تَعَالَى ! وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : إِنَّ الْعَيْنَ دَاءٌ كَانَتِ الْعَرَبُ تُعْرِضُهَا ، وَعْلَةٌ كَانَتْ تُسَمَّى عَيْنًا ، وَلِذَلِكَ قَالَ : " إِنَّ الْعَيْنَ تُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ ، وَالْجَمَلَ الْقِدْرَ " ، أَيْ هَذَا الدَّاءُ يَقْتُلُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ النَّاظِرَ إِذَا نَظَرَ إِلَى شَيْءٍ فَاسْتَحْسَنَهُ ، حَتَّى شُغِلَ بِهِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى رُؤْيَةِ صُنْعِهِ ، أَحْدَثَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَنْظُورِ عِلَّةً ، وَيَكُونُ نَظَرُ ذَلِكَ النَّاظِرِ سَبَبَهَا ، فَيُؤَاخِذُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِجِنَايَتِهِ بِنَظَرِهِ إِلَيْهِ عَلَى غَفْلَةٍ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي فَعَلَهَا بِهِ ، وَهَذَا كَالضَّرْبِ مِنَ الضَّارِبِ بِالسَّيْفِ ، فَيُحْدِثُ اللَّهُ تَعَالَى الْجِرَاحَةَ فِي الْمَضْرُوبِ ، وَالأَلَمَ فِيهِ ، أَوْ خُرُوجَ الرُّوحِ عَلَى أَثَرِهِ ، وَيَكُونُ هُوَ الْقَاتِلُ وَالْجَارِحُ ، وَإِنْ كَانَ مَوْتُ الْمَضْرُوبِ وَأَلَمُهُ فِعْلَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَيْسَ بِفِعْلِ الضَّارِبِ ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الضَّارِبُ مَنْهِيًّا عَنِ الضَّرْبِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَحِقَهُ الْوَعِيدُ الَّذِي أَوْعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ ، وَاسْتَحَقَّهُ بِجِنَايَتِهِ ، وَهُوَ الضَّرْبُ ، فَكَذَلِكَ النَّاظِرُ مَنْهِيٌّ عَنْ نَظَرِهِ إِلَى الشَّيْءِ مِنَ الأَشْيَاءِ عَلَى غَفْلَةٍ وَنِسْيَانِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَكَانَتْ هَذِهِ جِنَايَتُهُ ، فَيَجُوزُ أَنْ يُحْدِثَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَنْظُورِ عِلَّةً يُؤْخَذُ النَّاظِرُ بِجِنَايَتِهَا ، وَذَلِكَ بَقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ ، يُبَيِّنُكَ هَذَا أَنَّ النَّظَرَ عَلَى الْغَفْلَةِ أَثَّرَ فِي الْمَنْظُورِ ، فَكَيْفَ لا يُؤَثِّرُ فِي النَّاظِرِ مِنَ الْوَعِيدِ ؟ وَاللَّهُ الْهَادِي .
قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ . ح إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، قَالَ . ح سَعِيدُ بْنُ سَلامٍ الْعَطَّارُ الأَعْوَرُ ، قَالَ . ح ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ الشَّامِيُّ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، رَفَعَهُ فَقَالَ : " اسْتَعِينُوا عَلَى نَجَاحِ الْحَوَائِجِ بِالْكِتْمَانِ ، فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ " ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الزَّاهِدُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ اكْتُمُوا حَوَائِجَكُمْ ، وَلا تَرْفَعُوهَا إِلَى النَّاسِ ، فَإِنَّكُمْ إِنْ رَفَعْتُمُوهَا إِلَيْهِمْ رُبَّمَا يَكُونُ الْمَرْفُوعُ إِلَيْهِ بَعْضَ حُسَّادِكِمْ ، فَلا يُحِبُّ قَضَاءَ الْحَاجَةِ لَكُمْ ، فَيَحْسُدُكُمْ عَلَى نِعْمَةِ الْقَضَاءِ ، فَيَمْتَنِعُ عَنْهُ ، أَوْ يَحْسُدُكُمْ عَلَى النِّعْمَةِ بِأَنْ لا تَكُونُوا مُحْتَاجِينَ ، فَإِذَا أَظْهَرْتُمْ حَاجَتَكُمْ شَمَتَ بِكُمْ ، وَانْتَظِرُوا الْفَرَجَ ، وَنَجَاحَ الْحَاجَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ قَضَاءَهَا لَكُمْ إِذَا كُنْتُمْ إِلَيْهِ مُنْقَطِعِينَ ، وَبِقَضَائِهِ رَاضِينَ ، وَعَلَى كِتْمَانِ حَوَائِجِكُمْ وَضَرُورَاتِكُمْ صَابِرِينَ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " اسْتَعِينُوا عَلَى نَجَاحِ الْحَوَائِجِ بِالْكِتْمَانِ " أَيِ : اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَجَاحِ الْحَوَائِجِ فِي حَالِ الْكِتْمَانِ لَهَا ، أَيْ كُونُوا لَهَا كَاتِمِينَ ، وَاسْتَعِينُوا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَجَاحِهَا ، وَيَكُونُ الْبَاءُ الْمَوْصُولَةَ بِالْكِتْمَانِ بِمَعْنَى " فِي " كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ سورة البقرة آية 153 أَيِ : اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ تَعَالَى فِي حَالِ الصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ، أَيِ : اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ ، وَكُونُوا صَابِرِينَ مُصَلِّينَ ، وَكَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَارَ إِلَى الصَّبْرِ وَالْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا ، فَإِنَّ كِتْمَانَ الْحَاجَةِ مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ رَاضِيًا فَلا يَرْضَى عَنْهُ حَوْلا رِضًا مِنْهُ بِقَضَاءِ رَبِّهِ ، أَوْ يَكُونَ قَانِعًا سَهْلٌ عَلَيْهِ تَحَمُّلُ الأَلَمِ فِيهِ ، لأَنَّهُ اخْتِيَارُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ ، أَوْ صَابِرًا يَتَجَرَّعُ غُصَصَهُ رَجَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمَنْ كَانَتْ إِحْدَى هَذِهِ الْخِصَالِ فِيهِ فَإِنَّهُ يَقْضِي لَهُ حَاجَتَهُ ، لأَنَّهَا مِنْ خِصَالِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ ، بَلْ يَكُونُ حَاجَتُهُ مَقْضِيَّةً ، لأَنَّ الرَّاضِيَ إِنَّمَا يُرِيدُ مُوَافَقَةَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ أَصَابَهَا فِي رِضَاهُ ، وَالْقَانِعَ إِنَّمَا يُرِيدُ مَا اخْتَارَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ، وَقَدْ أَصَابَ مَا اخْتَارَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فِي قَنَاعَتِهِ ، وَالصَّابِرُ إِنَّمَا يُرِيدُ ثَوَابَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ أَصَابَهُ فِي صَبْرِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ سورة الزمر آية 10 . وَكُلُّ هَذِهِ الأَحْوَالِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى جَلِيلَةٌ عَلَى عِبَادِهِ ، وَهُمْ عَلَيْهَا مَحْسُودُونَ مِنَ الْعَدُوِّ وَالْوَلِيِّ ، أَمَا الْعَدُوُّ يُرِيدُ زَوَالَهَا عَنْهُ ، فَيَكْبِتُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِإِدَامَتِهَا لِلْمَحْسُودِ ، وَأَمَّا الْوَلِيُّ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّاهَا لِنَفْسِهِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ " .
قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ سِبَاعِ بْنِ الْوَضَّاحِ الْخَطِيبُ ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ الضَّوْءِ ، قَالَ . ح عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَ . ح خَالِدُ بْنُ الْعَلاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، قَالَ : سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً ؟ قَالَ : " الأَنْبِيَاءُ ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ ، ثُمَّ يُبْتَلَى النَّاسُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِمْ ، فَمَنْ ثَخُنَ دِينُهُ ثَخُنَ بَلاؤُهُ ، وَمَنْ ضَعُفَ دِينُهُ ضَعُفَ بَلاؤُهُ " ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الْعَارِفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَكْثَرُ الْبَلاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ : سَلْبِ الْمَحْبُوبِ ، وَحَمْلِ الْمَكْرُوهِ ، وَالْمَحْبُوبَاتُ مَسْكُونٌ إِلَيْهَا ، وَمَنْ سَاكَنَ شَيْئًا شُغِلَ بِهِ ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ ، وَالْمَكَارِهُ مَهْرُوبٌ مِنْهَا ، وَمَنْ هَرَبَ مِنْ شَيْءٍ أَدْبَرَ عَنْهُ ، وَالأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ، وَالأَمْثَلُونَ أَحِبَّاءُ اللَّهِ ، فَاللَّهُ حَبِيبُهُمْ ، وَالْحَبِيبُ يُحِبُّ مُوَاجَهَةَ حَبِيبِهِ لَهُ بِوَجْهِهِ ، وَإِقْبَالَهُ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ ، فَيَسْلُبُهُمُ الْمَحْبُوبَاتِ وَالْمَلاذَّ لِيَصْرِفَ بِوُجُوهِهِمْ إِلَيْهِ ، وَيُقْبِلَ بِقُلُوبِهِمْ عَلَيْهِ ، وَيُحَمِّلُهُمُ الْمَكَارِهَ لِيَهْرَبُوا مِنْهَا إِلَيْهِ ، فَيُدْبِرُوا مِنَ الأَشْيَاءِ ، وَيُقْبِلُوا عَلَيْهِ ، فَإِذَا أَقْبَلُوا عَلَيْهِ أَبْلاهُمْ بِهِ .
وَقَالَتْ : وَقَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ " ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى " حِسَانِ الْوُجُوهِ " أَيِ الَّذِينَ وُجُوهُهُمْ طَلْقَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ بَسْطَةٌ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ صُدُورِهِمْ ، وَحُسْنِ أَخْلاقِهِمْ ، وَتَحَرِّيهِمْ مَسَرَّةَ النَّاسِ ، وَمَنِ اتَّسَعَ صَدْرُهُ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْحَاجَةِ لأَخِيهِ ، وَمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ اسْتَحْيَا مِنَ الرَّدِّ ، وَمَنِ اتَّسَعَ صَدْرُهُ يَسْخُو بِمَا فِي يَدَيْهِ ، فَإِنَّ الْبُخْلَ مِنْ ضِيقِ الصَّدْرِ ، لأَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى مَا يُطْلَبُ مِنْهُ فَيَتَمَسَّكُ بِهِ ضَنًّا بِهِ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ لِضِيقِ صَدْرِهِ عَنْ تَحَمُّلِ الْخَصَاصَةِ إِنْ دُفِعَ إِلَيْهَا ، وَمَنْ تَحَرَّى مَسَرَّةَ النَّاسِ يَتَسَارَعُ إِلَى قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ ، لأَنَّ طَلاقَةَ وَجْهِهِ وَبَسْطَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ مَسَرَّةَ النَّاسِ ، وَيَطْلُبُ مَحَابَّهُمْ ، وَقَضَاءُ حَوَائِجِهِمْ مَسَرَّتَهُمْ وَمَحَابَّهُمْ . الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا ذُكِرَ فِي الحديث " مَحَاسِنِ الأَخْلاقِ " وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : " اطْلُبُوا الْحَوَائِجَ عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ " ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : اطْلُبُوا الْحَوَائِجَ إِلَى اللَّهِ وَكُونُوا عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ أَيْ : وُجُوهَ أَحْوَالِهِمْ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ : خَالِطُوا الَّذِينَ حَسُنَتْ أَحْوَالُهُمْ فِي مُعَامَلَتِهِمْ لِلَّهِ فِي قَضَاءِ فُرُوضِهِ ، وَاجْتِنَابِ مَنَاهِيهِ ، وَقَبُولِ أَحْكَامِهِ ، وَحُسْنِ مُعَامَلَتِهِمْ عِبَادَ رَبِّهِمْ فِي تَحَمُّلِ أَذَاهُمْ ، وَطَلَبِ مَحَابِّهِمْ ، وَكَفِّ الأَذَى عَنْهُمْ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ : كُونُوا عِنْدَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ سورة التوبة آية 119 ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَطْعِمُوا طَعَامَكُمُ الأَبْرَارَ " كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْخُلْطَةَ أَيْ : خَالِطُوا الأَبْرَارَ مِنَ النَّاسِ ، وَكُونُوا مَعَهُمْ . يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خَالِطُوا الْحُكَمَاءَ " ، فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اطْلُبُوا الْحَوَائِجَ عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ " أَيِ : اطْلُبُوا الْحَوَائِجَ مِنَ اللَّهِ وَكُونُوا عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ ، أَيْ : كُونُوا مَعَ الصَّالِحِينَ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ " أَيْ : جَمِيلُ الأَفْضَالِ بِكُمْ ، حَسَنُ النَّظَرِ لَكُمْ ، مُرِيدٌ لِصَلاحِكُمْ ، جَمِيلُ الْمُعَامَلَةِ مَعَكُمْ ، يَرْضَى بِالْقَلِيلِ ، وَيُثِيبُ عَلَيْهِ الْجَزِيلَ ، وَيَقْبَلُ الْحَسَنَاتِ الْمَدْخُولَ عَلَيْهَا ، وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ الْمَسْكُونِ إِلَيْهَا ، يُكَلِّفُكُمُ الْيَسِيرَ وَيُعِينُكُمْ عَلَيْهِ ، وَيُعْطِيكُمُ الْجَزِيلَ ، وَيَشْكُرُكُمْ عَلَيْهِ ، وَلا يَمُنُّ عَلَيْكُمْ ، وَتَعْطُونَ الْقَلِيلَ وَيَشْكُرُكُمْ ، فَهُوَ يُحِبُّ الْجَمَالَ مِنْكُمْ أَيِ : التَّجَمُّلَ مِنْكُمْ فِي قِلَّةِ إِظْهَارِ الْحَاجَةِ إِلَى غَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ قَامَ لَكُمْ بِهَا ، وَمَا زُوِيَ عَنْكُمْ زَوَاهَا نَظَرًا لَكُمْ ، وَإِرَادَةَ الْخَيْرِ بِكُمْ ، فَتَجَمَّلُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ ، وَلا تَشْكُوهُ إِلَى غَيْرِهِ بِإِظْهَارِ حَوَائِجِكُمْ ، فَهُوَ جَمِيلُ الْفِعْلِ بَيْنَكُمْ ، يُحِبُّ التَّجَمُّلَ مِنْكُمْ , وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ " أَنَّهُ جَمِيلُ الْفِعْلِ ، أَيْ يَخْلُقُهُ كَمَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ قَضَاءُ حَاجَاتِ الْخَلْقِ ، فَيُحِبُّ مِنْكُمْ هَذِهِ الصِّفَةَ أَيْ : يُحِبُّ مِنْكُمْ قَضَاءَ حَوَائِجِ إِخْوَانِكُمْ ، وَهُوَ الْجَمَالُ ، وَبِهِ الْجَمَالُ لَكُمْ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " اطْلُبُوا الْحَوَائِجَ إِلَى حِسَانِ الْوُجُوهِ " أَيِ : اطْلُبُوا حَوَائِجَكُمْ عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ وُجُوهِ إِخْوَانِكُمْ ، أَيْ : إِذَا كُنْتُمْ عِنْدَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ بِالْحُبِّ لَهُمْ ، وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلاقِهِمْ ، شُكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ لَكُمْ فَقَضَى حَوَائِجَكُمْ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا ، وَتَرُوحُ بِطَانًا " وَكَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هُمْ قَوْمٌ لا يَشْقَى جَلِيسُهُمْ " .
قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ ، قَالَ . ح أَبُو عِيسَى ، قَالَ . ح قُتَيْبَةَ ، قَالَ . ح عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " لا تَصْحَبُ الْمَلائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلا جَرَسٌ " ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَدْ وَرَدَ الْخَبَرُ بِأَنَّ جِبْرِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّا لا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ " أَمَّا الْكِلابُ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَسْتَقْذِرُهَا الْمَلائِكَةُ ، وَهِيَ أَعْنِي : الْكِلابَ الْمُؤْذِيَةَ لِلنَّاسِ ، وَلَيْسَ فِي إِمْسَاكِهَا فَائِدَةٌ إِلا لِمَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ ، فَمَا كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، فَإِنَّ إِمْسَاكَهَا مَعَ قَذَرِهَا وَنَجَاسَتِهَا مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَكَذَلِكَ الصُّورَةُ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " مَنْ صَوَّرَ صُورَةً ، كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ ، وَلَيْسَ بِفَاعِلٍ " ، وَفِيهَا إِخْفَاءٌ ، لأَنَّ فِيهَا مُنَازَعَةَ اللَّهِ تَعَالَى ، إِذِ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ الْمُصَوِّرُ ، وَفِيهَا إِخْبَارٌ فِي التَّشْدِيدِ مِنَ الْوَعِيدِ ، وَهِيَ مَعْصِيَةٌ عَظِيمَةٌ ، فَيَكُونُ تَخَلُّفُ الْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنِ الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ كَلْبٌ وَصُورَةٌ لأَجَلٍ مَعْصِيَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ وَالْجَرَسُ إِنَّمَا يُعَلَّقُ عَلَى أَعْنَاقِ الْجَمَالِ وَالدَّوَابِّ لِلرِّعَايَةِ وَالْحِفْظِ لِيُعْرَفَ بِهَا سَيْرُهَا وَوُقُوفُهَا ، وَعُدُولُهَا عَنِ الطَّرِيقِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً ، أَوْ سَيْرُهَا عَلَى سُنَنِ الطَّرِيقِ ، وَقَدْ يَسْكُنُ قُلُوبُ الرُّفْقَةِ إِلَيْهَا مَا دَامُوا يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ ، وَيَتَّكِلُونَ عَلَى ذَلِكَ ، وَيَسْكُنُونَ إِلَيْهِ ، وَالْمَلائِكَةُ حَفَظَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الأَوْقَاتِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ سورة الرعد آية 11 ، إِنِ اسْتَخْفَى السَّائِرُ بِاللَّيْلِ ، أَوْ ظَهَرَ سَائِرٌ بِالنَّهَارِ ، فَإِذَا اطْمَأَنَّتْ قُلُوبُ الرُّفْقَةِ ، وَسَكَنَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَى صَوْتِ الْجَرَسِ فِي الْحِفْظِ لَهُمْ فِي سَيْرِ الْجَمَالِ وَالدَّوَابِّ ، انْقَطَعَتْ بِقَدْرِ سُكُونِهَا إِلَيْهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَكِلُهُمْ إِلَى مَا تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ وَيَصْرِفُ عَنْهُمْ حَفَظَتَهُ ، إِذَا اتَّخَذُوا لَهُمْ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ حَفَظَةً . وَالْجَرَسُ لَيْسَ كَسَائِرِ الأَسْبَابِ الَّتِي يَتَّخِذُهَا النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ فِيهَا حَاجِزًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الآفَاتِ كَالأَبْوَابِ وَالْمَغَالِيقِ وَالأَوْكِيَةِ ، فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا يَتَّخِذُهَا النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ فِيهَا فَوَائِدُ أُخْرَى سِوَى التَّحَرُّزِ بِهَا عَنِ الآفَاتِ ، وَلَيْسَ الْجَرَسُ كَذَلِكَ ، لأَنَّ هَذِهِ الْفَائِدَةَ الَّتِي اتَّخَذَهَا النَّاسُ لَهَا إِنْ زَالَتْ عَنْهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مَعْنًى غَيْرَ التَّلَهِّي بِصَوْتِهِ لِمَنِ اسْتَلَذَّهُ ، وَالَّذِي يَسْتَلِذُّهُ فَلَيْسَ بِلَبِيبٍ .
قَالَ : ح حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ ، قَالَ . ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ . ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ، قَالَ . ح ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَعْتَقْتُ أَرْبَعِينَ مُحَرَّرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، قَالَ : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَبَقَ إِلَيْكَ مِنْ خَيْرٍ " ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الْعَارِفُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَبَقَ لَكَ " ، أَيْ : أَنَّ ذَلِكَ مُسَابَقَةُ خَيْرٍ لَكَ إِلَى مَا بَعْدَهُ مِنْ إِسْلامِكَ ، فَتُثَابُ عَلَى مَا سَبَقَ لَكَ مِنْ ذَلِكَ الْخَيْرِ ، وَيُجْمَعُ لَكَ ذَلِكَ إِلَى مَا تَعْمَلُهُ فِي الإِسْلامِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ : " أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ خَيْرٍ " أَيْ : بِبَرَكَةِ تِلْكَ الْمُسَابَقَةِ مِنَ الْخَيْرِ هَدَاكَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الإِيمَانِ وَالإِسْلامِ لَهُ ، فَيَكُونُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ خَيْرٌ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلا عَلَى سَعَادَةٍ قَدُمَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِنَّ عَاقِبَةَ مَنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ وَخَيْرٌ ، وَخُلُقٌ حَسَنٌ وَفِعْلٌ جَمِيلٌ يَكُونُ إِلَى خَيْرٍ .
قَالَ : حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ ، قَالَ . ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ . ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ، قَالَ . ح ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ نُورِ ذَلِكَ الْيَوْمِ شَيْءٌ فَقَدِ اهْتَدَى ، وَمَنْ أَخْطَأَهُ فَقَدْ ضَلَّ " ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : فَمِنْ ثَمَّ أَقُولُ : جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الَّتِي تَجْرِي مِنْهَا الأَحْكَامُ وَالأُمُورُ فِي الْخَلْقِ ، وَهُوَ الْقَضَاءُ الْقَدِيمُ . قَوْلُهُ : " خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ " أَيْ : جُهَّالا عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَعَبَّرَ عَنِ الْجَهْلِ بِالظُّلْمَةِ ، أَيْ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَهْتَدُونَ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ مِنْ حَيْثُ هُمْ ، لأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ لا تُدْرِكُ الرُّبُوبِيَّةَ ، لأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنَ الأَشْيَاءِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَوَاسِّ ، أَوْ يُدْرِكُهُ الأَوْهَامُ ، وَاللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا ، إِذًا فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَعْرِفَ اللَّهَ مِنْ حَيْثُ الْعَبْدُ ، وَإِنَّمَا يَعْرِفُهُ بِإِحْدَاثِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِهِ ، وَيَتَعَرَّفُ إِلَيْهِ فَيَعْرِفُهُ حِينَئِذٍ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ " أَيْ : هَدَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ ، فَعَبَّرَ عَنِ الْهِدَايَةِ بِالنُّورِ ، أَلا تَرَاهُ يَقُولُ : " فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ نُورِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَقَدِ اهْتَدَى " ، أَخْبَرَ أَنَّهُ لا يَهْتَدِي إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِلا بِاللَّهِ تَعَالَى ، وَالدَّلائِلُ وَالأَعْلامُ الَّتِي فِي الأَقْطَارِ وَالأَنْفُسِ لإِلْزَامِ الْحُجَّةِ ، وَلَيْسَتْ بِأَسْبَابٍ لِلْهِدَايَةِ بِمُجَرَّدِهَا ، وَلَوْ كَانَتْ أَسْبَابًا لِلْهِدَايَةِ لاهْتَدَى كُلُّ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا ، وَقَدْ نَظَرَ إِلَيْهَا كُلُّ مَنْ لَهُ عَقْلٌ سَلِيمٌ ، وَلَمْ يَهْتَدِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ سورة يونس آية 25 ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ سورة النحل آية 93 .
حَدَّثَنَاه أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا ، قَالَ . ح إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ . ح يَعْلَى ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ ثَوْبَانَ " وَلَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْوَضُوءِ إِلا الْمُؤْمِنُ " ، وَقَالَ : " أَفْضَلُ أَعْمَالِكُمْ " ، قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " الطُّهُورُ " ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَهُوَ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى طَهَارَةِ سِرِّهِ مِنَ النَّظَرِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يُحَافِظُ عَلَى طَهَارَةِ ظَاهِرِهِ مِنَ الْحَدَثِ . وَقَوْلُهُ : " لَنْ يُحَافِظَ " دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ " لَنْ تُحْصُوا " أَيْ : لَنْ تُطِيقُوا ، لأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى وَزْنِ الْمُجَاهَدَةِ ، وَهُوَ أَنْ تُجَاهِدَ مَنْ يُجَاهِدُكَ ، أَيْ : تَكُونُ غَالِبًا مَرَّةً ، وَمَغْلُوبًا أُخْرَى ، وَأَنْتَ تَجْهَدُ وَتَبْذُلُ مَجْهُودَكَ فِي الْجِهَادِ ، وَكَذَلِكَ الْمُحَافَظَةُ ، وَذَلِكَ أَنَّكَ تَتَحَفَّظُ جَهْدَكَ وَطَاقَتَكَ فِي تَطْهِيرِ سِرِّكَ ، ثُمَّ تُغْلَبُ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ تُحْفَظُ ثُمَّ تُضَيَّعُ ، مَرَّةً حِفْظٌ وَمَرَّةً ضَيْعَةٌ ، وَأَنْتَ بَاذِلٌ مَجْهُودَكَ فِي حِفْظِ سِرِّكَ ، أَيْ : لَنْ تُطِيقَ الاسْتِقَامَةَ ، وَلَكِنْ تَبْذُلُ مَجْهُودَكَ فِيهِ ، فَيَكُونُ مَرَّةً كَذَا وَمَرَّةً كَذَا ، كَمَا أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْوُضُوءِ لَيْسَ أَنْ لا تُحْدِثَ ، لَكِنْ كُلَّمَا أَحْدَثْتَ تَطْهُرُ ، فَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ فِي الاسْتِقَامَةِ بَيْنَ عَجْزِ الْبَشَرِيَّةِ وَبَيْنَ اسْتِظْهَارِ الرُّبُوبِيَّةِ ، فَيَكُونُ بَيْنَ رِعَايَةٍ وَإِهْمَالٍ ، وَبَيْنَ تَقْصِيرٍ وَإِكْمَالٍ ، وَبَيْنَ مُرَاقَبَةٍ وَإِغْفَالٍ ، وَهُوَ بَيْنَ جَدٍّ وَفُتُورٍ ، كَمَا أَنَّهُ بَيْنَ حَدَثٍ وَطُهُورٍ .
قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْحَارِثِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ . ح دَاوُدُ . . أَبِي الْعَوَّامِ . . أَبُو حَاتِمٍ ، قَالَ . ح عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ نُعْمَانَ ، قَالَ . ح عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حُسَيْنٍ<IDF> هُوَ </IDF>النَّخَعِيُّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " جَالِسِ الْكُبَرَاءَ ، وَسَائِلِ الْعُلَمَاءَ ، وَخَالِطِ الْحُكَمَاءَ " وَقَالَ مِسْعَرٌ : عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ : " وَخَالِلِ الْحُكَمَاءَ " ، حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ . ح أَبُو عَوَانَةَ الإِسْفَرَايِينِيُّ ، قَالَ . ح أَبُو عُمَرَ الإِمَامُ ، قَالَ . ح مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ . ح مِسْعَرٌ قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " جَالِسِ الْكُبَرَاءَ " أَيْ : ذَوُو الأَسْنَانِ وَالشُّيُوخُ الَّذِينَ لَهُمْ تَجَارِبٌ ، وَقَدْ كَمُلَتْ عُقُولُهُمْ ، وَسَكَنَتْ حِدَّتُهُمْ ، وَكَمُلَتْ آدَابُهُمْ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : آرَاؤُهُمْ ، وَزَالَتْ عَنْهُمْ خِفَّةُ الصِّبَا ، وَحِدَّةُ الشَّبَابِ ، وَأَحْكَمُوا التَّجَارِبَ ، فَمَنْ جَالَسَهُمْ تَأَدَّبَ بِآدَابِهِمْ ، وَانْتَفَعَ بِتَجَارِبِهِمْ ، فَكَانَ سُكُونُهُمْ وَوَقَارُهُمْ حَاجِزًا لِمَنْ جَالَسَهُمْ ، وَزَاجِرًا لَهُمْ عَمَّا يَتَوَلَّدُ مِنْ طِبَاعِهِمْ ، وَيَتَبَرَّكُ بِهِمْ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْبَرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُمْ " ، وَقَدْ أَمَرَ بِتَوْقِيرِهِمْ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ لَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا ، فَلَيْسَ مِنَّا " . وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ : " جَالِسِ الْكُبَرَاءِ " ، أَيِ : الْكُبَرَاءُ فِي الْحَالِ ، وَمَنْ لَهُ رُتْبَةٌ فِي الدِّينِ ، وَمَنْزِلَةٌ عِنْدَ اللَّهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَبِيرًا فِي السِّنِّ ، وَالْكَبِيرُ فِي الْحَالِ هُوَ جَمِيعُ عِلْمِ الْوِرَاثَةِ إِلَى عِلْمِ الدِّرَاسَةِ ، فَقَدْ قِيلَ جَاءَ فِي الحديث " مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ " ، فَقَدْ شَرَطَ لِوِرَاثَةِ هَذَا الْعِلْمِ الْعَمَلَ بِعِلْمِ الدِّرَاسَةِ الَّذِي هُوَ عِلْمُ الاكْتِسَابِ ، وَهُوَ عِلْمُ الأَحْكَامِ بَعْدَ أَحْكَامِ عِلْمِ التَّوْحِيدِ ، وَهَذَا عِلْمُ الدِّرَاسَةِ ، وَعِلْمُ الْوِرَاثَةِ : عِلْمُ آفَاتِ النَّفْسِ ، وَآفَاتِ الْعَمَلِ ، وَخِدَعِ النَّفْسِ ، وَغُرُورِ الدُّنْيَا ، وَأَخْبَرَ أَنَّ مَنْ عَمِلَ بِعِلْمِ الاكْتِسَابِ وَرَّثَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ، وَهُوَ عِلْمُ الإِفْهَامِ ، وَفِي نُسْخَةٍ " عِلْمُ الإِلْهَامِ " ، وَالْفَرَاسَةِ الَّذِي هُوَ النَّظَرُ بِنُورِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَإِنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَمَنْ وَرَّثَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْعِلْمَ ، فَهُوَ الَّذِي شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ " ، فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " النُّورُ إِذَا دَخَلَ الْقَلْبَ انْشَرَحَ وَانْفَتَحَ " ، فَقِيلَ : وَمَا عَلامَةُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : " التَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ ، وَالإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ ، وَالاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ دُخُولِهِ ، وَمَنْ تَجَافَى عَنِ الدُّنْيَا كُشِفَ عَنْ سِرِّهِ الْحُجُبُ ، فَصَارَ الْغَيْبُ لَهُ شُهُودًا " قَالَ حَارِثَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا ، فَأَظْمَأْتُ نَهَارِي ، وَأَسْهَرْتُ لَيْلِي ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي .
حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ . ح صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ . ح إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّرْجُمَانِيُّ ، قَالَ . ح يُوسُفُ بْنُ عَطِيَّةَ الصَّفَّارُ ، قَالَ . ح ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي إِذِ اسْتَقْبَلَهُ شَابٌّ مِنَ الأَنْصَارِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثَةُ ؟ " فَقَالَ أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ تَعَالَى حَقًّا ، قَالَ : " انْظُرْ إِلَى مَا تَقُولُ فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيقَةً " ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا ، فَأَسْهَرْتُ لَيْلِي ، وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي ، فَكَأَنِّي بِعَرْشِ رَبِّي بَارِزًا ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَعَاوُونَ فِيهَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَبْصَرْتَ فَالْزَمْ وَفِي رِوَايَةٍ أَصَبْتَ فَالْزَمْ ، عَبْدٌ نَوَّرَ اللَّهُ تَعَالَى الإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ " ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ادْعُ اللَّهَ تَعَالَى لِي بِالشَّهَادَةِ ، فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنُودِيَ يَوْمًا فِي الْخَيْلِ : يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي ، فَكَانَ أَوَّلَ فَارِسٍ رَكِبَ ، وَأَوَّلَ فَارِسٍ اسْتُشْهِدَ ، فَبَلَغَ أُمَّهُ ، فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : أَخْبِرْنِي عَنِ ابْنِي ، فَإِنْ يَكُ فِي الْجَنَّةِ فَلَنْ أَبْكِيَ ، وَلَنْ أَجْزَعَ ، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرُ ذَلِكَ بَكَيْتُ مَا عِشْتُ فِي الدُّنْيَا ، قَالَ : " أُمَّ حَارِثَةَ ، إِنَّهَا لَيْسَتْ بِجَنَّةٍ ، وَلَكِنَّهَا جَنَّةٌ فِي جِنَانٍ ، وَالْحَارِثَةُ فِي الْفِرْدَوْسِ الأَعْلَى " ، فَرَجَعَتْ ، وَهِيَ تَضْحَكُ ، وَتَقُولُ : بَخٍ بَخٍ لَكَ يَا حَارِثَةُ " فَأَخْبَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ نَوَّرَ اللَّهُ تَعَالَى قَلْبَهُ ، وَمَنْ نَوَّرَ اللَّهُ تَعَالَى قَلْبَهُ كُوشِفَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَحْوَالِ الْغَيْبِ ، وَعَلِمَ مَا لَمْ يَتَعَلَّمْ مِنْ جِهَةِ الْيَقِينِ فِيمَا تَعَلَّمَ ، لا أَنَّهُ يَعْلَمُ أَشْيَاءَ مِنَ الأَحْكَامِ ، وَغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ فِي تَعَلُّمِهِ ، حَتَّى يَعْلَمَ الْقُرْآنَ ، وَأَخْبَارَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَحْكَامَ الدِّينِ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمٍ ، لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَلَكِنْ يُكَاشِفُ وَيَنْتَهِكُ الْحُجُبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَثِيرٍ مِنْ أَحْوَالِ الْغَيْبِ ، فَلا يَتَعَرَّضُهُ الشُّكُوكُ ، وَلا يُنَازِعُهُ الْخَوَاطِرُ فِي الْحَقِّ ، وَبَيَانُهُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الْحَقَّ يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ " ، فَهَذِهِ أَوْصَافُ الْكُبَرَاءِ ، وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَجَلَّى عَلَى قَدْرِ زَمَانِهِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : " تَجَلَّى قَدْرُهُ عَلَى أَهْلِ زَمَانِهِ ، فَإِنَّهُ يُجَالِسُ فِي التَّوْقِيرِ ، وَالإِجْلالِ ، وَالتَّعْظِيمِ ، وَذَمِّ الْجَوَارِحِ ، وَمُرَاقَبَةِ الْخَوَاطِرِ ، فَإِنَّ أَهْلَ الصِّدْقِ لَهُمْ نُورٌ ، يَقِفُونَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْطَاكِيُّ : إِذَا جَالَسْتُمْ أَهْلَ الصِّدْقِ ، فَجَالِسُوهُمْ بِالصِّدْقِ ، فَإِنَّهُمْ جَوَاسِيسُ الْقُلُوبِ يَدْخُلُونَ فِي أَسْرَارِكُمْ ، وَيَخْرُجُونَ مِنْ هِمَمِكُمْ ، وَمَنْ جَالَسَهُمْ فَلا يَجِبْ أَنْ يَتَعَرَّضَ عَلَيْهِمْ فِي أَحْوَالِهِمْ ، وَلا يُبَادَرُونَ بشَيْءٍ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : " وَلا يُبَادُونَ " ، وَلا يُنْكَرُ عَلَيْهِمْ حَالٌ ، وَلَكِنْ يُبْصِرُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يَكْشِفُونَ لَهُمْ مَا الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَحْوَالِهِمْ ، أَلا يَرَى إِلَى مَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ لِمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلامُ فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا سورة الكهف آية 70 ، وَإِنَّمَا يُجَالَسُ الْكُبَرَاءُ فِي أَوْقَاتٍ يَكُونُ مِنْهُمُ الْبِدَايَةُ وَالإِذْنُ ، وَلا يُدَاخَلُونَ كُلَّ وَقْتٍ ، فَإِنَّ أَوْقَاتَهُمْ لَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لا يَحْمِلُهُمْ فِيهَا غَيْرُهُ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لِي مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقْتٌ لا يَسَعُنِي فِيهِ غَيْرُهُ " ، هَذَا حَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحَالُهُ أَرْفَعُ مِنْ أَنْ يُعْلَمَ ، أَوْ يُعَبَّرَ عَنْهُ ، وَأَحْوَالُ سَائِرِ الْكُبَرَاءِ عَلَى قَدْرِ مَا يَلِيقُ بِهِمْ ، إِذًا فَهَؤُلاءِ يُجَالَسُونَ تَبَرُّكًا بِهِمْ ، وَتَيَمُّنًا بِرَوَائِحِ أَحْوَالِهِمْ ، فَهُمْ مَلْحَاءُ الْمُرِيدِينَ وَلَهْفَتُهُمْ بِهِمْ , يَتَحَرَّرُونَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يَخَافُونَهُ مِنْ فِتَنِ الزَّمَانِ ، وَشَرِّ أَهْلِهِ ، وَمَكَائِدِ الْعَدُوِّ ، وَبَلاءِ النُّفُوسِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَفْرَقُ مِنْ ظِلِّ عُمَرَ " ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ جَلَّ جَلالُهُ : " هُمُ الْقَوْمُ لا يَشْقَى جَلِيسُهُمْ " وَقَوْلُهُ : " وَخَالِطِ الْحُكَمَاءَ " أَيْ : دَاخِلْهُمْ ، وَاخْتَلِطْ بِهِمْ ، وَكُنْ مَعَهُمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ ، فَإِنَّ الْحَكِيمَ هُوَ الْمُصِيبُ فِي أَقْوَالِهِ ، وَالْمُتْقِنُ لأَفْعَالِهِ ، وَالْمَحْفُوظُ فِي أَحْوَالِهِ ، فَمَنْ خَالَطَهُمْ وَدَاخَلَهُمْ أَخَذَ مَحَاسِنَ أَخْلاقِهِمْ ، وَانْتَفَعَ بِإِصَابَتِهِمْ فِي أَقْوَالِهِمْ ، وَتَهَذَّبَ بِهِمْ فِي مُخْتَلَفِ أَحْوَالِهِمْ . وَقَوْلُهُ : " سَائِلِ الْعُلَمَاءَ " تَنْبِيهٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَلَى إِحْكَامِ الأُمُورِ وَإِصْلاحِهَا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَفِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى ، كَأَنَّهُ يَقُولُ : قَدِّمِ الْعِلْمَ عَلَى الْعَمَلِ لِتَكُونَ أَعْمَالُكَ عَلَى تَقْدِمَةِ الْعِلْمِ بِهَا فَتَصِحَّ . وَقَوْلُهُ : " سَائِلِ الْعُلَمَاءَ " ، لَمْ يَجْعَلْ لَهُ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ : كُنْ أَبَدًا عَالِمًا سَائِلا وَمُتَعَلِّمًا ، وَالْعُلَمَاءُ إِذَا أُطْلِقُوا فَهُمُ الْفُقَهَاءُ ، لأَنَّ الْعِلْمَ إِذَا أُطْلِقَ أُرِيدَ بِهِ عِلْمُ الْفِقْهِ الَّذِي هُوَ عِلْمُ الأَحْكَامِ ، وَمَعْرِفَةُ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ ، وَأَمَّا سَائِرُ الْعُلُومِ فَإِنَّهَا مَقَيَّدَةٌ ، يُقَالُ : عِلْمُ الْكَلامِ ، وَعِلْمُ الْقُرْآنِ ، وَعِلْمُ الْحَدِيثِ ، وَعِلْمُ اللُّغَةِ ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْعُلُومِ ، فَإِنَّهَا تُقَيَّدُ بِذِكْرٍ يَخُصُّهُ بِهِ ، وَكَذَلِكَ الْعُلَمَاءُ إِذَا أُطْلِقَ كَانَ الْمَفْهُومُ بِهِ الْفُقَهَاءَ ، فَأَمَّا سَائِرُ الْعُلَمَاءِ كَسَائِرِ الْعُلُومِ ، فَإِنَّمَا يُقَالُ هَذَا قَوْلُ الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَقَالَ فِيهِ الْمُفَسِّرُونَ , وَكَذَا يَقُولُ اللُّغَوِيُّونَ ، وَقَالَ النَّحْوِيُّونَ , وَبِهِ قَرَأَ فِي الْقُرْآنِ ، يُنْسَبُ أَهْلُ كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْعِلْمِ إِلَى مَا يَنْتَحِلُهُ ، فَالْعُلَمَاءُ اسْمٌ يَخْتَصُّ بِهِ الْفُقَهَاءُ عِنْدَ الإِطْلاقِ . فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : سَائِلِ الْعُلَمَاءَ " أَرَادَ بِهِ مَا قُلْنَاهُ مِنْ عِلْمِ الأَحْكَامِ ، فَإِنَّ الْبَلْوَى بِهِ أَكْثَرُ ، وَالْحَاجَةَ إِلَيْهِ آمَنُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ : حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ ، قَالَ . ح أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَزَّارُ ، قَالَ . ح أَسِيدَةُ بْنُ زَيْدٍ الْجَمَّالُ ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَوْنِيُّ ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ وَلا يَصِحُّ لَهُ أَنْ يُجْنِبَ فِي الْمَسْجِدِ إِلا أَنَا وَعَلِيٌّ " ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لأَنَّ بَيْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَبَيْتَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، كَانَ كَذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ الْبَيْتَانِ لَمْ يَكُونَا مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَلَكِنْ كَانَا مُتَّصِلَيْنِ بِالْمَسْجِدِ ، وَأَبْوَابُهُمَا كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ ، فَيَجْعَلُهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِنَ الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ : " مَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يُجْنِبَ فِي الْمَسْجِدِ إِلا أَنَا وَعَلِيٌّ ، وَإِنْ أَجْنَبْنَا فِيهِ ، فَإِنَّا فِي بُيُوتِنَا " فَيَكُونُ مَعْنَاهُ لا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يُجْنِبَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَنَحْنُ إِنَّمَا نُجْنِبُ فِي بُيُوتِنَا لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَيْتَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، كَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا كَانَ بَيْتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي الْمَسْجِدِ .
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ ، قَالَ . ح أَبُو عِيسَى ، قَالَ . ح عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ ، قَالَ . ح أَبُو فُضَيْلٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " يَا عَلِيُّ ، لا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يُجْنِبَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي وَغَيْرُكَ " ، قَالَ نَصْرٌ : قَالَ أَبُو عِيسَى : قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ : قُلْتُ لِضِرَارِ بْنِ صُرَدَ : مَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ؟ قَالَ : لا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَسْتَطْرِقَهُ جُنُبًا غَيْرِي وَغَيْرُكَ , فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ أَبْوَابَ بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَلِيٍّ كَانَا فِي الْمَسْجِدِ ، فَكَانَا يَسْتَطْرِقَانِ الْمَسْجِدَ إِذَا خَرَجَا مِنْ بُيُوتِهِمَا فِي حَالَةِ الْجَنَابَةِ ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لَهُمَا ، كَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُصَّ بِأَشْيَاءَ ، فَيَكُونُ هَذَا مِمَّا خُصَّ بِهِ ، ثُمَّ خَصَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَخَّصَ لَهُ فِيمَا لَمْ يُرَخِّصْ بِهِ غَيْرَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ أَبْوَابُ بُيُوتِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ ، فَإِنَّهُ كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ أَبْوَابٌ لِبُيُوتٍ غَيْرِ بُيُوتِهِمَا ، حَتَّى أَمَرَ بِسَدِّهَا ، إِلا بَابَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الآخَرُ ، أَنَّهُ قَالَ : " لا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلا سُدَّ غَيْرَ بَابِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِهِ الْمَرُّوكِيُّ ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، قَالَ . ح إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، قَالَ . ح مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَتْ أَبْوَابًا تُطْلَعُ إِلَى الْمَسْجِدِ خَوْخَاتٍ ، وَأَبْوَابُ الْبُيُوتِ خَارِجَةٌ مِنَ الْمَسْجِدِ ، فَأَمَرَ بِسَدِّ تِلْكَ الْخَوْخَاتِ ، فَلَمْ يَكُنْ مَطْلَعٌ فِي الْمَسْجِدِ ، وَتَرْكِ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، تَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى , قَالَ : " سُدُّوا كُلَّ خَوْخَةٍ فِي الْمَسْجِدِ إِلا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
حَدَّثَنَا الْقَوَارِيرِيُّ ، قَالَ . ح حَامِدُ بْنُ سَهْلٍ ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو بَكْرٍ ابْنُ أَخِي الْحُسَيْنِ الْجُعْفِيُّ ، قَالَ . ح زَيْدُ بْنُ يَحْيَى ، وَفِي نُسْخَةٍ : زَيْدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ الْخُزَاعِيُّ ، قَالَ . ح مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سُدُّوا كُلَّ خَوْخَةٍ فِي الْمَسْجِدِ إِلا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ " وَقَالَ غَيْرُهُ : " سُدُّوا الأَبْوَابَ " بِلا لَفْظَةِ : إِلَى الْمَسْجِدِ " وَاتْرُكُوا بَابَ أَبِي بَكْرٍ " فَدَلَّ هَذَا أَنَّ تِلْكَ الأَبْوَابَ لَمْ تَكُنْ أَبْوَابَ الْبُيُوتِ الَّتِي تُدْخَلُ فِيهَا وَتُخْرَجُ مِنْهَا ، وَإِنَّمَا كَانَ خَوْخَاتٍ تَطْلُعُ إِلَى الْمَسْجِدِ كَالْكُوَى ، وَالْمَشَاكِي ، وَبَابُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ بَابَ الْبَيْتِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، حِينَ أَشَارَ إِلَى بَيْتِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، إِلَى جَنْبِ بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبَيْتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي الْمَسْجِدِ ، فَدَلَّ أَنَّ بَيْتَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، كَانَ فِيهِ ، وَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ : لَمْ يَكُنْ يَكُونُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرُهُمَا .
قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ . ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، قَالَ . ح الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : " إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ ، وَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيَاشِيمِهِ " ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِبُعْدِهِ مِنْ مَوَاضِعِ التَّقَيُّدِ ، فَإِنَّ الْعَيْنَ بَابُ النَّظَرِ إِلَى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ سورة الجاثية آية 3 ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ سورة الذاريات آية 21 ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " النَّظَرُ إِلَى الْكَعْبَةِ عِبَادَةٌ " ، فَهِيَ بَابُ الْعَبْرَةِ ، وَالْفَمُ بَابُ الذِّكْرِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ سورة الأعراف آية 69 ، وَالأُذُنُ بَابُ سَمَاعِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَسَمَاعُ الْعِلْمِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ سورة الزمر آية 18 ، وَلَيْسَ فِي الْخَيَاشِيمِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اقْتِرَابُ الشَّيْطَانِ مِنَ الإِنْسَانِ ، وَمَوْضِعُ مَدْخَلِهِ فِيهِ إِمَّا عَنْ طَرِيقِ الْوَسْوَسَةِ ، أَوْ جَرَيَانِهِ فِيهِ ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ " ، وَقَالَ فِي التَّثَاؤُبِ : " التَّثَاؤُبُ فِي الصَّلاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ ، فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ " ، وَقَالَ : " فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَضْحَكُ فِي جَوْفِهِ " ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فِي جَوْفِ الإِنْسَانِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَدْخَلُهُ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ الْخَيَاشِيمِ مِنْ طَرِيقِ الْوَسْوَسَةِ ، وَهُوَ بَابٌ ظَاهِرٌ ، وَيَقُولُ النَّاسُ لِمَنِ اسْتَخَفَّهُ أَمْرٌ ، أَوْ ظَهَرَ فِيهِ كِبْرٌ : نَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي مَنْخَرِهِ . وَقَالَ الْحَجَّاجُ فِي خُطْبَتِهِ : يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ يَا أَهْلَ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ ، قَدْ نَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي مَنَاخِرِكُمْ ، حَتَّى قُلْتُمْ : مَا بِالْحَجَّاجِ فَهْمٌ ، وَهَلْ يَرْجُو الْحَجَّاجُ الْخَيْرَ كُلَّهُ إِلا بَعْدَ الْمَوْتِ ؟ وَهُوَ بَابٌ ظَاهِرٌ يَعْنِي الْخَيْشُومَ ، لَيْسَ لَهُ طَبَقٌ ، وَالْعَيْنُ وَالْفَمُ لَهُمَا طَبَقَانِ ، وَمَا دُونَ الإِزَارِ فَمَسْتُورٌ مِنَ الْمُسْلِمِ ، وَلا يَجِدُ الْعَدُوُّ إِلَيْهِ سَبِيلا ، كَمَا لا يَجِدُ إِلَى السِّقَاءِ إِذَا أُوكِيَ ، وَإِلَى الْبَابِ إِذَا غُلِّقَ . قَالَ .
قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ حَاتِمُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ الْمُهْتَدِي ، قَالَ . ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُثْمَانَ ، قَالَ . ح يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ ، قَالَ قَيْسٌ : قَالَ . ح عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يَنَامُ ، وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ بَاسِطٌ يَدَهُ لِمُسِيءِ اللَّيْلِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى النَّهَارِ ، وَبَاسِطٌ يَدَهُ لِمُسِيءِ النَّهَارِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّيْلِ ، يَرْفَعُ عَمَلَ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ ، وَعَمَلَ النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ ، حِجَابُهُ النَّارُ لَوْ كَشَفَ عَنْهَا لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَ بَصَرُهُ " ، ثُمَّ قَرَأَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا سورة النمل آية 8 ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ نَاعِمٍ ، قَالَ . ح أَبِي حَاتم ، قَالَ . ح عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ . ح عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، قَالَ . ح سُفْيَانُ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى نَحْوَهُ ، وَقَالَ : " حِجَابُهُ النَّهَارُ " ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يَنَامُ " نَفَى عَنْهُ النَّوْمَ الَّذِي هُوَ الاسْتِرَاحَةُ مِنَ التَّعَبِ وَالنَّصْبِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَتَعَالَى عَنِ . . . . اسْتِرَاحَة لَهُ بِصِفَةٍ ، وَالنَّوْمُ غَفْلَةٌ ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ ، وَنَفَى بِقَوْلِهِ : " لا يَنْبَغِي أَنْ يَنَامَ " جَوَازُهُ عَلَيْهِ ، أَيْ : لا يَنَامُ ، وَلا يَجُوزُ النَّوْمُ عَلَيْهِ لأَنَّهُ آفَةٌ ، وَالآفَةُ حَدَثٌ ، وَلَيْسَ عَزَّ وَجَلَّ بِمَحَلٍّ لِلْحَوَادِثِ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا . وَقَوْلُهُ : " يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ " يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ رَفْعَ أَهْلِ الْقِسْطِ وَهُوَ الْعَدْلُ ، وَيَضَعُ أَهْلَ الْجَوْرِ ، أَيْ يَرْفَعُ قَدْرَ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي الدُّنْيَا بَيْنَ النَّاسِ بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ ، وَالْحِفْظِ لَهُمْ وَالْعَوْنِ ، وَفِي الآخِرَةِ بِالثَّوَابِ وَالدَّرَجَاتِ ، وَيَضَعُ أَهْلَ الْجَوْرِ فِي الدُّنْيَا بِالْبُغْضِ لَهُمْ مِنَ النَّاسِ ، وَالْعَاقِبَةِ الْوَبِئَةِ ، وَفِي الآخِرَةِ بِالْعُقُوبَةِ ، وَخِفَّةِ الْمِيزَانِ ، فَلا يُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : يَخْفِضُ أَقْوَامًا لأَجْلِ الْقِسْطِ لأَنَّهُمْ تَرَكُوهُ ، وَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِ ، وَيَرْفَعُ أَقْوَامًا لأَجْلِ الْقِسْطِ ، لأَنَّهُمْ عَمِلُوا بِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَخْفِضُ بِالْقِسْطِ وَيَرْفَعُ بِالْقِسْطِ ، وَمَعْنَاهُ يَرْفَعُ أَقْوَامًا فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْهِدَايَةِ وَالإِيمَانِ وَمَرَاتِبِهِ ، وَيَضَعُ آخَرِينَ بِالذُّلِّ وَالْجَهْلِ وَالضَّلالِ وَالْكُفْرِ ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ عَادِلٌ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ ، وَلا جَائِرٍ عَلَيْهِمْ ، لأَنَّ الظُّلْمَ لا يَكُونُ مِنْهُ ، وَالْجَوْرَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ، لأَنَّهُ لَيْسَ تَحْتَ قُدْرَةِ قَادِرٍ ، وَلا فَوْقَهُ آمِرٌ ، وَلا زَاجِرٌ ، فَيَكُونُ ظَالِمًا بِتَرْكِ الأَمْرِ ، أَوْ جَائِرًا عَنْ سُنَنِ الْحَقِّ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى " يَخْفِضُ الْقِسْطَ " ، أَيْ : يُنْقِصُ الْعَدْلَ فِي الأَرْضِ بِغَلَبَةِ الْجَوْرِ وَأَهْلِهِ ، وَيَرْفَعُهُ بِالْبَسْطِ فِي الأَرْضِ بِغَلَبَةِ الْعَدْلِ وَأَهْلِهِ ، فَقَدْ كَانَ الْقِسْطُ وَالْعَدْلُ وَالإِيمَانُ غَيْرَ مَوْجُودٍ ، وَلا مَعْرُوفٍ بِغَلَبَةِ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ، ثُمَّ بَسَطَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِإِرْسَالِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ ، ثُمَّ ظَهَرَ الْجَوْرُ وَالْكُفْرُ حَتَّى أَرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَسَطَ الْقِسْطَ ، وَأَظْهَرَ الإِيمَانَ ، وَمَحَقَ الْكُفْرَ ، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَأْنِ الْمَهْدِيِّ : " فَيَمْلأُ الأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا " . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بَاسِطٌ يَدَهُ لِمُسِيءِ اللَّيْلِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى النَّهَارِ " ، الْيَدُ صِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ ، وَلَوْ لَمْ يَرِدِ السَّمْعُ لَمْ يَجُزِ الْقَوْلُ ، لأَنَّهُ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ ، فَلَمَّا وَرَدَ السَّمْعُ بِهِ وَجَبَ التَّصْدِيقُ لَهُ ، وَالإِيمَانُ بِهِ ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ ، وَنَفْيُ التَّشْبِيهِ وَأَوْصَافِ الْحَدَثِ عَنْهُ , قَالَ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَسَائِرُ الْمُثْبِتَةِ : لَهُ يَدٌ لا كَالأَيْدِي ، كَمَا أَنَّهُ مَوْجُودٌ لا كَالْمَوْجُودِينَ ، وَشَيْءٌ لا كَالأَشْيَاءِ . وَقَالَ بَعْضُ الْمُثْبِتَةِ : إِنَّهَا يَدُ صِفَةٍ ، وَلَيْسَتْ بِيَدِ جَارِحَةٍ ، وَلا جُزْءٍ ، وَلا بَعْضٍ كَمَا أَنَّ ذَاتَهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ، وَلا جَوْهَرٍ ، وَلا عَرَضٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ سورة الفتح آية 10 ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ سورة ص آية 75 ، وَقَالَ تَعَالَى : يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ سورة المائدة آية 64 وَوَرَدَ الْخَبَرُ بِقَوْلِهِ : " بَاسِطٌ يَدَهُ " ، فَصَدَّقَهُ الْقُرْآنُ ، فَوَجَبَ تَصْدِيقُهُ , وَالْقَوْلُ بِهِ عَلَى مَا قُلْنَا . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بَاسِطٌ يَدَهُ لِمُسِيءِ اللَّيْلِ إِلَى النَّهَارِ " ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنْ لا يُثْبِتَ إِسَاءَتَهُ فِي دِيوَانِهِ لَيْلَتَهُ ، وَيُمْهِلَهُ إِلَى النَّهَارِ كَمَا .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ . ح الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ . ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ ، قَالَ . ح بِشْرُ بْنُ نُمَيْرٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " صَاحِبُ الْيَمِينِ أَمِيرٌ عَلَى صَاحِبِ الشِّمَالِ ، فَإِذَا عَمِلَ الْعَبْدُ الْحَسَنَةَ كَتَبَهَا لَهُ عَشْرَ أَمْثَالِهَا ، وَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً , قَالَ صَاحِبُ الْيَمِينِ لِصَاحِبِ الشِّمَالِ : أَمْسِكْ ، فَيُمْسِكُ عَنْهُ سَبْعَ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ ، فَإِنِ اسْتَغْفِرْ لَمْ يَكْتُبْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْفِرْ كَتَبَ سَيِّئَةً وَاحِدَةً " ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُمْسِكُ عَنْ إِثْبَاتِهَا فِي دِيوَانِهِ لِيَسْتَغْفِرَ ، فَمَعْنَى " بَاسِطٌ يَدَهُ " يَعْنِي : بِالرَّحْمَةِ وَالإِمْهَالِ لِيَتُوبَ ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَأَثْبَتَهَا حَسَنَةً فِي دِيوَانِهِ ، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ سورة الفرقان آية 70 ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ أَثْبَتَهَا فِي دِيوَانِهِ سَيِّئَةً وَاحِدَةً ، وَالتَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ لَهُ إِلَى أَنْ يُغَرْغِرَ بِالْمَوْتِ ، وَالشَّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنْ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا ، وَالرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ سورة الأعراف آية 156 وَقَوْلُهُ : " يَرْفَعُ عَمَلَ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ " ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : تَصْعَدُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ بِأَعْمَالِ الْخَلْقِ فِي اللَّيْلِ إِلَى السَّمَاءِ قَبْلَ النَّهَارِ ، وَمَلائِكَةُ النَّهَارِ بِأَعْمَالِ الْخَلْقِ فِي النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : يَقْبَلُ أَعْمَالَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلَصِينَ فِي لَيْلِهِمْ قَبْلَ النَّهَارِ ، وَفِي نَهَارِهِمْ قَبْلَ اللَّيْلِ ، وَيَكُونُ فِيهِ مَعْنَى تَعْجِيلِ إِجَابَتِهِ لِمَنْ دَعَاهُ ، وَحُسْنِ قَبُولِهِ لِمَنْ عَمِلَ لَهُ ، وَسُرْعَةِ إِقْبَالِهِ عَلَى مَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ : " حِجَابُهُ النَّارُ " ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : أَيْ حَجَبَ الْخَلْقَ عَنْ إِدْرَاكِهِ ، وَالتَّوَهُّمِ لَهُ ، وَالْفِكْرَةِ فِيهِ بِسُلْطَانِهِ وَجَبَرُوتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ ، فَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا . وَقَوْلُهُ : " لَوْ كَشَفَ عَنْهَا " ، يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ لَوْ كَشَفَ الْحِجَابَ عَنْ خَلْقِهِ ، وَهُوَ حِجَابُ لُطْفِهِ عَنْ أَوْلِيَائِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ ، وَحِجَابُ الْغَفْلَةِ عَنْ أَعْدَائِهِ وَمَنْ جَحَدَهُ ، وَحِجَابُ الرَّحْمَةِ عَنْ سَائِرِ الأَشْيَاءِ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ مِنْ جَمَادٍ وَحَيٍّ ، فَظَهَرَ لَهُمْ جَلالُهُ وَهَيْئَتُهُ وَقَهْرُهُ لَتَلاشَتِ الأَشْيَاءُ كُلُّهَا ، وَاضْمَحَلَّتْ وَفَنِيَتْ وَغَابَتْ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا سورة الأعراف آية 143 ، أَيْ : بَانَ لَهُ سُلْطَانُهُ وَعَظَمَتُهُ ، فَصَارَ تُرَابًا ، بَلْ تَلاشَى ، وَذَهَبَ وَفَنِيَ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا تَجَلَّى لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ " .
قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَبُو عَلِيٍّ الإِسْفَرَايِينِيُّ ، قَالَ . ح أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ أَبُو شُعَيْبٍ الْمَدَائِنِيُّ ، قَالَ . ح أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ ، قَالَ . ح دُحَيْمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ . ح مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، وَقَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ ، رضي الله عنهما ، قَالا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا تَجَلَّى لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ ، فَإِذَا انْكَسَفَ وَاحِدٌ مِنْهَا ، فَصَلُّوا كَأَتَمِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلَّيْتُمُوهَا " ، أَخْبَرَ أَنَّ الأَشْيَاءَ فِي حُجْبَةٍ عَنْهُ ، وَلَوْ كَشَفَ الْحِجَابَ عَنْهَا تَلاشَتْ ، وَمَعْنَى التَّجَلِّي إِظْهَارُ الْهَيْبَةِ وَالْجَلالِ ، فَعَلَى قَدْرِ مَا يَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ ذَهَابُ الأَشْيَاءِ ، وَعَلَى قَدْرِ مَا يَحْجِبُهَا يَكُونُ بَقَاؤُهَا . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " حِجَابُهُ النَّارُ " يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّارُ عِبَارَةً عَنِ الشُّغْلِ ، أَيْ : حَجَبَ الْخَلْقَ عَنْهُ لِيَشْغَلَهُمْ بِذَاتِهِمْ وَحَاجَاتِهِمْ مِنْ ضَرُورَاتٍ وَشَهَوَاتٍ ، وَلَوْ كَشَفَ الْحِجَابَ عَنْهُمْ فَبَانَ لَهُمْ هَيْئَتُهُ وَسُلْطَانُهُ تَلاشَوْا وَفَنَوْا . وَمَعْنَى : " سُبُحَاتُ وَجْهِهِ " يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنِ الْجَلالِ وَالْهَيْبَةِ ، لأَنَّ التَّسْبِيحَ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِجْلالُهُ وَتَعْظِيمُهُ ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ : " لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ " ، أَيْ : أَفْنَى جَلالُهُ وَهَيْبَتُهُ وَقَهْرُهُ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ . وَمَعْنَى : " مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ ، أَيْ : كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَأَحْدَثَهُ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى الثَّرَى ، كَأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ مَوْجُودٍ سِوَاهُ ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ : " مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ " عَلَى التَّحْدِيدِ وَالتَّجْزِئَةِ ، حَتَّى يَكُونَ وَرَاءَ ذَلِكَ شَيْءٌ مَوْجُودٌ ، بَلْ هُوَ مُسْتَوْعِبٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ سِوَاهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مُدْرِكٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ لا يَغِيبُ عَنْ بَصَرِهِ شَيْءٌ ، وَلا يَسْتَتِرُ عَنْهُ مَخْلُوقٌ ، وَلا يَتَوَارَى عَنْهُ مُحْدَثٌ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا .
قَالَ : حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ ، قَالَ : يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ . ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ، قَالَ . ح أَبُو مُعَاوِيَةَ ، قَالَ . ح إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سَأَلْتُ الشَّفَاعَةَ لأُمَّتِي ، فَقَالَ : لَكَ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، فَقُلْتُ : رَبِّ زِدْنِي ، فَقَالَ : لَكَ مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، فَقُلْتُ : رَبِّ زِدْنِي ، فَقَالَ : لَكَ هَذَا ، فَيَجِيءُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ ، وَعَنْ شِمَالِهِ " ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : حَسْبُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : دَعْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يُكْثِرُ لَنَا مَا أَكْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِنَّهَا حَثْيَةٌ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " صَدَقَ أَبُو بَكْرٍ " ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الزَّاهِدُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : فِي حَثْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مَعْنَيَانِ : الْكَثْرَةُ وَالاخْتِلاطُ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَثَى عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ لا يُمَيِّزُ وَلا يَخْتَارُ ، فَيَأْخُذُ شَيْئًا وَيَدَعُ آخَرَ ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ مَا حَصَلَ فِي قَبْضَتِهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ ، وَعَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ ، وَمَا كَانَ مِنَ الْعَدُوِّ ، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَ بِحَثْيَتِهِ أَنَّ الَّذِينَ شَفَّعَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ يَجُوزُ الْعَدَدَ كَثْرَةً ، وَالصِّفَةَ جَمِيعًا ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : شَفَّعَنِي اللَّهُ تَعَالَى فِي أُمَّتِي بِغَايَةٍ مِنَ الْكَثْرَةِ لا يُحْصَى عَدَدُهُمْ ، وَلا يُعْرَفُ أَوْصَافُهُمْ مُسِيئِينَ كَانُوا أَوْ مُحْسِنِينَ ، أَصْحَابَ صَغَائِرَ كَانُوا أَوْ كَبَائِرَ ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " شَفَاعَتِي لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي " .
قَالَ : وَحَدَّثَنَا حَاتِمٌ ، قَالَ . ح يَحْيَى ، قَالَ . ح نُوحُ بْنُ قَيْسٍ الْجِرَانِيُّ ، عَنْ زُبَيْرٍ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنْ تَشْفَعُ ؟ قَالَ : " لأَصْحَابِ الدِّمَاءِ وَالْعَظَائِمِ " فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَشَارَ بِحَثْيَةٍ إِلَى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ ، وَاخْتِلافِ أَحْوَالِهِمْ ، وَتَبَايُنِ أَوْصَافِهِمْ وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِنَّهَا حَثْيَةٌ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّنَا ، وَتَصْدِيقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِيَّاهُ إِخْبَارٌ مِنْهُ أَنَّ الْكَثِيرَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجَاوِزُ الْعَدَدَ وَالإِحْصَاءَ ، فَكَيْفَ بِالَّذِي يَعْلَمُ اللَّهُ تَعَالَى بِكَثْرَتِهِ ، فَفِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَلالَةٌ أَنَّهُ شُفِّعَ فِي جَمِيعِ أُمَّتِهِ مِنْ أَهْلِ الإِيمَانِ ، أَلا تَرَى يَقُولُ : حَسْبُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيْ : قَدِ اسْتَوْعَبْتَ ، وَقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : دَعْ رَسُولَ اللَّهِ يُكْثِرُ لَنَا مَا أَكْثَرَ اللَّهُ لَنَا ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ إِشَارَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَا أَدْرَكَهُ أَبُو بَكْرٍ ، لأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلِمَ أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنِ الْجَمِيعِ ، حَتَّى لا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ غَايَةٌ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُهُ الآخَرُ .
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ ، قَالَ . ح حَمْدَانُ بْنُ ذِي النُّونِ ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْفَضْلِ ، وَأَجْيَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالُوا . ح مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ . ح دَاوُدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَوْدِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ الأَشْعَرِيَّ ، يُحَدِّثُ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ الْبَصْرِيِّ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ، قَالَ : سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ذَاتَ يَوْمٍ فَنَزَلْنَا مَنْزِلا فَكُنَّا مَعَهُ ، فَفَقَدْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَخَرَجْنَا نَطْلُبُهُ ، فَاطَّلَعَ عَلَيْنَا يَتَبَسَّمُ ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْنَا ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ كُنْتَ ؟ قَالَ : " أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ، فَخَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ نِصْفُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ وَبَيْنَ أَنْ يَتَقَبَّلَ شَفَاعَتِي فِيهِمْ , قَالَ : فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ " ، فَقُلْنَا : أَتَشْفَعُ لَنَا ؟ قَالَ : " قَدْ شَفَعْتُ لَكُمْ " ، فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ قَالَ : " هِيَ لِمَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُخْلِصًا " ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَقَدْ تَخْرُجُ هَذِهِ الأَخْبَارُ بِمَا تَضَمَّنَتْ إِشَارَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَثْيَتِهِ ، وَأَنَّهَا إِخْبَارٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، بِأَنَّهُ شَفَّعَهُ فِي جَمِيعِ أُمَّتِهِ ، وَأَنَّهُ لا يَخْرُجُ مِنْهَا أَصْحَابُ الْكَبَائِرِ وَالْعَظَائِمِ ، وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ سِوَى الإِيمَانِ خَيْرًا ، حِينَ أَخْبَرَ أَنَّهَا حَثْيَةٌ مِنْ حَثَيَاتِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ ، فَمَعْنَى الْحَثْيَةِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِبَارَةٌ عَمَّا قُلْنَاهُ .

Statistiques du graphe

Sortant3
Entrant100
Total103

Traductions

🇸🇦 Arabic
بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخيار للكلاباذي